قال :أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44) [البقرة: 44]
ومع أن هذا النص القرآني كان يواجه ابتداء حالة واقعة من بني إسرائيل، فإنه في إيحائه للنفس البشرية، ولرجال الدين بصفة خاصة دائم لا يخص قوماً دون قوم ولا يعني جيلا دون جيل ، فلا تمنع خصوصية الخطاب القرآني من عموميته، وبهذا يكون لكل من يحسن القول، ولا يحسن العمل، ويندب الناس إلى الخير، ويأمرهم به، ولا ينظر إلى نفسه، ولا يحملها على أخذ حظها من هذا الخير الذي يدعو إليه.. وفى ذلك ظلم للنفس، وخسران مبين..
يقول تعالى : أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون
الكلام موجه إلى بني إسرائيل في عهد رسول الله – - وقد طفق في هذه الآيات يوبخهم على سيرتهم المعوجة في الدين ، ويهديهم إلى طريق الخروج منها .ثم إن هداية الخطاب عامة لكل أمةٍ أعطاها الله تعالى منهجاً فحادت عنه وخاصةً أمة محمد - عليه الصلاة والسلام.. وهذا من قولهم : إِيَّاكِ أَعْنِي واسْمَعِي يا جَارَة.
(وكان الأحبار يأمرون من نصحوه في السر من أقاربهم وغيرهم باتباع محمد صلى اللَّه عليه وسلم ولا يتبعونه. وقيل كانوا يأمرون بالصدقة ولا يتصدّقون، وإذا أتوا بصدقات ليفرّقوها خانوا فيها. وعن محمد بن واسع: بلغني أنّ ناسا من أهل الجنة اطلعوا على ناس من أهل النار فقالوا لهم: قد كنتم تأمروننا بأشياء عملناها فدخلنا الجنة. قالوا كنا نأمركم بها ونخالف إلى غيرها.) ( )
قال ابن عاشور في التنوير (1/474): وهو اعتراض بين قوله تعالى:وأقيموا الصلاة وقوله : واستعينوا بالصبر والصلاة .. ووجه المناسبة في وقوعه هنا أنه لما أمرهم بفعل شعائر الإسلام من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وذيَّل ذلك بقوله سبحانه: واركعوا مع الراكعين ليشير إلى صلاتهم التي يفعلونها ، أصبحت لا تغني عنهم ، ناسب أن يزاد لذلك أن ما يأمر به دينهم من البر ليسوا قائمين به على ما ينبغي ، فجيء بهذا الاعتراض ، وللتنبيه على كونه اعتراضا لم يقترن بالواو لئلا يُتوَهَّم أن المقصود الأصلي هو التحريض على الأمر بالبر وعلى ملازمته ، والغرض من هذا هو النداء على كمال خسارهم ومبلغ سوء حالهم الذي صاروا إليه حتى صاروا يقومون بالوعظ والتعليم كما يقوم الصانع بصناعته والتاجر بتجارته لا يقصدون إلا إيفاء وظائفهم الدينية حقها ليستحقوا بذلك ما يُعوَّضون عليه من مراتب ورواتب .. فهم لا ينظرون إلى حال أنفسهم تجاه تلك الأوامر التي يأمرون بها الناس .ا.ه.
قال الشوكاني في الفتح (1/54) : والهمزة في قوله تعالى : أتأمرون الناس بالبر ... للاستفهام مع التوبيخ للمخاطبين ، وليس المراد توبيخهم على نفس الأمر بالبر فإنه فعل حسن مندوب إليه ، بل بسبب ترك فعل البر المستفاد من قوله : وتنسون أنفسكم مع التطهر بتزكية النفس والقيام في مقام دعاة الخلق إلى الحق إيهاما للناس وتلبيسا عليهم كما قال أبو العتاهية :
وصفتَ التقى حتى كأنك ذو تقى وريح الخطايا من ثيابك يسطع
والبر : الطاعة والعمل الصالح ، والبر : سعة الخير والمعروف ، والبر : الصدق...
والنسيان (بكسر النون) هو هنا بمعنى الترك : أي وتتركون أنفسكم.
والتلاوة : القراءة ، وهي المراد هنا وأصلها الاتباع ، يقال تلوته : إذا اتبعته ، وسمي القارئ تاليا والقراءة تلاوة لأنه يتبع بعض الكلام ببعض على النسق الذي هو عليه .
وقوله تعالى: وأنتم تتلون الكتاب جملة حال مشتملة على أعظم تقريع وأشد توبيخ وأبلغ تبكيت .
أي كيف تتركون البر الذي تأمرون الناس به وأنتم من أهل العلم العارفين بقبح هذا الفعل وشدة الوعيد عليه ، كما ترونه في الكتاب الذي تتلونه والآيات التي تقرءونها من التوراة .
وقوله تعالى : أفلا تعقلون استفهام للإنكار عليهم والتقريع لهم ، وهو أشد من الأول وأشد ، وأشد ما قرع الله في هذا الموضع من يأمر بالخير ولا يفعله من العلماء الذين هم غير عاملين بالعلم ، فاستنكر عليهم أولا أمرهم للناس بالبر مع نسيان أنفسهم في ذلك ، الأمر الذي قاموا به في المجامع ونادوا به في المجالس إيهاما للناس بأنهم مُبَلِّغون عن الله ما تحمَّلوه من حججه ، ومبيِّنون لعباده ما أمرهم ببيانه ، وموصِّلون إلى خلقه ما استودعهم وائتمنهم عليه ، وهم أترك الناس لذلك وأبعدهم من نفعه وأزهدهم فيه ، ثم ربط هذه الجملة بجملة أخرى جعلها مبيِّنةً لحالهم وكاشفةً لعوارهم وهاتكةً لأستارهم ، وهي أنهم فعلوا هذه الفعلة الشنيعة والخصلة الفظيعة على علمٍ منهم ومعرفةٍ بالكتاب الذي أنزل عليهم وملازمةٍ لتلاوته ، وهم في ذلك كما قال المعري :
وإنما حمَّل التوراة قارئها كسب الفوائد لا حب التلاواتِ.
ثم انتقل معهم من تقريعٍ إلى تقريع ، ومن توبيخٍ إلى توبيخ فقال : إنكم لو لم تكونوا من أهل العلم وحملة الحجة وأهل الدراسة لكتب الله لكان مجرد كونكم ممن يعقل حائلا بينكم وبين ذلك مانعاً لكم عنه زاجرا لكم منه ، فكيف أهملتم ما يقتضيه العقل بعد إهمالكم لما يوجبه العلم .
والعقل في أصل اللغة : المنع ، ومنه عقال البعير ؛ لأنه يمنعه عن الحركة ، ومنه العقل في الدية لأنه يمنع ولي المقتول عن قتل الجاني .
والعقل نقيض الجهل ، ويصح تفسير ما في الآية هنا بما هو أصل معنى العقل عند أهل اللغة : أي أفلا تمنعون أنفسكم من مواقعة هذه الحال المزرية ، ويصح أن يكون معنى الآية : أفلا تنظرون بعقولكم التي رزقكم الله إياها حيث لم تنتفعوا بما لديكم من العلم ا.ه.


قاعدة للتصحيح وغوصٌ في العمق
إن الحق ثقيل على النفوس يخرجها عما تألف من لذة موهومةٍ للباطل ، فإذا أراد الداعي إليه إخراج الناس عما تهواه أنفسهم تحيّلوا للانصراف عنه فإن وجدوا الداعي لا يأتي ما دعا إليه أو يخالفه تعللوا بذلك على الدعوة لا على الداعي وحسب، ولا يعودون يثقون في الدين بعد ما فقدوا ثقتهم برجال الدين .فكانت دعوة الذين يقولون ما لا يفعلون محاربة للدعوة ذاتها من حيث يدعون ولا يدرون .
يقول صاحب الظلال – :
إن الكلمة لتنبعث ميتة، وتصل هامدة، مهما تكن طنانة رنانة متحمسة، إذا هي لم تنبعث من قلب يؤمن بها. ولن يؤمن إنسان بما يقول حقاً إلا أن يستحيل هو ترجمة حية لما يقول، وتجسيماً واقعياً لما ينطق..
عندئذ يؤمن الناس، ويثق الناس، ولو لم يكن في تلك الكلمة طنين ولا بريق.. إنها حينئذ تستمد قوتها من واقعها لا من رنينها وتستمد جمالها من صدقها لا من بريقها.. إنها تستحيل يومئذ دفعة حياة، لأنها منبثقة من حياة.
والمطابقة بين القول والفعل، وبين العقيدة والسلوك، ليست مع هذا أمراً هيناً، ولا طريقاً معبداً. إنها في حاجة إلى رياضة وجهد ومحاولة. وإلى صلة بالله، واستمداد منه، واستعانة بهديه فملابسات الحياة وضروراتها واضطراراتها كثيراً ما تنأى بالفرد في واقعه عما يعتقده في ضميره، أو عما يدعو إليه غيره.
يقول العلامة الشعراوي :
إن الدين كلمة تقال. وسلوك يفعل. فإذا انفصلت الكلمة عن السلوك ضاعت الدعوة. فالله يقول: ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ (الصف: 2-3) ..فما لم ترتضه أنت كسلوك لنفسك. لا يمكن أن تبشر به غيرك. لذلك نقرأ في القرآن الكريم: لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً (الأحزاب: 21).
فمنهج الدين وحده لا يكفي.. إلا بالتطبيق. ولذلك كان رسول الله لا يأمر أصحابه بأمر إلا كان أسبقهم إليه، فكان المسلمون يأخذون عنه القدوة قولا وعملا، وكان عمر بن الخطاب . حين يريد أن يقنن أمراً في الإسلام يأتي بأهله وأقاربه ويقول لهم: لقد بدا لي أن آمر بكذا وكذا، والذي نفسي بيده من خالف منكم لأجعلنَّه نكالا للمسلمين. وكان عمر بن الخطاب بهذا يقفل أبواب الفتنة، لأنه يعلم من أين تُأتي..
ولذلك يقول الحق : وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (فصلت: 33) .. فالشرط الأول هو الدعوة إلى الله. والشرط الثاني العمل الصالح، وقوله إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ لم ينسب الفضل لنفسه أو لذاته؛ ولكنه نسب الفضل إلى الإسلام .ا.ه. ( )
إن آفة رجال الدين- حين يصبح الدين حرفة وصناعة لا عقيدة حارة دافعة- أنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم يأمرون بالخير ولا يفعلونه ويدعون إلى البر ويهملونه ويحرفون الكلم عن مواضعه ويؤولون النصوص القاطعة خدمة للغرض والهوى، ويجدون فتاوى وتأويلات قد تتفق في ظاهرها مع ظاهر النصوص، ولكنها تختلف في حقيقتها عن حقيقة الدين، لتبرير أغراض وأهواء لمن يملكون المال أو السلطان! كما كان يفعل أحبار يهود!

فائدة : العلم والدعوة لا ينفعان بغير عمل
قال تعالى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ
قال صاحب المنار 1/247 : الخطاب في هذه الآيات عام لليهود الذين كان هذا حالهم ، وعبرة لغيرهم ، لأنه مُنبِئٌ عن حال طبيعية للأمم في مثل ذلك الطور الذي كانوا فيه ، ولذلك كان القرآن هداية للعالمين إلى يوم الدين ، لا حكاية تاريخ يقصد بها هجاء الإسرائيليين ، فلتحاسب أمة نفسها في أفرادها ومجموعها ؛ لئلا يكون حالها كحال مَن ورد النص فيهم ، فيكون حكمها عند الله كحكمهم ؛ لأن الجزاء على أعمال القلوب والجوارح ، لا لمحاباة الأشخاص والأقوام أو معاداتهم .ا.ه.
روى أحمد وغيره عن أنس بن مالك أن رسول الله قال : " رأيت ليلة أسري بي رجالا تقرض شفاههم بمقاريض من نار قلت من هؤلاء يا جبريل ؟ قال هؤلاء خطباء من أمتك يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب " .
وقال أسامة بن زيد سمعت رسول الله يقول :" يُجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه ( أي تنقطع أمعاؤه ) في النار ، فيدور كما يدور الحمار برحاه ، فيجتمع أهل النار عليه فيقولون : أي فلان ما شأنك أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال : كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه ".. وقال شعبة عن الأعمش : فيطحن فيها كما يطحن الحمار برحاه " (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).
قال القرطبي (1/345): فقد دل الحديث الصحيح وألفاظ الآية على أن عقوبة من كان عالما بالمعروف وبالمنكر وبوجوب القيام بوظيفة كل واحد منهما أشد ممن لم يعلمه وإنما ذلك ؛ لأنه كالمستهين بحرمات الله تعالى ومستخف بأحكامه وهو ممن لا ينتفع بعلمه ; قال رسول الله :" أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه ". ( )
فاعلم وفقك الله تعالى أن التوبيخ في الآية بسبب ترك فعل البر لا بسبب الأمر بالبر ، ولهذا ذم الله تعالى في كتابه قوما كانوا يأمرون بأعمال البر ولا يعملون بها وبخهم به توبيخا يتلى على طول الدهر إلى يوم القيامة فقال : أتأمرون الناس بالبر الآية .
وقال أبو الأسود الدؤلي :
لا تنه عن خلق وتأتي مثله* عارٌ عليك إذا فعلت عظيمُ
وابدأ بنفسك فانهها عن غيِّها*فإن انتهت عنه فأنت حكيم
فهناك يُقبَل إن وعظتَ ويُقتدَى *بالقول منك ويَنفَعُ التعليم
وقال أبو عمرو بن مطر : حضرتُ مجلس أبي عثمان الحيري الزاهد ، فخرج وقعد على موضعه الذي كان يقعد عليه للتذكير ، فسكت حتى طال سكوته ، فناداه رجل كان يُعرَف بأبي العباس : ترى أن تقول في سكوتك شيئا ؟ فأنشأ يقول :
وغيرُ تقيٍ يأمر الناس بالتقى * طبيبٌ يداوي والطبيب مريضُ
قال : فارتفعت الأصوات بالبكاء والضجيج . (قلت ( جامعه) : هكذا وعظ بسكوته فشفى وهكذا درب العلماء الأتقياء).
قال إبراهيم النخعي : إني لأكره القصص لثلاث آيات ، قوله تعالى : أتأمرون الناس بالبر الآية ، وقوله : لم تقولون ما لا تفعلون ، وقوله : وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه .
وقال الحسن لمطرف بن عبد الله : عظ أصحابك ، فقال إني أخاف أن أقول ما لا أفعل ، قال : يرحمك الله ، وأينا يفعل ما يقول ويود الشيطان أنه قد ظفر بهذا ، فلم يأمر أحد بمعروف ولم ينه عن منكر .
وقال مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن سمعت سعيد بن جبير يقول : لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء ، ما أمر أحد بمعروف ، ولا نهى عن منكر . قال مالك : وصدق ، من ذا الذي ليس فيه شيء ! ا. ه.