الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه .. لا نحصي ثناءا عليه ، هو كما أثنى على نفسه سبحانه ..والصلاة والسلام على رحمة الله للعالمين ، وعلى آله وأصحابه وأتباعه أحبابه أجمعين.. أما بعد ...
مدخل لخطورة ما نناقشه.

"القرآن حجة بحقٍ أو بباطل".. جملةٌ معبرةٌ جدا عن واقعنا المعاصر هكذا سمعتها، وهكذا قرأتها دون أن أتنبَّه لخطورتها، بل إنني كنت في كثير من الأحيان أعترض عليها؛ متسائلاً:وهل يمكن لكتاب الله أن يكون حجة لباطل؟ ثم تذكرت حادثةً كبرى في تاريخ الإسلام حين قتل خارجيٌّ مارق علياً بن أبي طالب- أمير المؤمنين – مهللاً ومكبراً ينتصر لقولهتعالى: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [يوسف: 40]ولما يدرك حقيقة معناه؛ بل تأوله بالباطل ليوافق ما أملاه عليه شيطانه (!!).
إننا – في الواقع وبكل أسف – ما بين صورتين منحرفتين في المجتمع الإسلامي فيما يتعلق بالتعامل مع كتاب الله – تعالى- وآياته..
الصورة الأولى : تتمثل في أولئك الذين لم يسعدوا بمجالسة آيات الله سبحانه مجالسة تفكرٍ وتدبرٍ حتى صار كلام الله - تعالى - غريبا على قلوبهم وعقولهم ؛ وإن لم يكن غريبا على أسماعهم، وهؤلاء لم يدركوا أن العزة كل العزة ، والفلاح كله ، والهدى والنور في اتباع كلام الله وتدبر آياته في الكتاب ( القرآن المتلو) وفي الكون ( القرآن المشاهد المرئي) ..
يقول ربنا في سورة آل عمران " وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا.. الآية103".. فمن لم يعتصم بالقرآن فهو في هلاك وشقاء ، وكيف نعتصم بالقرآن ونحن في منأى عن فهمه وتدبره وإيجاد مكانٍ له في حياتنا مراقبا لمنهجها وحركاتها وسكناتها يهديها سواء السبيل...؟؟
ثم الصورة الثانية : لانتكاستنا ألا وهى الفهم المغلوط ، أو المغالِط للقرآن وتوجيهه حيث الجهل أو الأهواء والبدع..
ففي الأولى : (أى الفهم المغلوط) يكون الجهل بكتاب الله وعلومه وضوابط فهمه هو الآفة التى تجعل من القرآن حجةً لفهمٍ باطل يودي بصاحبه موارد الهلكة والخذلان ؛ كما حدث مع الخوارج وأذنابهم في فهم كتاب الله مقتطعا بعضه عن بعض ، فكانت الكارثة وتكفير المسلمين ثم استحلال دمائهم وأموالهم ...
كما أخرج ابْن الْمُنْذرعَن سعيد بن جُبَير قَالَ : المتشابهات آيَات فِي الْقُرْآن يتشابهن على النَّاس إِذاقرأوهن ، وَمن أجل ذَلِك يضل من يضل فَكل فرقة يقرؤون آيَة من الْقُرْآن يَزْعمُونَأَنَّهَا لَهُم فَمِنْهَا يتبع الحرورية من الْمُتَشَابه قَول الله ومن لم يحكم بِمَاأنزل الله فَأُولَئِك هم الْكَافِرُونَ (الْمَائِدَة / 44) ثمَّ يقرؤون مَعهَا وَالَّذينكفرُوا برَبهمْ يعدلُونَ (الْأَنْعَام / 1) ؛ فَإِذا رَأَوْا الامام يحكم بِغَيْر الْحق قَالُوا: قد كفر فَمن عدل بربه وَمن عدل بربه فقد أشرك بربه ، فَهَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة مشركون. ( هذا بزعمهم وتأويلهم الباطل).([1])
وفي الثانية: ( أى الفهم المغالِط) يكون الهوى مسيطرا على صاحبه يجره كما يشاء حتى إنهم ليفسرون كلام الله لصالح أهواءهم ويضلهم الله على علمٍ ، ثم يحملون هم لواءالإضلال لغيرهم بفهمهم المضلِّل المهلِك لكتاب الله ...
[ لقد جرت التأويلات الفاسدة فتناً عظيمة على الإسلام والمسلمين، وأخرجت الكثير منهم عن عقيدتهم السليمة إلى عقائد ما أنزل الله بها من سلطان، ولقد عبر عن بعض مضار التأويلات الفاسدة العلامة ابن أبى العز، في معرض رده على الذين يؤولون رؤية الله تعالى فيقوله :( وجوه يومئذ ناضرة (22) إلى ربها ناظرة (سورة القيامة)
فقال: (وهى من أظهر الأدلة، وأما من أبى تحريفها بما يسميه تأويلاً، فتأويل نصوص المعاد والجنة والناروالحساب أسهل من تأويلها على أرباب التأويل، ولا يشاء مبطل أن يتأول النصوصويحرفها عن مواضعها إلا وجد إلى ذلك من السبيل ما وجده متأول هذه النصوص.
وهذا الذي أفسد الدنيا والدين، وهكذا فعلت اليهود والنصارى في نصوص التوراة والإنجيل، وحذرنا اللهأن نفعل مثلهم، وأبى المبطلون إلا سلوك سبيلهم، وكم جنى التأويل الفاسد على الدين وأهله من جناية! فهل قتل عثمان إلا بالتأويل الفاسد؟، وكذا ما جرى في يوم الجمل وصفين ومقتل الحسين والحرة. وهل خرجت الخوارج، واعتزلت المعتزلة، ورفضت الروافض، وافترقت الأمة على ثلاث وسبعين فرقة إلا بالتأويل الفاسد)ا.ه. ([2])
وهن انقف وقفاتٍ جادةٍ قبل قراءة ما يكتبه الكاتبون، وما يصنفه المصنفون، وما يتحدث به المتحدثون أو يستدل به المستدلون منكلام الله ..
وما ذلك إلا لأن الأمر دين ، والقرآن حجةٌ بحقٍ أو بباطلٍ لكل من أراد أن يثبت لفكرته دليلا ، أو لبدعته مستندا من الشرع .. يؤول النص الحكيم كما يهوى ، وعمدته في ذلك جهل أكثر الخلق بمعانى الذكر الحكيم، و خفوت أنوار الإشارات التى تضبط فهمه والاستدلال والاستنباط منه على الكثيرين .. حتى إن الكثير من الدعاة يعمدون إلى ختام حياتهم الدعوية بوضع تفسير للقرآن ربما في في طياته مغالطات لا يقرها الفهم السديد لكلامالله – بقصدٍ أو بغير قصد..
وليس القرآن بالكلأ المستباح؛ يرتع فيه كل راتع ، وإنما هو جامع العلوم ومفتاح الكنوز ، ومعاملة نصوصه يجب أن تكون بكثير من الحرص حتى لا يتهوك المتهوكون ؛ ونقول على الله ما ليس لنا به علم ..
هذا كله فضلا عن أن المارقين المنافقين والملحدين يتربصون بدين الله والمؤمنين به الدوائر .. يتصيدون الأخطاء .. يروجون.. يلبسون .. ويغالطون.. ويكفينا بيئة الجهل العفنة لنمو مثل هذه الميكروبات والجراثيم الثقافيةوالعقلية الموتورة.
وهنا لابد من مناقشة الأمر على ضوء تعامل السلف الصالح والعلماء الربانيين مع النص القرآنى العظيم وفهم ضوابط تفسيره وتوجيهه، خصوصاً وقد امتلأت السماء بضبابات الفهم ( الموجَّه والمحرَّف ) للقرآن على غير ما علمناه منأهل العلم ..
و كلٌّ يدعي وصلا بليلى* وليلى لا تقر لهم بذاك.
وقد عقد أبو عمر بنعبد البر بابا في كتابه جامع بيان العلم وفضله (2/ 1199) نصه [بَابٌ : فِيمَنْ تَأَوَّلَ الْقُرْآنَ وَتَدَبَّرَهُ وَهُوَ جَاهِلٌ بِالسُّنَّةِ ، قَالَ أَبُوعُمَرَ: «أَهْلُ الْبِدَعِ أَجْمَعُ أَضْرَبُوا عَنِ السُّنَّةِ ، وَتَأَوَّلُوا الْكِتَابَ عَلَى غَيْرِ مَا بَيَّنَتِ السُّنَّةُ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْخُذْلَانِ وَنَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ وَالْعِصْمَةَ برَحْمَتِهِ].ا.ه
وفي الحقيقة فإن المحكم والمتشابه في القرآن الكريم هو موضع زلِق خطير من مواضع البحث والتدبر .. يقف عليه مَن يقف من أهل العلم متحيرا قلِقاً أن يأتى فيه بغير الحق أو أن يضل فيبني كثيرا من الأصول الفاسدة على أساس من سوء فهمه لهذه القضية .. فالجميع سواءً أهل الحق أو أهل الباطل يدَّعون فهما خاصا ، وتصنيفا معينا للمحكم والمتشابه ينبني عليه بعد ذلك فهمهم للقرآن وتأويلهم لمعانيه فينجى مَن ينجى ويهلك مَنيهلك...والواقع أن أهل الباطل من المؤولين يتتبعون - كما قال ربنا تعالى- مواضع التشابه ويدمغونها بتأويلاتهم الباطلة حتى يحتمون بنصوص الكتاب فيما تدثروا به من الباطل؛ بل إنهم يتوسعون كثيرا في تقدير التشابه حتى يجعلونه- على عكس الحقيقة-القاعدة، ويردون بإجرامهم المحكم إلى المتشابه فيضلوا ويضلوا( بفتح الياءوضمها)، وقد أمروا أن يردوا ما لم يعلموا من المتشابه إلى المحكم الذي هو أم الكتاب وأصله وأكثره ومعظمه. فكان لزاما أن أحاول التصدي على خطأي وزللي لبحث قضية المحكم والمتشابه في كتاب الله بمزيد استفاضةٍ على حلقات أكرمنا الله بجمعهامنذ سنوات؛ وقد رأيت أن الأمر لم يستغرق من كتب الأصول وعلوم القرآن سوى صفحات،فكان لي شرف جمع هذه المادة والتعليق عليها والله وحده الهادي والمعين، ومنه التوفيق ومنا الزلل. وأود من كل مخلص في تدبر كتاب الله أن يمدني بخطأي وله الثواب. أستغفر الله العظيم، والحمد لله رب العالمين.
(المحكم والمتشابه) في لغة العرب.
وهى اللغة التي نزل بها القرآن وفي دلالاتها ما يعين على فهم المقصود ، ومن تجربتي وتجربة كثير من أهل العلم أنك قلما تجد معنى استخدم في القرآن وليس له في لغةالعرب من لفظه موجِّه ومدعِّم ومبيِّن....و هنا يتبين أن الأصل اللغوى لمعنى ( الإحكام) هو المنع من الفساد وضبطه بحيث لا يتطرق إليه الخلل ، وهو في هذا المعنى يطلق على آيات الله من حيث اتقانها و عدم ورودالخلل والخطأ إليها بوجهٍ من الوجوه ، فهو كما قال ربنا يفصل معنى إحكامه في سورة(فصلت) : " وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْبَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42)"..وأما المعنى الاصطلاحي للإحكام فهو يتبين شيئاً فشيئاً في طيات هذا المبحث وهو يكاد يطابق المعنى اللغوي...أما التشابه في اللغة فيأتى بمعنيين ( المماثلة والمشابهة ، أو الأشتباه والإشكال).. فمنالأول :قوله تعالى " اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًامُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَرَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَهُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْهَادٍ (23 الزمر) .. ومن الثاني : قوله : " منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات .. الآية فيآل عمران " .. ولنفتحسويا كتب جِهابذة اللغة ونقرأ لنفهم أكثر .. فقد جاء فى القاموس: حَكَمَه حَكْمَاً و أحْكَمَهُ: أى أتْقَنَه فاسْتَحْكَمَ، ومَنَعه عن الفَسادِ، ، وأحكمه عن الأمْرِ: رَجَعَهفَحَكَمَ (أى رجع وامتنع) ، ومنَعهُ مما يُريدُ، ويقال فيها أيضا حَكَمَه وحَكَّمَهُ، وأحكم الفَرَسَ: جَعَلَ للِجامِهِ حَكَمَةً (تمنعه وتقوده)، ومثلها حَكَمَهُ ( أى حكم الفرس). والحَكَمَةُ، محرَّكةً: ما أحاطَ بِحَنَكَي الفَرسِ من لِجامِه يمنعه ،... وسُورَةٌ مُحْكَمَةٌ: أى غَيْرُ مَنْسوخَةٍ. والآياتُ المُحْكَماتُ: قُلْ تَعَالوْا أَتْلُ ما حَرَّمَرَبُّكُمْ إلى آخِرِ السورةِ، أو التي أُحْكِمَتْ فلا يَحْتاجُ سامِعُها إلى تأوِيلِها لِبيانِها، كأَقاصِيصِ الأَنْبِياءِ. ا.ه.([3]) وفي اللسان: (وأَحْكَمْتُ الشَّيْءَ فاسْتَحْكَمَ: صَارَ مُحْكَماً. واحْتَكَمَ الأَمرُ واسْتَحْكَمَ: وثُقَ. قال الأَزهري: وَقَوْلُهُ تَعَالَى: "كِتابٌأُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ" (هود2)؛ فإِن التَّفْسِيرَ جَاءَ: أُحْكِمَتْ آياتُهُ بالأَمر وَالنَّهِيِ والحلالِ والحرامِ ثُمَّ فُصِّلَتْ بِالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ. قَالَ: وَالْمَعْنَى، وَاللَّهُ أَعلم، أَن آيَاتِهِ أُحْكِمَتْ وفُصِّلَتْ بِجَمِيعِ مَا يَحْتَاجُ إِليه مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ وَتَثْبِيتِ نُبُوَّةِ الأَنبياء وَشَرَائِعِ الإِسلام،وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: " مَا فَرَّطْنافِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ " .. وَقَالَ بَعْضُهُمْ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: " الر ، تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ" ؛ إِنه فَعِيل بِمَعْنَى مُفْعَلٍ ( أى حكيم بمعنى محكم)، وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ عَزَّوَجَلَّ: " الر ، كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ" ؛ قَالَ الأَزهري: وَهَذَا إِن شَاءَ اللَّهُ كَمَا قِيل، والقرآنُ يُوَضِّحُ بعضُه بَعْضًا، قَالَ: وإِنما جَوَّزْنَا ذَلِكَ وَصَوَّبْنَاهُ لأَن حَكَمْت يَكُونُ بِمَعْنَى أَحْكَمْتُ فَرُدَّ إِلى الأَصل،وَاللَّهُ أَعلم. وحَكَمَ الشَّيْءَ وأَحْكَمَهُ، كِلَاهُمَا: مَنَعَهُ مِنَ الْفَسَادِ) ا.ه.([4]) وقال القاضي عياض: ( في قوله : "إن الحلال بيِّن ، وإن الحرام بيِّن ، وَبَينهمَا أُمُور مُشْتَبهَات" وَعند السَّمرقَنْدِي ( مُشَبَّهات) وَعندالطَّبَرِيّ (متشابهات ) وَكله بِمَعْنى واحد أَي مُشْكِلات .. قَالَ صَاحب الْعين: المشبهات من الْأُمُور المشكلات ،وَذَلِكَ لما فِيهِ من شَبيه طرفين متخالفين فَيُشبه مرّة هَذَا وَمرَّة هَذَا ،وَمِنْه " إن الْبَقر تشابه علينا " أَي اشْتبهَ، وَقَوله تعالى "كتابا متشابها" من هَذَا لَكِن مَعْنَاهُ يشبه بعضه بَعْضًا فِي الْحِكْمَة والصدق وَلَا يتناقض ، وَمِنْه فِي طَعَام أهل الْجنَّة قوله " وَأتوا بِهِ متشابها" أَي فِي الْجَوْدَة وَقيل فِي المنظر وَيخْتَلف فِي الطّعْم).ا.ه.([5]) وفي اللسان: (والمُشْتَبِهاتُ مِنَ الأُمور: المُشْكِلاتُ. والمُتَشابِهاتُ: المُتَماثِلاتُ.وتَشَبَّهَ فلانٌ بِكَذَا أى صار مثله . والتَّشْبِيهُ: التَّمْثِيلُ. وَفِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ: " وذَكَر فِتْنَةً فَقَالَ تُشَبَّهُ مُقْبِلَةً وتُبَيِّنُ مُدْبِرَةً " ؛ قَالَشَمِرٌ: مَعْنَاهُ أَن الْفِتْنَةَ إِذَا أَقبلت شَبَّهَتْ عَلَى الْقَوْمِ وأَرَتْهُمْ أَنهم عَلَى الْحَقِّ حَتَّى يَدْخُلُوا فِيهَا ويَرْكَبُوا مِنْهَا مَا لَا يَحِلُّ، فَإِذَا أَدبرت وَانْقَضَتْ بانَ أَمرُها، فعَلِمَ مَنْ دخل فيهاأَنه كَانَ عَلَى الْخَطَأِ. والشُّبْهةُ:الالتباسُ. وأُمورٌ مُشْتَبِهةٌ ومُشَبِّهَةٌ : مُشْكِلَة يُشْبِهُ بعضُها بَعْضًا، وَبَيْنَهُمْ أَشْباهٌ أَي أَشياءُ يتَشابهون فِيهَا. وشَبَّهَ عَلَيْهِ:خَلَّطَ عَلَيْهِ الأَمْرَ حَتَّى اشْتَبه بِغَيْرِهِ. . وَفِي التَّنْزِيل ِالْعَزِيزِ: " مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُمُتَشابِهاتٌ " ؛ قِيلَ: مَعْنَاهُ يُشْبِهُ بعضُها بَعْضًا. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: وَقَدْ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ "وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ " ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنه قَالَ:الْمُتَشَابِهَاتُ ( الم الر )، وَمَا اشْتَبه عَلَى الْيَهُودِ مِنْ هَذِهِ وَنَحْوِهَا. قَال َأَبو مَنْصُورٍ: وَهَذَا لَوْ كَانَ صَحِيحًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَان َمُسَلَّماً لَهُ، وَلَكِنَّ أَهل الْمَعْرِفَةِ بالأَخبار وَهَّنُوا إسْنادَه، وَكَانَ الْفَرَّاءُ يَذْهَبُ إِلَى مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرُوِيَ عَنِ الضَّحَّاكِ أَنه قَالَ: الْمُحْكَمَاتُ مَا لَمْ يُنْسَخْ، والمُتَشابِهات مَا قَدْ نُسِخَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: المُتَشابِهاتُ هِيَ الآياتُ الَّتِي نَزَلَتْ فِي ذِكْرِ الْقِيَامَةِ وَالْبَعْثِ مثلَ قَوْلِه: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِيخَلْقٍ جَدِيدٍ، أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ ، ومثلَ قولِه: وَكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ، أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ ؛ فَهَذَا الذي تَشَابَهَ عَلَيْهِمْ، فأَعْلَمهم اللَّهُ الوَجْهَ الَّذِي يَنْبَغِي أَن يَسْتَدِلُّوا بِهِ عَلَى أَن هَذَا المُتَشابِهَ عَلَيْهِمْ كَالظَّاهِرِ لَوْ تَدَبَّرُوه فَقَالَ: وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ، الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِالْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ، أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ ، بلى وهو الخلاق العليم ؛ أَي إِذَا كُنْتُمْ أَقررتم بالإِنشاء وَالِابْتِدَاءِ فَمَا تُنْكِرُونَ مِنَ الْبَعْثِ والنُّشور، وَهَذَا قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ أَهل الْعِلْمِ وَهُوَ بَيِّنٌ وَاضِحٌ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَالْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ؛ أَي أَنهم طَلَبُوا تَأْوِيلَ بَعْثِهِمْ وإِحيائهم ؛ فأَعلم اللَّهُ أَن تأْويل ذَلِكَ وَوَقْتَهُ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُيَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ ؛ يُرِيدُ قِيَامَ السَّاعَةِ وَمَا وُعِدُوا مِنَ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ، وَاللَّهُ أَعلم. وأَما قَوْلُهُ: وَأُتُوا بِهِمُتَشابِهاً ، فَإِنَّ أَهل اللُّغَةِ قَالُوا مَعْنَى مُتَشابِهاً يُشْبِهُ بعضُه بَعْضًا فِي الجَوْدَة والحُسْن، وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ: مُتَشابِهاً يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا فِي الصُّورَةِ وَيَخْتَلِفُ فِي الطَّعْم، وَدَلِيلُ الْمُفَسِّرِينَ قَوْلُهُ تَعَالَى: هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ ؛ لأَن صُورتَه الصورةُ الأُولى، ولكنَّ اختلافَ الطَّعْمِ مَعَ اتِّفَاقِ الصُّورَةِ أَبلغُ وأَغرب عِنْدَ الْخَلْقِ، لَوْ رأَيت تُفَّاحًا فِيهِ طَعْمُ كُلِّ الْفَاكِهَةِ لَكَانَ نِهَايَةً فِي العَجَبِ. وَفِي الْحَدِيثِ فِي صِفَةِ الْقُرْآنِ: " آمِنُوا بمُتَشابهِه واعْمَلُوا بمُحْكَمِه "؛ المُتَشابه: مَا لَمْ يُتَلَقَّ مَعْنَاهُ مِنْ لَفْظِهِ، وَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحدهما إِذَا رُدَّ إِلَى المُحْكم عُرف مَعْنَاهُ، وَالْآخَرُ مَا لَا سَبِيلَ إِلَى مَعْرِفَةِحَقِيقَتِهِ، فالمُتَتَبِّعُ لَهُ مُبْتَغٍ لِلْفِتْنَةِ لأَنه لَا يَكَادُيَنْتَهِي إِلَى شَيْءٍ تَسْكُنُ نَفْسُه إِلَيْهِ) ا.ه.([6]) والخلاصة أننا أنبهنا إلى مجمل من أقوال أهل اللغة في الإحكام والتشابه من الناحية اللغوية، ثم إن بعضهم كصاحب اللسان قد تطرق لملامح من الاستعمال الشرعي للكلمة في أكناف الكتاب والسنة؛ ولهذا مزيد بيان... استعمال لفظ ( المحكم والمتشابه) في القرآن.

ولنقف قليلا أمام استعمال القرآن الكريم لمعنى (الإحكام والتشابه ) اصطلاحا، وهنا نجد أن القرآن فرَّق بين استعمالين ..استعمال لإطلاق اللفظ ( محكم أو متشابه) مفردا يعم به القرآن كله .. واستعمال للإحكام يوازى به التشابه مجتمعين سويا .. [ فلقد جاء في القرآن الكريم ما يدل على أنه كله محكم إذ قال سبحانه: كِتَابٌ أُحْكِمَتْآيَاتُهُ وجاء فيه ما يدل على أنه كله متشابه إذ قال جل ذكره: اللَّهُ نَزَّلَأَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً وجاء فيه ما يدل على أن بعضه محكم وبعضه متشابه إذ قال عز اسمه: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُآيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ .. ولا تعارض بين هذه الإطلاقات الثلاثة .. لأن معنى إحكامه كله أنه منظم رصين متقن متين لايتطرق إليه خلل لفظي ولا معنوي ؛ كأنه بناء مشيد محكم يتحدى الزمن ، ولا ينتابه تصدع ، ولا وهن .. ومعنى كونه كله متشابها : أنه يشبه بعضه بعضا في إحكامه وحسنه وبلوغه حد الإعجاز في ألفاظه ومعانيه ؛ حتى أنك لا تستطيع أن تفاضل بين كلماته وآياته في هذا الحسن والإحكام والإعجاز كأنه حلقة مفرغة لا يدري أين طرفاها. وأما أن بعضه محكم وبعضه متشابه فمعناه : أن من القرآن ما اتضحت دلالته على مراد الله تعالى منه ، ومنه ما خفيت دلالته على هذاالمراد الكريم ، فالأول هو المحكم ، والثاني هو المتشابه( سواء توصل أولوا العلم ببحثهم ودقة نظرهم ورد المتشابه للمحكم إلى معناه ، أو فوضوا معناه لله وعملوا بما فهموا وآمنوا بما لم يفهموا) على خلافٍ بين العلماء في ذلك .. بيد أن الذي اتفقوا عليه ولا يمكن أن يختلفوا فيه هو أنه لا تنافي بين كون القرآن كله محكما أي متقنا ، وبين كونه كله متشابها أي يشبه بعضهبعضا في هذا الإتقان والإحكام ، وبين كونه منقسما إلى ما اتضحت دلالته على مرادالله ، وما خفيت دلالته ]([7])... قال ابن الجوزي ([8]):قوله تعالى: مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ المحكم: المتقن المبيّن. وفي المراد به هاهنا ثمانية أقوال : أحدها:أنه الناسخ، قاله ابن مسعود، وابن عباس، وقتادة، السّدّيّ في آخرين. والثاني:أنه الحلال والحرام، روي عن ابن عباس ومجاهد. والثالث:أنه ما علم العلماء تأويله، روي عن جابر بن عبد الله. والرابع:أنه الذي لم ينسخ، قاله الضّحّاك. والخامس:أنه ما لم تتكرر ألفاظه، قاله ابن زيد. والسادس:أنه ما استقل بنفسه، ولم يحتج إلى بيان، ذكره القاضي أبو يعلى عن الإمام أحمد.وقال الشافعي، وابن الأنباري: هو ما لم يحتمل من التأويل إلا وجهاً واحداً. والسابع:أنه جميع القرآن غير الحروف المقطعة. والثامن:أنه الأمر والنهي، والوعد والوعيد، والحلال والحرام، ذكر هذا والذي قبله القاضي أبو يعلى بن الفرّاء. § وفي المتشابه سبعة أقوال: أحدها:أنه المنسوخ، قاله ابن مسعود، وابن عباس، وقتادة، والسدي في آخرين. والثاني:أنه ما لم يكن للعلماء إلى معرفته سبيل، كقيام الساعة، روي عن جابر بن عبد الله. والثالث: أنه الحروف المقطعة كقوله: «ألم» ونحو ذلك، قاله ابن عباس. والرابع:أنه ما اشتبهت معانيه، قاله مجاهد. والخامس:أنه ما تكررت ألفاظه، قاله ابن زيد. والسادس:أنه ما احتاج إلى بيان، ذكره القاضي أبو يعلى عن أحمد. وقال الشّافعيّ: ما احتملمن التأويل وجوهاً. وقال ابن الأنباري: المحكم ما لا يحتمل التأويلات، ولا يخفىعلى مميّز، والمتشابه: الذي تعتوره تأويلات. والسابع:أنه القصص والأمثال، ذكره القاضي أبو يعلى. ا.ه. § وقال الشوكاني ([9]) بعد أن ذكر الأقوال المتقدمة: والأولى أن يقال: إن المحكم هو الواضح المعنى، الظاهر الدلالة إما باعتبار نفسه أو باعتبار غيره. - والمتشابه: ما لا يتضح معناه، أو لا تظهر دلالته، لا باعتبار نفسه ولا باعتبار غيره. قال العلامة السعدي ([10]):القرآن العظيم كله محكم كما قال تعالىكتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير فهو مشتمل على غاية الإتقان والإحكام والعدل والإحسان ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون وكله متشابه في الحسن والبلاغة وتصديق بعضه لبعضه ومطابقته لفظا ومعنى، وأما الإحكام والتشابه المذكورفي هذه الآية فإن القرآن كما ذكره الله منه آيات محكمات أي: واضحات الدلالة، ليس فيها شبهة ولا إشكال هن أم الكتاب أي: أصله الذي يرجع إليه كل متشابه، وهي معظمه وأكثره، و منه آيات أخر متشابهات أي: يلتبس معناها على كثير من الأذهان: لكون دلالتها مجملة، أو يتبادر إلى بعض الأفهام غير المراد منها، فالحاصل أن منها آيات بينة واضحة لكل أحد، وهي الأكثر التي يرجع إليها، ومنه آيات تشكل على بعض الناس، فالواجب في هذا أن يرد المتشابه إلى المحكم والخفي إلى الجلي، فبهذه الطريق يصدق بعضه بعضا ولا يحصل فيه مناقضة ولا معارضة... وقفة هامة بين يدى الآية الكريمة وبيان منهجية أهل التلبيس في اتباع المتشابه.

القول في تفسير قوله: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (آل عمران7) قال أبو جعفر الطبرى : ... "منه آيات محكمات" وأم ا"المحكمات"، فإنهن اللواتي قد أحكمن بالبيان والتفصيل، وأثبتت حججهن وأدلتهن على ما جُعلن أدلة عليه من حلال وحرام، ووعد ووعيد، وثواب وعقاب، وأمر وزجر، وخبر ومثل، وعظة وعِبر، وما أشبه ذلك. ثم وصف جل ثناؤه: هؤلاء "الآيات المحكمات"، بأنهن:"هُنّ أمّ الكتاب" . يعني بذلك: أنهن أصل الكتاب الذي فيه عماد الدين والفرائض والحدود، وسائر ما بالخلق إليه الحاجة من أمر دينهم، وما كلفوا من الفرائض في عاجلهم وآجلهم. وإنما سماهن"أمّ الكتاب"، لأنهن معظم الكتاب، وموضع مَفزَع أهله عند الحاجة إليه، وكذلك تفعل العرب، تسمي الجامعَ معظم الشيء "أمًّا" له..وأما قوله: "وأخَرُ" فإنها جمع "أخْرَى"."متشابهات"، فإن معناه: متشابهات في التلاوة، مختلفات في المعنى [ قلتُ: قال ابن كثير موضحا : أَيْ: تَحْتَمِلُ دَلَالَتُهَا مُوَافَقَةَ الْمُحْكَمِ، وَقَدْ تَحْتَمِلُ شَيْئًا آخَرَ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظِ وَالتَّرْكِيبِ، لَا مِنْ حَيْثُ الْمُرَادِ...] ، .." فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ" : يعني بذلك جل ثناؤه: فأما الذين في قلوبهم ميل عن الحق وانحرافٌ عنه.. "فيتبعون ما تشابه"،ما تشابهت ألفاظه وتصرَّفت معانيه بوجوه التأويلات، ليحققوا بادّعائهم الأباطيلَ من التأويلات في ذلك ما هم عليه من الضلالة والزّيغ عن محجة الحقّ، تلبيسًا منهم بذلك على من ضعفت معرفته بوجوه تأويل ذلك وتصاريف معانيه .. عن ابن عباس:"فيتبعون ما تشابه منه"،فيحملون المحكم على المتشابه، والمتشابه على المحكم، ويلبِّسون، فلبَّس الله عليهم. وعن مجاهد قال: الباب الذي ضلُّوا منه وهلكوا فيه ابتغاءَ تأويله. [ قال في زاد المسير : قوله تعالى: " فَأَمَّا الَّذِينَ فِيقُلُوبِهِمْ زَيْغٌ " .. وفي هؤلاء القوم أربعة أقوال: أحدها: أنهم الخوارج، قاله الحسن. والثاني: المنافقون، قالهابن جريج. والثالث: وفد نجران من النصارى، قاله الربيع. والرابع: اليهود، طلبوامعرفة بقاء هذه الأمة من حساب الجُمّل، قاله ابن السائب.] قال ابن جرير: وقال آخرون: بل عنى الله بذلك كل مبتدع في دينه بدعة مخالفةً لما ابتعث به رسوله محمدًا ، بتأويلٍ يتأوله من بعض آي القرآن المحتملة التأويلات، قال: وأما معنى"التأويل" في كلام العرب، فإنه التفسير والمرجع والمصير والجزاء ..وأصلهُ من:"آل الشيء إلى كذا" - إذا صار إليه ورجع "يَؤُول أوْلا" و "أوَّلتُه" أى صيرته إليه. [ قال ابن كثير تعالى في تفسيره : وَقَوْلُهُ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلااللَّهُ اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي الْوَقْفِ هَاهُنَا، فَقِيلَ: عَلَى الْجَلَالَةِ، كَمَا تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: التَّفْسِيرُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَنْحَاءٍ: فَتَفْسِيرٌ لَا يُعْذَرُ أَحَدٌ فِي فَهْمِهِ،وَتَفْسِيرٌ تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ مِنْ لُغَاتِهَا، وَتَفْسِيرٌ يَعْلَمُهُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ، وَتَفْسِيرٌ لَايَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. وَيُرْوَى هَذَا الْقَوْلُ عَنْ عَائِشَةَ، وَعُرْوَةَ، وَأَبِي الشَّعْثَاءِ، وَأَبِي نَهِيك، وَغَيْرِهِم.وَمِنْهُمْ مَنْ يَقِفُ عَلَى قَوْلِهِ:وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ وَتَبِعَهُمْ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ وَأَهْلِ الْأُصُولِ، وَقَالُوا: الْخِطَابُ بِمَا لَا يُفْهَمُ بَعِيدٌ. وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ فَصَّلَ فِي هَذَا الْمَقَامِ، فَقَالَ: التَّأْوِيلُ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ فِي الْقُرْآنِ مَعْنَيَانِ، أَحَدُهُمَا: التَّأْوِيلُ بِمَعْنَى حَقِيقَةِ الشَّيْءِ، وما يؤول أَمْرُهُ إِلَيْهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا (يُوسُفَ: 100)، وَقَوْلُهُ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ (الْأَعْرَافِ: 53)، أَيْ: حَقِيقَةُ مَا أُخْبَرُوا بِهِ مِنَ أَمْرِ الْمَعَادِ، فإن أريد بِالتَّأْوِيلِ هَذَا، فَالْوَقْفُ عَلَى الْجَلَالَةِ؛ لِأَنَّ حَقَائِقَ الْأُمُورِ وَكُنْهَهَا لَا يَعْلَمُهُ عَلَى الْجَلِيَّةِ إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مُبْتَدَأً وَ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ خَبَرَهُ. وَأَمَّا إِنْ أُرِيدَ بِالتَّأْوِيلِ الْمَعْنَى الْآخَرُ وَهُوَ التَّفْسِيرُ وَالتَّعْبِيرُ وَالْبَيَانُ عَنِ الشَّيْءِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ (يُوسُفَ: 36) أَيْ:بِتَفْسِيرِهِ، فَإِنَّ أُرِيدَ بِهِ هَذَا الْمَعْنَى، فَالْوَقْفُ عَلَى:وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ لِأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ وَيَفْهَمُونَ مَا خُوطِبُوا بِهِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، وَإِنْ لَمْ يُحِيطُوا عِلْمًا بِحَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ عَلَى كُنْهِ مَا هِيَ عَلَيْهِ، وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ قَوْلُهُ:يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ حَالًا مِنْهُمْ .. ] . قال أبو جعفر: يعني ب"الراسخين في العلم"، العلماء الذين قد أتقنوا علمهم ووَعَوْه فحفظوه حفظًا، لا يدخلهم في معرفتهم وعلمهم بما علموه شَكّ ولا لُبْس. وأصل ذلك من:"رسوخ الشيء في الشيء"، وهو ثبوته وولوجه فيه. يقال منه:"رسخ الإيمان في قلب فلان، فهو يَرْسَخُ رَسْخًا ورُسُوخًا". قال ابن كثير تعالى : وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي تَفْسِيرِهِ: بسنده عن نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ: يُقَالُ:الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ الْمُتَوَاضِعُونَ لِلَّهِ، الْمُتَذَلِّلُونَ لِلَّهِ فِي مَرْضَاتِهِ، لَا يَتَعَاطَوْنَ (بل ربما يتعاظمون) مَنْ فَوْقَهُمْ، وَلَا يُحَقِّرُونَ مَنْ دُونَهُمْ. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الألْبَابِ أَيْ: إِنَّمَا يَفْهَمُ وَيَعْقِلُ وَيَتَدَبَّرُ الْمَعَانِيَ عَلَى وَجْهِهَا أُولُو الْعُقُولِ السَّلِيمَةِ أَوِ الْفُهُومِ الْمُسْتَقِيمَةِ. ا.ه. قال الطبري : وقد قال جماعة من أهل التأويل: إنماسمى الله هؤلاء القوم"الراسخين في العلم"، بقولهم:"آمنا به كل من عند ربنا".وأما تأويل قوله:"يقولون آمنا به"، فإنه يعني أنّ الراسخين في العلم يقولون: صدقنا بما تشابه من آي الكتاب، وأنه حقّ وإنلم نَعلم تأويله،..."كل من عند ربنا"، كلّ المحكم من الكتاب والمتشابه منه "من عند ربنا"، وهو تنزيله ووحيه إلى نبيه محمد صلى اللهعليه وسلم. وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الألْبَابِ : وما يتذكر ويتّعظ وينزجر عن أن يقول في متشابه آي كتاب الله ما لا علم له به، إلا أولو العقول والنهى.) ا.ه.([11]) § وقد فصل القول ابن عطية - تعالى - في تفسيره فقال : [ وهذه المسألة إذا تؤملت قرب الخلاف فيها من الاتفاق، وذلك أن الله تعالى قسم آي الكتاب قسمين: -محكما ومتشابها- فالمحكم هو المتضح المعنى لكل من يفهم كلام العرب لا يحتاج فيه إلى نظر ، ولا يتعلق به شيء فيه لبس ، ويستوي في علمه الراسخ وغيره.. وأما المتشابه فيتنوع، فمنه ما لا يُعلم البتة، كأمر الروح، وآماد المغيبات التي قد أعلم الله بوقوعها من أشراط الساعة وأحداثها إلى سائر ذلك، ومنه ما يحمل على وجوه في اللغة ومناحٍ في كلام العرب، فيُتأول تأويله المستقيم، ويُزال ما فيه مما عسى أن يتعلق به من تأويل غير مستقيم كقوله في عيسى وَرُوحٌ مِنْهُ [النساء: 171] إلى غير ذلك، ( قلتُ - جامعه : أى يرجع فيه الراسخون في العلم إلى المحكم فيُفهَم في ظلاله أو يُفهم ببيان رسول الله له) .. ولا يسمى أحد راسخا إلا بأن يعلم من هذا النوع كثيرا بحسب ما قُدِّر له، وإلا فمن لا يعلم سوى المحكم فليس يسمى راسخا، وقوله تعالى: " وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلا الله " .. الضمير عائد على جميع متشابه القرآن، وهو نوعان كما ذكرنا، فقوله " إِلَّا اللَّهُ " مقتض ببديهة العقل أنه يعلمه على الكمال والاستيفاء، يعلم نوعيه جميعا، فإن جعلنا قوله: " وَالرَّاسِخُونَ" عطفا على اسم الله تعالى، فالمعنى إدخالهم في علم التأويل لا على الكمال، بل علمهم إنما هو في النوع الثاني من المتشابه، وبديهة العقل تقضي بهذا، والكلام مستقيم على فصاحة العرب كما تقول: ما قام لنصرتي إلا فلان وفلان، وأحدهما قد نصرك بأن حارب معك، والآخر إنما أعانك بكلام فقط، إلى كثير من الأمثلة، فالمعنى : وَما يَعْلَمُ تأويل المتشابه إلا الله وَالرَّاسِخُونَ كل بقدره، وما يصلح له، وَالرَّاسِخُونَ بحالهم يقولون في جميعه" آمَنَّا بِهِ "، .. وإن جعلنا قوله: " وَالرَّاسِخُونَ "رفعا بالابتداء مقطوعا مما قبله، بأن وقفنا على لفظ الجلالة ؛ فتسميتهم راسخين يقتضي بأنهم يعلمون أكثر من المحكم الذي يستوي في علمه جميع من يفهم كلام العرب،وفي أي شيء هو رسوخهم، إذا لم يعلموا إلا ما يعلم الجميع، وما الرسوخ إلا المعرفة بتصاريف الكلام وموارد الأحكام، ومواقع المواعظ، وذلك كله بقريحة معَدَّة ونظر دقيق وتدبر، فالمعنى "وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ " على الاستيفاء إلاالله، والقوم الذين يعلمون منه ما يمكن أن يُعلَم يقولون في جميعه " آمَنَّابِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا " ... فإعراب الرَّاسِخُونَ يحتمل الوجهين، ولذلك قال ابن عباس بهما، والمعنى فيهما يتقارب بهذا النظر الذي سطرناه، فأما من يقول: إن المتشابه إنما هو ما لا سبيل لأحد إلى علمه فيستقيم على قوله إخراج الراسخين من علم تأويله، لكن تخصيصه المتشابهات بهذا النوع غير صحيح، بل الصحيح في ذلك قول من قال: المحكم ما لا يحتمل إلا تأويلا واحدا والمتشابه ما احتمل من التأويل أوجها، وهذا هو متبع أهل الزيغ، وعلى ذلك يترتب النظر الذي ذكرته، ومن قال من العلماء الحذاق بأن الراسخين لا يعلمون تأويل المتشابه فإنما أرادوا هذا النوع ( الغيبي الذي لا يعلمه إلا الله) وخافوا أن يظن أحد أن الله وصف الراسخين بعلم التأويل علىالكمال، وكذلك ذهب الزجاج (من علماء فقه اللغة) إلى أن الإشارة بما تشابه منه إنما هي إلى وقت البعث للذي أنكره، وفسر باقي الآية على ذلك، فهذا أيضا تخصيص لا دليل عليه. وأما من يقول، إن المتشابه هو المنسوخ فيستقيم على قوله إدخال الراسخين في علم التأويل لكن تخصيصه المتشابهات بهذا النوع غير صحيح. ورجَّح ابن فُورك (من علماء الأصول ) أن الراسخين يعلمون التأويل وأطنب في ذلك][12]ا.ه. والخلاصة ما قال ابن كثير: : وَأَحْسَنُ مَا قِيلَ فِيهِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ، وَهُوَ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ عن محمد بن جعفر بن الزبير تعالى حَيْثُ قَالَ: مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌهُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ فِيهِنَّ حُجَّةُ الرَّبِّ، وَعِصْمَةُ الْعِبَادِ،وَدَفْعُ الْخُصُومِ وَالْبَاطِلِ، لَيْسَ لَهُنَّ تَصْرِيفٌ وَلَا تَحْرِيفٌ عَمَّا وُضِعْنَ عَلَيْهِ.قَالَ: وَالْمُتَشَابِهَاتُ فِي الصِّدْقِ، لَهُنَّ تَصْرِيفٌ وَتَحْرِيفٌ وَتَأْوِيلٌ، ابْتَلَى اللَّهُ فِيهِنَّ الْعِبَادَ، كَمَا ابْتَلَاهُمْ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ أَلَّا يَصْرِفْنَ إلى الباطل، ولا يُحَرّفْن عن الحق. "وأخَرُمتشابهات"، في الصدق، لهن تصريف وتحريف وتأويل، ابتلى الله فيهن العبادَ،كما ابتلاهم في الحلال والحرام، لا يُصرَفْن إلى الباطل ولا يحرّفن عن الحق."فيتبعون ما تشابه منه"، أي: ما تحرّف منه وتصرف، ليصدقوا به ما ابتدعوا وأحدثوا، ليكون لهم حجة على ما قالوا وشُبْهةً. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: فَأَمَّا الَّذِينَ فِيقُلُوبِهِمْ زَيْغٌ أَيْ: ضَلَالٌ وَخُرُوجٌ عَنِ الْحَقِّ إِلَى الْبَاطِلِفَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ أَيْ: إِنَّمَا يَأْخُذُونَ مِنْهُ بِالْمُتَشَابِهِ الَّذِي يُمْكِنُهُمْ أَنْ يُحَرِّفُوهُ إِلَى مَقَاصِدِهِمُ الْفَاسِدَةِ، وَيُنْزِلُوهُ عَلَيْهَا، لِاحْتِمَالِ لَفْظِهِ لِمَا يَصْرِفُونَهُ؛ فَأَمَّا الْمُحْكَمُ فَلَا نَصِيبَ لَهُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ دَامِغٌ لَهُمْ وَحُجَّةٌ عَلَيْهِمْ، وَلِهَذَا قَالَ: ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ أَيِ: الْإِضْلَالِ لِأَتْبَاعِهِمْ، إِيهَامًا لَهُمْ أَنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ عَلَى بِدْعَتِهِمْ بِالْقُرْآنِ.. وَهَذَاحُجَّةٌ عَلَيْهِمْ لَا لَهُمْ، كَمَا لَوِ احْتَجَّ النَّصَارَى بِأَنَّ الْقُرْآنَ قَدْ نَطَقَ بِأَنَّ عِيسَى هُوَ رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، وَتَرَكُوا الِاحْتِجَاجَ بِقَوْلِهِ تَعَالَىإِنْ هُوَ إِلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ (الزُّخْرُفِ: 59). وَبِقَوْلِهِ: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَال َلَهُ كُنْ فَيَكُونُ (آلِ عِمْرَانَ: 59)، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الْمُحْكَمَةِ الْمُصَرِّحَةِ بِأَنَّهُ خَلْقٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِ اللَّهِ، وَعَبْدٌ، وَرَسُولٌ مِنْ رُسُلِ اللَّهِ.. "ومايعلم تأويله" الذي أراد، ما أراد "إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كلّ من عند ربنا"،فكيف يختلف، وهو قولٌ واحدٌ من ربّ واحد؟ ثم ردّوا تأويل المتشابه على ما عرفوا من تأويل المحكم التي لا تأويل لأحد فيها إلا تأويل واحد، فاتَّسق بقولهم الكتاب وصدَّق بعضه بعضًا، فنفذَت به الحجة، وظهر به العذر، وزاحَ به الباطل، ودُمغ بهالكفر.ا.ه.
رأى ابن حزم في المحكم والمتشابه.

وهو رأى جدير بالدرس والتأمل ذكره العلامة ابن حزم في كتابه الماتع الإحكام فقال تعالى ما ملخصه: قال الله تعالى هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (7) (آل عمران: 7). وعن القاسم بن محمد عن عائشة قالت تلا رسول الله هذه الآية؛ قالت: قال رسول الله إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه؛ فأولئك الذين سماهم الله تعالى، فاحذروهم. (رواه مسلم). وعن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله - - يقول: إن الحلال بيِّن، وإن الحرام بين، وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام؛ كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه. ألا وإن حمى الله محارمه".(متفق عليه). وقال تعالى أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82) (النساء: 82). وقال تعالى وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ... (التوبة: 122).قال ابن حزم: فوجدناه تعالى قد حض على تدبر القرآن، وأوجب التفقه فيه والضرب في البلاد لذلك. ووجدناه تعالى قد نهى عن اتباع المتشابه منه. ووجدناه قد أخبر بأن المتشابهات التي هى بين الحرام البيِّن والحلال البيِّن لا يعلمها كثير من الناس.. فكان ذلك فضلا لمن علمها، فتيقنا أن الذي نهى عن تتبعه هو غير الذي أمر بتتبعه وتدبره والتفقه فيه. وأيقنا بلا شك أن المشتبه الذي غبط عالمه هو غير المتشابه الذي حذر من تتبعه. إذ لا يجوز أن يكلفنا تعالى طلب شيء وينهانا عن طلبه في وقت واحد. فلما علمنا ذلك وجب علينا طلب المتشابه الذي أُمرنا بطلبه؛ لنتفقه فيه. وأن نعرف أي الأشياء هو المتشابه الذي نهينا عن تتبعه؛ فنمسك عن طلبه . ثم نرى ابن حزم يفصل الأمور فيرى أن المحكم الذي أمرنا بتتبعه والفكرة فيه: التوحيد والتزاماته.والنبوة ولوازمها. والشرائع المفترضة والمحرمة والمندوب إليها والمكروهة والمباحة. وأخبار الأمم السالفة التي جاءت على معنى الوعظ لنا وهي مما أمرنا بالاعتبار به بقوله تعالى لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب. ومنها الوعد الذي أُمرنا وحُضضنا على العمل لاستحقاقه والوعيد الذي حذرنا الله منه، وكل ذلك مما أمرنا به بالفكرة فيه لنجتهد في طلب الجنة ونَفِرُّ عن النار. ثم قال : فلما علمنا أن كل ما ذكرنا ليس متشابها وعلمنا يقينا أنه ليس في القرآن إلا محكم ومتشابه؛ علمنا يقينا أن ما عداما ذكرنا هو المتشابه؛ فنظرنا لنعلم أي شيء هو فنجتنبه ولا نتتبعه، وإنما طلبناه لنعلمماهيته لا كيفيته ولا معناه، فلم نجد في القرآن شيئا غير ما ذكرنا حاشا الحروفالمقطعة التي في أوائل بعض السور، وحاشا الأقسام (جمع قَسَم) التي في أوائل بعض السور أيضا فعلمنا يقينا أن هذين النوعين هما المتشابه الذي نهينا عن اتباعه وحذرالنبي منه.قال : وقد قال قوم إن المتشابه هو ما اختُلف فيه من أحكام القرآن. وهذا خطأ فاحش لأن هذا القول دعوى ورأي من قائله لا برهان على صحته، وأيضا فإن ما اختُلف فيه؛ فلا بد من أن الحق في بعض ما قيل فيه موجود واضح لمن طلبه. برهان ذلك قوله تعالى: أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا،وقوله تعالى: بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون. فالبيان مضمون موجود فمن طلبه طلبا صحيحا وفَّقهالله تعالى. وأيضا فإن الأحكام المُختلَف فيها فرض علينا تتبعها وابتغاء تأويلها، وطلب حكمها الحق فيها والعناية بها والعمل بها، وأما المتشابه فحرام علينا بالنص تتبعه وطلب معناه فبطلبذلك أن يكون المختلف فيه متشابها، وإذا بطل ذلك صح أنه محكم ولا يضر الحق جهل منجهل ولا اختلاف من اختلف فيه. وقال آخرون:المتشابه هو ما تقابلت فيه الأدلة. وهذا خطأ فاحش أيضا، لأن تقابل الأدلة باطلوشيء معدوم لا يمكن وجوده أبدا في الشريعة ولا في شيء من الأشياء والحق لا يتعارض أبدا وإنما أتى من أتى في ذلك لجهله بيان الحق ولإشكال تمييز البرهان عليه مما ليسببرهان.. ولا سبيل إلى أن يأمرنا تعالى بطلب أدلة قد ساوى فيها بين الحق والباطل،ومن نسب هذا إلى الله تعالى فقد ألحد وأكذبه ربه تعالى إذ يقول ونزلنا عليكالكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين وإذ يقول تعالى قد تبين الرشد من الغي وبقوله تعالى وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه وإن كثيراليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين.. فصح أن متشابه الأحكام الذيذكر أنها لا يعلمها كثير من الناس مبينة بالقرآن والسنة يعلمها من وفقه الله تعالى لفهمه من الفقهاء الذين أمر بسؤالهم إذ يقول تعالى فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون..يقصد ابن حزم أن الأدلة التي قد يبدو فيها التعارض الظاهري هي في الحقيقة لا تتعارض ولا تختلف عند العلماء الذين يعرفون كيف يجمعون بين النصوص بوجوه الجمع المعروفة عندهم.([13])
أنواع المتشابه في كتاب الله ودرجاته.

و مما سبق يتضح ما حققناه ونقلناه عن علمائنا أن المحكم من كتاب الله ما وضحت دلالته ولم يشتبه بوجه من الأوجه فصار أصلا يَرُدُّ إليه أهل الحق ما اشتبه عليهم من متشابه القرآن.. وهذا المتشابه هو الذي أشكل لفظه ومعناه ، أو أشكل معناهدون لفظه ، أو أشكل تنزيله، أو أشكلت حقيقته ومآله ...وهذه أقسام أربعة :1- ما أشكل لفظه ومعناه ( المشترك والمجمل والمشكل وغيرها مما فيه اختلاف الفقهاء وعلومهم). 2- ما أشكل معناه دون لفظه (وهو ما وضح لفظه ولكن اشتبهت حقيقة معناه ، وفيه يرد المتشابه على المحكم ومنه الحديث عن صفات الله العلا وأسمائه الحسنى). 3- ما أشكل تنزيله ( وهو ما يسمى بالناسخ والمنسوخ في كتاب الله تعالى) .4- ما أشكلت حقيقته ومآله (أي حقيقة وقوعه وكيفيته ومنه أشراط الساعة وويوم القيامة وما بعده وحقائق ذلك). قال الراغب في مفردات القرآن ([14]):الآيات عند اعتبار بعضها ببعض ثلاثة أضرب: 1- محكم على الإطلاق. 2- ومتشابه على الإطلاق.3- ومحكم من وجه متشابه من وجه. فالمتشابه بالجملة ثلاثة أضرب: متشابه من جهة اللفظ فقط. ومن جهة المعنى فقط. ومن جهتهما. · فالأول (المتشابه من جهة اللفظ فقط) ضربان: أحدهما: يرجع إلى الألفاظ المفردة.. إما من جهة الغرابة نحو: الأَب في قوله:وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (عبس: 31)، ويزفون في قوله:فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِيَزِفُّونَ (الصافات: 94). أو من جهة الاشتراك في المعنى ك"اليد"، و"اليمين"(من صفات الله). وثانيهما:يرجع إلى جملة الكلام المركب، وذلك ثلاثة أضرب: ضرب لاختصار الكلام نحو: وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم، وضرب لبسطهنحو: ليس كمثله شيء لأنه لو قيل: ليس مثله شيء كان أظهر للسامع فما دلالة الكاف هنا.
وضرب لنظم الكلام نحو: أنزل على عبدهالكتاب ولم يجعل له عوجا قيما تقديره (أنزل على عبده الكتاب قيما ولم يجعل لهعوجا).
· وأما المتشابه من جهة المعنى:
فهو أوصاف الله تعالى، وأوصاف القيامة، فإن تلك الأوصاف لا تُتَصور لنا؛ إذ كان لا يحصل في نفوسنا صورة ما لم نحسه أو ليس من جنس ما نحسه.
· وأما المتشابه من جهة اللفظ والمعنى خمسة أضرب:-
الأول: من جهة الكمية؛ كالعموم والخصوص نحو: فاقتلوا المشركين.
والثاني: من جهة الكيفية كالوجوب والندب والكراهة والتحريم ونحوه من الأحكام المرادة بالآيات.
والثالث: من جهة الزمان كالناسخ والمنسوخ نحو: اتقوا الله حق تقاته وهل هي منسوخة بقوله تعالى فاتقوا الله مااستطتم أم لا.
والرابع: من جهة المكان والأمور التي نزلت فيها نحو: وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ،: إنما النسيء زيادة في الكفر فإن من لا يعرف عادتهم في الجاهلية يتعذر عليه تفسير هذه الآية.
الخامس: من جهة الشروط التي يصح بها الفعل أو يفسد كشروط الصلاة والنكاح.
قال الراغب – والكلام ما زال له: وهذه الجملة إذا تُصِّورت عُلمأن كل ما ذكره المفسرون في تفسير المتشابه لا يخرج عن هذه التقاسيم.
ثم جميع المتشابه على ثلاثة أضرب:
1- ضرب لا سبيل إلى الوقوف عليه ..كوقت الساعة وخروج الدابة ونحو ذلك.
2- وضرب للإنسان سبيل إلى معرفته كالألفاظ الغريبة، والأحكام المستغلقة.
3- وضرب متردد بين الأمرين، يختص بمعرفته بعض الراسخين في العلم، ويخفى على من دونهم، وهو المشار إليه بقوله لابن عباس: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل".
وإذا عرفت هذه الجهة عرفت أن الوقف على قوله:وما يعلم تأويله إلا الله ووصله بقوله: والراسخون في العلم جائز، وأن لكل وقف منهما وجها حسبما دل عليه التفصيل المتقدم. انتهى.
ونقل صاحب الاتقان أيضاً قول الخطابي: المتشابه على ضربين:-
أحدهما: ماإذا رد إلى المحكم، واعتبر به عرف معناه.
والآخر: ما لا سبيل إلى الوقوف على حقيقته، وهو الذي يتبعه أهل الزيغ فيطلبون تأويله، ولا يبلغون كنهه فيرتابون فيه فيفتتنون.([15])
قلتُ- الباحث: وإنما يقصد بالنوع الأول ما أشكل على الفقهاء من مشترك الألفاظ، وما جاء في باب الإخبار عن الله والتي ترد جميعها إلى قوله تعالى المحكم :لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11) (الشورى: 11).
وأما النوع الثاني فهو مما استأثر اللهبعلمه من حقائق صفاته وحقائق الحديث عن المغيبات من أشراط الساعة وأحداث القيامةوما بعدها.
[ وقال ابن الحصار: قسَّم الله آيات القرآن إلى محكم ومتشابه.
وأخبر عن المحكمات أنها أم الكتاب لأن إليها تُرَدّ المتشابهات، وهي التي تعتمد في فهم مرادالله من خلقه في كل ما تعبدهم به من معرفته وتصديق رسله وامتثال أوامره واجتناب نواهيه. وبهذا الاعتبار كانت أمهات..
ثم أخبر عن الذين في قلوبهم زيغ أنهم هم الذين يتبعون ما تشابه منه، ومعنى ذلك أن مَن لم يكن على يقين من المحكمات وفي قلبه شك واسترابة كانت راحته في تتبع المشكلات المتشابهات.
ومراد الشارع منها التقدم إلى فهم المحكمات، وتقديم الأمهات؛ حتى إذا حصل اليقين، ورسخ العلم لم تبال بما أشكل عليك.
وأما مراد هذا الذي في قلبه زيغ التقدم إلى المشكلات وفهم المتشابه قبل فهم الأمهات، وهو عكس المعقول والمعتاد والمشروع..
ومثل هؤلاء مثل المشركين الذين يقترحون على رسلهم آيات غير الآيات التي جاءوا بها، ويظنون أنهم لو جاءتهم آيات أخر لآمنوا عندها جهلا منهم، وما علموا أن الإيمان بإذن الله تعالى. انتهى.] ([16])
أقول- جامعه: ولهذا تفصيل بحثنا هذاوالله المستعان بترتيب يشبه ما ذكره الراغب تعالى.
وتفصيل ذلك بإذن الله تعالى وكثير من النقاش المفيد فيه مع الأجزاء التالية. والحمد لله رب العالمين.


المصادر
[1]الدر المنثور في التفسير بالمأثور (2/146)
[2] راجع فرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام(3/ 1249-1257)
[3]القاموس المحيط للفيروز أبادي[ 1/1095]
[4]لسان العرب فصل الحاء المهملة (12/143)
[5]في مشارق الأنوار على صحاح الآثار 2/243ط. المكتبة العتيقة ودار التراث
[6]جاء في لسان العرب (13/ 504)لإبن منظور.
[7]مناهل العرفان في علوم القرآن، لمحمد عبد العظيم الزُّرْقاني (المتوفى: 1367هـ .ط.مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه ، الطبعةالثالثة، 2/271. بتصرف يسير بين القرسين ().
[8]في زاد المسير 1/ 258
[9]في «فتح القدير» 1/ 360.
[10]تيسير الكريم الرحمن1/122.
[11]باختصار وجمع من تفاسير عدة لبيان المعنى (تفسير الطبري جامع البيان، وتفسير ابن كثير ، وتفسير ابن الجوزي زاد المسير).
[12]المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (1/ 403)
[13]انظر مشكورا الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (4/ 121-127)
[14]نقلاً عن الإتقان فيعلوم القرآن (3/ 11) بتصرف يسير.
[15]الإتقان في علوم القرآن (3/ 10)
[16]الإتقان في علوم القرآن (3/ 11)