تعلمت من ابن عثيمين (2)


أشرتُ في الجزء الأول من هذه السلسلة (تعلمت من ابن عثيمين (1)) إلى أن "وضوح الهدف" كان من المعالم البارزة في شخصية شيخنا ـ ـ، وأتابع في هذا المقال ذكر أهم مفاتيح التميز في شخصيته، ومنها:

المعْلمُ الثاني: الثبات على المنهج والهدف الذي رسمه لنفسه:
الثبات على المنهج الحقّ مما امتدح الله به خيارَ هذه الأمة فقال عن الصحابة: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) [الأحزاب: 23]، وهو أحدُ صفات الأئمة الذين قال الله فيهم: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) [السجدة: 24].

وهكذا كان شيخنا ـ ـ، فلم يغيّر ولم يبدّل، بل صبر وثابر، موقناً أن الحقّ في هذا الدين بمصدريه العظيمين: الكتاب والسنّة، على فهم سلف هذه الأمة، والذي نقله إلينا ودعا إليه ـ على مرّ القرون ـ أئمةٌ كبار، أوذوا في سبيل الدعوة إلى هذا المنهج، فمنهم من ضُرِبَ، ومنهم من غُرّبَ عن وطنه، ومنهم من سجن، ومنهم من قتل، في سلسلة من الابتلاءات التي سطرها التاريخ بأحرف من نور.

وشيخنا ـ ـ أدرك في مقتبل شبابه انتشار عدد من المذاهب والدعوات المنحرفة، التي صرفت عدداً غير قليل من لِداته وأترابه في ذلك الوقت، أو أثّرت فيهم سلباً من جهة القناعة بالطريق الذي سلكه، وهو طريق العلم والتعليم، بل ووجد من المنتسبين إلى الإسلام ـ في بعض البلاد ـ من يعلن أن سبب تأخرنا هو التقيّد بالإسلام! عياذاً بالله.

وشيخنا وإن لم ينله ما أشرتُ إليه من أذى حسّيٍّ مباشر ـ كالسجن والضرب ـ إلا إنه ابتلي ببعض التهم في عقيدته في أول القرن الهجريّ الحالي، والتي كان منبعُ بعضها الهوى والحسد، كدّرت عليه خاطرَه فترةً من الزمن، وكان أثر تلك القالةِ يُرى على وجهه، ويُلحَظُ في نفوس بعض الناس، حتى أفضى مرةً إلى أحدِ طلابه في كلية الشريعة وأصول الدين ـ التي كان يدرس فيها ـ وقال: يا فلان! سيظهرُ الله الصادق منّا. حدثني بذلك صاحب القصة الذي خاطبه شيخُنا بتلك الكلمات.

وهذا ما كان، فلم يزدد شيخُنا بعدها إلا رفعةً وظهوراً حتى توفاه الله وهو أحد أئمة المسلمين في العلم، وأحد المرجعيات العلمية البارزة في الفتوى، وقصده الناس من كلّ مكان في العالم.

وأحسبه ـ بعد تلك الحادثة وما سبقها ـ ممن انطبقت عليه مقولة الإمام الشافعي ـ حين سأله رجل فقال ـ: يا أبا عبد الله! أيما أفضل للرجل أن يمكّن أو يُبتلى؟ فقال الشافعي: لا يمكّن حتى يُبتلى.

ومن صور ثباته على منهجه ـ وهو وثيق الصلة بوضوح الهدف عنده ـ: أن شيخنا أدرك في بواكير شبابه ـ ـ جملةً من الصوارف الدنيوية التي بهرتْ زهرتُها وبريقُها فئاماً من الناس، فآثروا الوظائف والتجارة على ما كانوا فيه من الاشتغال بالتعلّم والتعليم، وهذا لا يُذمّ به صاحبُه بطبيعة الحال، لكنّه مما يمدح به من آثر الفاضل على المفضول، وصبر على تحصيل ثمراته.

ومَنْ تتبّع مصنفات شيخنا، أو سمع مجالسه العلمية؛ رأى أن الحديث عن هذه القضية يتنوع ويظهر في كلامه بأساليب شتى، تُلْمسُ منها أثرُ التجربة بهذه المسألة، وإن أنسى فلا أنسى قسمات وجهه، وتأثّره وهو يعلق ـ في شرح الواسطية ـ على مقالات الفِرَق المنحرفة في أبواب الصفات، وكيف ضل من ضلّ منهم مع قوة ذكائه، وسعة اطلاعه، ثم ختم كلامه بسؤال الله الثبات على الحق، وأن لا يزيغ القلوب بعد هداياتها.

وفي هذا المعْلمِ عبرةٌ، فلأن كانت الصوارف في عهده ـ ـ كثيرة، فهي في عصرنا اليوم أضعاف ما كانت عليه في عهده؛ من مروج العهود، وازدياد التفرق، وكثرة أسباب الفتن، والتباس الحق بالباطل على كثيرين، مما يوجب على العبد مزيداً من الضراعة واللجأ إلى الله بالهداية والثبات، وللحديث صلةٌ إن شاء الله.