هل للأم عيد ؟
الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه ، أما بعد :
فمن المعلوم ضرورة أن ديننا الحنيف أمر ببر الوالدين جميعًا ، والإحسان إليهما ، وجعل ذلك فرضًا على الأبناء ؛ ففرَضَ البرَّ والإحسان لهما جميعًا ، ثم بيَّن أن الأم تقدم في البر والإحسان ، لما لها على أبنائها من فضل بعد فضل الله تعالى ، لا يعدله فضل : حملٌ ، وولادةٌ ، ورضاعٌ ، ورعايةٌ ؛ وَهَنٌ ، ومشقة ، ومكابدة ، في أمل وعاطفة وحب وشفقة ورجاء وخوف .. كل ذلك وهي سعيدة بما تقوم به ، تنظر إلى ولدها نظرة الشفقة والرحمة ، تدعو الله تعالى في كل أوقاتها أن يحفظه ويرعاه ، ويجعله من أفضل الناس ؛ وتتابع زرعها بكل ما أوتيت من قدرة ، حتى ترى ثمرة سعيها بِرًّا ، وشفقة ، ورحمة ، وردًّا للجميل ، ومعرفة لحقها ؛ قال الله تعالى : وَوَصَّيْنَا الأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ [ لقمان : 14 ] ، وقال تعالى : وَوَصَّيْنَا الأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً[ [ الأحقاف : 15 ] .
فتأمل ، كيف أمر الله تعالى بالإحسان إلى الوالدين ، ثم ذكر ما كان من فضل الأم من الحمل والولادة والرضاعة وما تعانيه في ذلك من مشقة وتعب وضعف ؛ وفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي ؟ قَالَ: " أُمُّكَ " ، قَالَ : ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ : " أُمُّكَ " ، قَالَ : ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ : " أُمُّكَ " ، قَالَ : ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ : " أَبُوكَ " ؛ فَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَحَبَّةَ الأُمِّ ، وَالشَّفَقَةَ عَلَيْهَا ، وحسن معاشرتها ، والإحسان إليها ، يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ ثَلاثَةَ أَمْثَالِ الأَبِ ، لِذِكْرِ رَسُولِ اللَّهِ الأُمَّ ثَلاثَ مَرَّاتٍ ، وَذِكْرِ الأَبِ مَرَّةً وَاحِدَةً ؛ وَالسِّرُّ فِي ذَلِكَ - كَمَا قَالَ العلماء - أَنَّ الأُمَّ تَنْفَرِدُ عَنْ الأَبِ بِثَلاثَةِ أَشْيَاءَ : صُعُوبَةُ الْحَمْلِ , وَصُعُوبَةُ الْوَضْعِ , وَصُعُوبَةُ الرَّضَاعِ , فَهَذِهِ تَنْفَرِدُ بِهَا الأُمُّ ، وَتَشْقَى بِهَا ، ثُمَّ تُشَارِكُ الأَبَ فِي التَّرْبِيَةِ . وعند أحمد والبخاري في الأدب المفرد وابن ماجة عَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : " إِنَّ اللَّهَ يُوصِيكُمْ بِأُمَّهَاتِكُمْ ( ثَلاثًا ) ، إِنَّ اللَّهَ يُوصِيكُمْ بِآبَائِكُمْ، إِنَّ اللَّهَ يُوصِيكُمْ بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ " ، قال الهيتمي في ( الزواجر عن الكبائر ) : وَلِكَوْنِ الأُمِّ أَحْمَلَ لِذَلِكَ ، وَأَصْبَرَ عَلَيْهِ ، مَعَ أَنَّ عَنَاءَهَا أَكْثَرُ ، وَشَفَقَتَهَا أَعْظَمُ ، بِمَا قَاسَتْهُ مِنْ حَمْلٍ ، وَطَلْقٍ ، وَوِلادَةٍ ، وَرَضَاعٍ ، وَسَهَرِ لَيْلٍ , وَتَلَطُّخٍ بِالْقَذَرِ وَالنَّجَسِ , وَتَجَنُّبٍ لِلنَّظَافَةِ وَالتَّرَفُّهِ ، حَضَّ عَلَى بِرِّهَا ثَلاثَ مَرَّاتٍ , وَعَلَى بِرِّ الأَبِ مَرَّةً وَاحدَةً .ا.هـ .
وروى النسائي في الكبرى والحاكم من حديث عائشة - - أنها سألت النبي : أي الناس أعظم حقًّا على المرأة ؟ قال : " زوجها " ، قلت : فأي الناس أعظم حقًّا على الرجل ؟ قال : " أمه " ([1]) ؛ ولله در القائل :
لأُمِّك حَقٌّ لَوْ عَلِمْت كَبِيرُ ... كَثِيرُك يَا هَذَا لَدَيْهِ يَسِيرُ
فَكَمْ لَيْلَةٍ بَاتَتْ بِثِقْلِك تَشْتَكِي ... لَهَا مِنْ جَوَاهَا أَنَّةٌ وَزَفِيرُ
وَفِي الْوَضْعِ لَوْ تَدْرِي عَلَيْهَا مَشَقَّةٌ ... فَمِنْ غُصَصٍ مِنْهَا الْفُؤَادُ يَطِيرُ
وَكَمْ غَسَلَتْ عَنْك الْأَذَى بِيَمِينِهَا ... وَمَا حِجْرُهَا إلَّا لَدَيْك سَرِيرُ
وَتَفْدِيك مِمَّا تَشْتَكِيهِ بِنَفْسِهَا ... وَمِنْ ثَدْيِهَا شُرْبٌ لَدَيْك نَمِيرُ
وَكَمْ مَرَّةٍ جَاعَتْ وَأَعْطَتْك قُوتَهَا ... حُنُوًّا وَإِشْفَاقًا وَأَنْتَ صَغِيرُ
فَآهًا لِذِي عَقْلٍ وَيَتَّبِعُ الْهَوَى ... وَآهًا لِأَعْمَى الْقَلْبِ وَهُوَ بَصِيرُ
فَدُونَك فَارْغَبْ فِي عَمِيمِ دُعَائِهَا ... فَأَنْتَ لِمَا تَدْعُو إلَيْهِ فَقِيرُ


[1] - النسائي في الكبرى ( 9148 ) ، والحاكم ( 7244 ) وصححه ، وقال المنذري في ( الترغيب والترهيب ) : 3 / 34 ) : رواه البزار والحاكم ، وإسناد البزار حسن .