التورع عن الفتيا ما أمكن لأن الفتوى أمرها عظيم وخطرها كبير
وقد تواترت أقوال السلف من الصحابة والتابعين على تقرير ذلك
قال محمد ابن المنكدر : إن العالم يدخل فيما بين الله وبين عباده فليطلب لنفسه المخرج ([1])
وعن عقبة بن مسلم قال : صحبت عبد الله بن عمر t أربعة وثلاثين شهراً فكثيراً ما كان يسأل فيقول : لا أدري ، ثم يلتفت إلي فيقول : تدري ما يريد هؤلاء ؟ يريدون أن يجعلوا ظهورنا جسراً لهم إلى جهنم ([2]).
وعن ابن عباس t قال : ( إذا أغفل العالم لا أدري أصيبت مقاتله ([3]) ) .
وقال الزهري : عن خالد بن أسلم وهو أخو زيد بن أسلم : خرجنا مع ابن عمر نمشي فلحقنا أعرابي فقال : أنت عبد الله بن عمر قال : نعم قال : سألت عنك فدللت عليك فأخبرني أترث العمة ؟ قال لا أدري ، قال : أنت لا تدري قال : نعم اذهب إلى العلماء بالمدينة فاسألهم فلما أدبر قبل يديه وقال : نِعْمَ ما قال أبو عبد الرحمن : سئل عما لا يدري فقال : لا أدري ([4])
وعن عبد الله بن مسعود ، وابن عباس قالا : من أفتى الناس في كل ما يستفتونه فهو مجنون ([5]) .
وعن علي بن أبي طالب t قال : ( إذا سئلتم عما لا تعلمون فاهربوا قال وكيف الهرب يا أمير المؤمنين قال : تقولون الله أعلم ([6]) ) .
وعن عمر بن الخطاب t أنه قال لابن مسعود t : ألم أنبأ ، أو أنبئت أنك تفتي ولست بأمير ول حارها من تولى قارها ([7]).
وعن علي t قال : وأبردها على كبدي ثلاث مرات قالوا:وما ذاك ؟ قال : أن تسأل الرجل عما لا يعلم فيقول : الله أعلم ([8]) .
وعن أبي موسى t قال : في خطبته من علم علماً فليعلم الناس وإياه أن يقول ما لا علم له به فيمرق من الدين ويكون من المتكلفين ([9])
وعن علي t قال : خمس لو سافر الرجل فيهن إلى اليمن كن فيه عوضاً من سفره : لا يخشى عبد إلا ربه ، ولا يخاف إلا ذنبه ، ولا يستحي من لا يعلم أن يتعلم ، ولا يستحي من تعلم إذا سئل عما لا يعلم أن يقول الله أعلم ، والصبر من الدين بمنزلة الرأس من الجسد فإذا قطع الرأس تعرى الجسد ([10]) .
وعن ابن سيرين أنه قال : لأن يموت الرجل جاهلاً خير له من أن يقول بلا علم ([11]) .
فإذا أفتى أو حكم من خلال نظرٍ قاصرٍ أو قلة بحثٍ وتثبتٍ وتروٍ فقد يخطئ الصواب ويقع في محذور يزل فيه خلق كثير
وقد جاء عن النبي ما يؤيد التثبت والتحري في الفتيا والاجتهاد ؛ ومن ذلك قوله : (( من أفتى بفتيا غير ثبت ، فإنما إثمه على من أفتاه )) وقال أيضاً عليه الصلاة والسلام : (( أجرأكم على الفتيا أجرأكم على النار ))
و يروى عن ابن مسعود قوله : (( من أجاب الناس في كل ما يسألونه عنه فهو مجنون )) .

وقال أبو حصين الأسدي : إن أحدكم ليفتي في المسألة ولو وردت على عمر لجمع لها أهل بدر ([12]) .
وعن سفيان الثوري أنه كان يقول : ليتني لم أكتب العلم وليتني أنجو من علمي كفافاً لا علي ولا لي ([13]) .
وعن سفيان الثوري أنه قال : لو لم أعلم لكان أقل لحزني ([14]) .
وعن أبي الأحوص قال : سمعت سفيان الثوري يقول : وددت أن أنجو من هذا الأمر كفافاً لا علي ولا لي ([15]) .
وعن ضمرة قال سمعت سفيان يقول : وددت أن أنفلت من هذا الأمر لا لي ولا علي ([16]) .
وعن أيـوب السختياني ، وسفيان بن عيينة قالا : أجسر الناس على الفتيا أقلهم علماً باختلاف العلماء ، وأمسك الناس عن الفتيا أعلمهـم باختلاف العلماء ([17]) .
وقال محمد ابن المنكدر : إن العالم يدخل فيما بين الله وبين عباده فليطلب لنفسه المخرج ([18])
وفي الحديث " أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار " .


([1]) أخرجه الدارمي رقم ( 137 ) 1 / 65 ، وأبو نعيم في حلية الأولياء 3 / 153 ، والخطيب البغدادي في الكفاية في علم الرواية ص 168 ، وذكره ابن مفلح في الآداب الشرعية 2 / 66 ، والشهرزوي في أدب المفتي والمستفتي ص 74 ، وابن الصلاح في فتاواه ص 7 – 8 ، وابن القيم في أعلام الموقعين 2 / 186، وجمال الدين القاسمي في قواعد التحديث ص 336 ، وفي الفتوى في الإسلام له ص 44 ، والدهلوي في الإنصاف ص 47 .

([2]) أخرجه ابن عبد البر في جامع العلم وفضله رقم ( 1585 ) 2 / 841 ، ورقم ( 1629 ) 2 / 863 ، والخطيب البغدادي في الفقيه المتفقه 2 / 172 ، وذكره ابن القيم في أعلام الموقعين 4 / 218، وأحمد النمري الحراني في صفة الفتوى ص 10 .

([3]) أخرجه عبد الرزاق في الأمالي في آثار الصحابة رقم ( 162 ) ص 104 ، والبيهقي في المدخل إلى السنن الكبرى رقم ( 813 ) ص 436 ، وابن عبد البر في جامع العلم وفضله رقم ( 1580- 1581 ) 2 / 839 - 40 ، وذكره النووي في آداب الفتوى ص15، والشاطبي في الموافقات 4 / 288 ، والشهرزوي في أدب المفتي والمستفتي ص 77 ، وابن مفلح في الآداب الشرعية 2 / 61 .

([4]) أخرجه الدارمي رقم ( 179 ) 1 / 74 ، وابن سعد في الطبقات الكبرى 4 / 144 ، والبيهقي في السنن الكبرى رقـم ( 7021 ) 4 / 82 ، وفي المـدخل إلى السنن الكبرى رقم ( 796 ) ص 431 – 432 ، وابن عبد البر في جامع العلم وفضله رقم ( 1563 – 1566 ) 2 / 834 – 836 ، وابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق 31 / 168 - 169 ، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة 1 / 566 ، وابن مفلح في الآداب الشرعية 2 / 64 ، وابن القيم في أعلام الموقعين 2 / 185 ، والقرطبي في التفسير 1 / 285 ، وابن حجر في فتح الباري 3 / 273 ، وفي تغليق التعليق 3 / 5 ، والمناوي في فيض القدير 4 / 387 .

([5]) أخرجه الدارمي رقم ( 171 ) 1 / 73 ، والبيهقي في المدخل إلى السنن الكبرى رقم ( 798 – 799 ) ص432- 433 ، والطبراني في الكبير t رقم ( 8923 – 8924 ) 9 / 18 ، والمقدسي في أطراف الغرائب رقم ( 3945 ) ص 167 ، وابن بطة في إبطال الحيل ص 65 – 66 ، وأبو يوسف في كتاب الآثار رقم ( 903 ) ص 200، وابـن عبد البر في جامع العلم وفضلـه رقم ( 2204 ، 2206 ، 2208 ) 2 / 123 – 1124 ، ورقم ( 1590 ) 2 / 843 ، ورقم ( 2213 ) 2 / 1125 ، وذكره النووي في آداب الفتوى ص 14 ، وأحمد النمري الحراني في صفة الفتوى ص 7 ، والشهرزوي في أدب المفتي والمستفتي ص 75 ، وابن الصلاح في فتاواه ص 9 ، وابن مفلح في الآداب الشرعية 2 / 64 ، وابن قدامة في المغني 10 / 94 ، وابن القيم في أعلام الموقعين 2 / 185 .

([6]) أخرجه الدارمي رقم ( 177 ) 1 / 74 ،

([7]) أخرجه الدارمي رقم ( 170 ) 1 / 73 ، وعبد الرزاق رقم ( 20678 ) 11 / 329 ، وابن عبد البر في جامع العلم رقم ( 2215 ) 2 / 1126 ، وابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق 40 / 521 ، والذهبي في سير أعلام النبلاء 4/ 612 ، وذكره صالح بن محمد العمري في إيقاظ الهمم ص 18 .

([8]) أخرجه الدارمي رقم ( 175 – 176 ، 178 ) 1 / 74 ، والبيهقي في المدخل إلى السنن الكـبرى رقـم ( 794 ) ص 430 ، وابن عـبد البر في جامع العلـم وفضلـه رقم ( 1569 ) 2 / 836 ، والخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه 2 / 171 ، وابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق 42 / 510 ، وذكره ابن مفلح في الآداب الشرعية 2 / 65 ، والمناوي في فيض القدير 1 / 98 ، 4 / 387 ، وأبو المحاسن الحنفي في معتصر المختصر ص 353 ، والقرطبي في التفسير 1 / 285 .

([9]) أخرجه الدارمي رقم ( 174 ) 1 / 74 ، وأبو يعلى في طبقات الحنابلة 1 /331، وذكره ابن مفلح في الآداب الشرعية 2 /63، وفي الفروع 6 / 380 .

([10]) أخرجه البيهقي في المدخل إلى السنن الكبرى رقم ( 795 ) ص 431 ، وابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق 42 / 511 ، وذكره ابن مفلح في الآداب الشرعية 2 / 64 ، وابن القيم في أعلام الموقعين 2 / 185 .

([11]) أخرجه البيهقي في المدخل إلى السنن الكبرى رقم ( 804 ) ص 434 ، وذكره ابن مفلح في الآداب الشرعية 2 / 65 ، وابن القيم في أعلام الموقعين 2 / 185 .

([12]) أخرجه البيهقي في المدخل إلى السنن الكبرى رقم ( 803 ) ص 434 ، وابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق 38 / 411 ، والمزي في تهذيب الكمال في ترجمة عثمان بن عاصم بن حصين الأسدي رقم ( 3828 ) 19 / 401 – 419 ، والذهبي في سير أعلام النبلاء في ترجمة عثمان بن عاصم بن حصين الأسدي رقم ( 182 ) 5 / 412 – 416 ، والحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب في ترجمة عثمان بن عاصم بن حصين الأسدي رقم ( 269 ) 7 / 116 ، وذكره الخزرجى في خلاصة تذهيب تهذيب الكمال في نفس الترجمة ص 260 ، وابن مفلح في الآداب الشرعية 2 / 65 ، والقاسمي في الفتوى في الإسلام ص 44 ، والمباركفوري في تحفة الأحوذي 2 / 100 .

([13]) أخرجه الخطيب البغدادي في اقتضاء العلم العمل رقم ( 83 ) ص 55 .

([14]) أخرجـه أبو نعيم في حليـة الأولياء 6 / 363 ، وابن الجوزي في صفـة الصفوة رقم ( 443 ) 3 / 147 .

([15]) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء 6 / 363 ، 3 / 6 .

([16]) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء 6 / 363 ،

([17]) أخرجه ابن المبارك في الزهد رقم ( 413 ) ص 125 ، وابن عبد البر في جامع العلم وفضله رقم ( 1525 ) 2 / 816 ، ورقم ( 1591 ) 2 / 843 ، ورقم ( 2209 ) 2 / 1124 ، وذكره الشاطبي في الموافقات 4 / 161 ، وصالح العمري في إيقاظ الهمم ص 32 – 33 .

([18]) أخرجه الدارمي رقم ( 137 ) 1 / 65 ، وأبو نعيم في حلية الأولياء 3 / 153 ، والخطيب البغدادي في الكفاية في علم الرواية ص 168 ، وذكره ابن مفلح في الآداب الشرعية 2 / 66 ، والشهرزوي في أدب المفتي والمستفتي ص 74 ، وابن الصلاح في فتاواه ص 7 – 8 ، وابن القيم في أعلام الموقعين 2 / 186، وجمال الدين القاسمي في قواعد التحديث ص 336 ، وفي الفتوى في الإسلام له ص 44 ، والدهلوي في الإنصاف ص 47 .