منبر النبي فضله والمراحل التاريخية التي مر بها
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد فهذه رسالة مختصرة في النصوص الواردة في فضل المنبر الشريف والمراحل التاريخية التي مر بها ،والله هو الذي يفضل ما يشاء ويختار من البشر أو البقاع وقد فضل مكة والمدينة على غيرهما من البقاع ومن فضائل المدينة النبوية أن فيها مسجد نبيه وفي مسجده منبره الشريف ، والفضائل لا تدرك بالقياس والاستنباط وإنما سبيلها التوقيف ، وقد جاء أحاديث في فضل المنبر الشريف وحكمت بأنه على حوضه وأن قوائمه رواتب في الجنة ، فعن أبي هريرة عن النبي قال : " ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة ومنبري على حوضي " ([1])
وعـن أبي هريرة أن النبي قال : " منبري هذا على ترعة من ترع الجنة " ([2]) .
وعن أم سلمة عن النبي قال : " إن قوائم منبري هذا رواتب في الجنة " ([3]) .
وعن أم سلمة قالت قال رسول الله : " ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة وقوائم منبري رواتب في الجنة " ([4])
وعن ابن أبي حازم عن أبيه عن سهل بن سعد قال : " كنا نقول المنبر على ترعة من ترع الجنة قال سهل هل تدرون ما الترعة هو الباب " ( 1 ).
وعن أبي حازم بن دينار أن رجالاً أتوا سهل بن سعد الساعدي وقد امتروا في المنبر مم عوده فسألوه عن ذلك فقال والله إني لأعرف مما هو ولقد رأيته أول يوم وضع وأول يوم جلس عليه رسول الله أرسل رسول الله إلى فلانة امرأة قد سماها سهل مري غلامك النجار أن يعمل لي أعوادا أجلس عليهن إذا كلمت الناس فأمرته فعملها من طرفاء الغابة ثم جاء بها فأرسلت إلى رسول الله فأمر بها فوضعت ها هنا ثم رأيت رسول الله صلى عليها وكبر وهو عليها ثم ركع وهو عليها ثم نزل القهقري فسجد في أصل المنبر ثم عاد فلما فرغ أقبل على الناس فقال أيها الناس إنما صنعت هذا لتأتموا ولتعلموا صلاتي ([5]).
وعن جابر بن عبد الله أن امرأة من الأنصار قالت لرسول الله يا رسول الله ألا أجعل لك شيئا تقعد عليه فإن لي غلاما نجارا قال إن شئت قال فعملت له المنبر فلما كان يوم الجمعة قعد النبي على المنبر الذي صنع فصاحت النخلة التي كان يخطب عندها حتى كادت أن تنشق فنزل النبي حتى أخذها فضمها إليه فجعلت تئن أنين الصبي الذي يسكت حتى استقرت قال بكت على ما كانت تسمع من الذكر ([6]).
منبر النبي r والمراحل التاريخية التي مر بها
صنع المنبر ثلاث درجات بخشب من طرفاء الغابة ([7]) سنة ثمان من الهجرة النبوية ، وكان النبي r يجلس على المجلس ويضع رجليه على الدرجة الثانية ، فلما ولى أبو بكر t قام على الدرجة الثانية ووضع رجليه على الدرجة السفلى ، فلما ولى عمر t قام على الدرجة السفلى ووضع رجليه على الأرض إذا قعد ، فلما ولى عثمان t فعل كذلك ست سنين ، ثم علا فجلس موضع النبي r ، فلما حج معاوية زاد فيه ثلاث درجات ورفعوه عليها وصار المنبر تسع درجات بالمجلس ([8]) وكان الخلفاء يقفون على السابعة وهي الأولى من المنبر النبوي ، واستمر المنبر على هذا حتى احترق المسجد النبوي سنة 654 هـ / 1256 م فاحترق وفقد الناس بركته ووضع مكانه منبر من عمل الملك المظفر صاحب اليمن ([9]) سنة 656 هـ / 1258 م ثم غير بمنبر أرسله الظاهر بيبرس سنة 666 هـ / 1268 م ثم غير هذا بمنبر الظاهر برقوق سنة 797 هـ ثم استبدل بمنبر أرسله المؤيد سنة 820 هـ وقد احترق سنة 886 هـ / 1481 م فأقام أهل المدينة منبراً من الآجر ([10]) المطلي بالنورة ([11]) وغير بمنبر من الرخام أرسله الملك الأشرف قايتباي سنة 888 هـ / 1483 م ثم نقل إلى مسجد إلى مسجد قباء ووضع مكانه منبر أرسل هدية من السلطان مراد الثالث العثماني سنة 998 هـ وهو على غاية من الجمال ودقة الصناعة ، مصنوع من المرمر وظاهره مغمور بالتذهيب وبالنقوش الفائقة ، وفوقه قبة لطيفة قائمة على أربعة أعمدة مضلعة رشيقة من المرمر ، وفوق بابه شرفات هن آية في الروعة حتى إن ماء الذهب بها لبريقاً فكأن الصانع فرغ من طلائعها بالذهب بالأمس القريب ، وذلك لاهتمام الحكومة السعودية وعنايتها المستمرة بطلاء المنبر بماء الذهب الأصلي . وقد وضع هذا المنبر في موضع منبر النبي r غربي المحراب النبي r، وبه اثنتا عشرة درجة : ثلاث بخارجه وتسع من داخل الباب ([12]). ومكتوب على باب المنبر هذه الأبيات التالية : أرسل السلطان مراد بن سليم ** مستزيداً خير زاد للمعاد دام في أوج العلا سلطانه ** آمناً في ظله خير البلاد نحو روض المصطفى صلى عليه ** ربنا الهادي به كل العباد منبراً قد أسست أركانه ** بالهدى واليمن من صدق الفؤاد منبراً يعلى الهدى إعلاؤه ** رام منصوباً لأصحاب الرشاد قال سعد ملهماً تاريخه ** عمر منبراً سلطان مراد ([13]). 997 هـ .
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين . إعداد : محمد بن محمد المصطفى الأنصاري
المدينة النبوية













([1] ) أخرجه البخاري رقم ( 1888 ) 2 / 26 ، ومسلم رقم ( 1390 - 1391 ) 2 / 1010 – 1011 .

([2] ) أخرجه النسائي في السنن الكبرى رقم ( 4288 ) 2 / 488 ، وابن أبي شيبة رقم ( 31729 ) 6 / 317، وأحمد رقم ( 8706 ) 2 / 360 ، ورقم ( 9204 ) 2 / 401، ورقم ( 9327 ) 2 / 412، ورقم ( 9811 ) 2 / 450 ، ورقم ( 10921 ) 2 / 534، وأخرجه أحمد من حديث جابر بن عبد الله رقم ( 15224 ) 3 / 389 ، ومن حديث عبد الله بن زيد الأنصاري رقم ( 16505 ) 4 / 40، ومن حديث سهل بن سعد رقم ( 22925 ) 5 / 339 ، ورقم ( 22892 ) 5 / 335 وقال : فقلت له ما الترعة يا أبا العباس قال الباب ، والطبراني في الأوسط والطبراني في الأوسط رقم ( 9117 ) 9 / 56 ، وفي الصغير رقم ( 1110 ) 2 / 249 ، و في الأوسط أيضاً من حديث أبي سعيد الخدري رقم ( 3112 ) 3 /269 ، وفي الكبير من حديث سهل بن سعد رقم ( 5779 ) 6 / 142 ، ورقم ( 5809 ) 6 / 149، ورقم ( 5971 ) 6 / 192، وأبو يعلى من حديث أبي بكر الصديق رقم ( 118 ) 1 / 109، ومن حديث جابر بن عبد الله رقم ( 1784 ) 3 / 319 ، ورقم ( 1964 ) 3 / 462، والبيهقي في السنن الكبرى رقم ( 10069 ) 5 / 247 ، ومن حديث سهل بن سعد رقم ( 10066 – 10068 ) 5 / 247، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 4 / 8 وقال : رواه أحمد وأبو يعلى والبزار وفيه على بن زيد وفيه كلام وقد وثق ، ومن حديث سهل بن سعد بلفظ: " منبري على ترعة من ترع الجنة فقلت ما الترعة يا أبا العباس قال الباب " قال : رواه أحمد والطبراني في الكبير ورجال أحمد رجال الصحيح ، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم ( 2363 ) 5 / 479 ، وفي صحيح الجامع رقم ( 6621 ) .

([3] ) أخرجه النسائي في السنن الصغرى رقم ( 696 ) 2 / 35، وفي السنن الكبرى رقم ( 4287 ) 2 / 488 ، ورقم ( 775 ) 1/257، وأحمد رقم ( 26519 ) 6 / 289 ، ورقم ( 26549 ) 6 / 292 ، ورقم ( 26748 ) 6 / 318 ، وابن أبي شيبة رقم ( 31734 ) 6 / 318 ، وعبد الرزاق رقم ( 5242 ) 3 / 182، وابن حبان رقم ( 3749 ) 9 / 64 ، والإسماعيلي في معجم الشيوخ رقم ( 294 ) 2 / 665 ، والبيهقي في السنن الكبرى رقم ( 10070 ) 5 / 248، والطبراني في الكبير رقم ( 519 – 520 ) 23 / 254 ، والهيثمي في موارد الظمآن رقم ( 1034 ) 1 / 256، والحاكم في المستدرك من حديث أبي واقد الليثي رقم ( 6268 ) 3 / 612 ، والطبراني في الكبير من حديثه رقم ( 3296 ) 3 / 245 ، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 4 / 9 من حديثه وقال : رواه الطبراني في الكبير وفيه يحيى بن عبد الحميد الحماني وهو ضعيف ، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي رقم ( 696 ) 2 / 35 ، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم ( 2050 ) 5 / 78 ، وفي صحيح الجامع رقم ( 1412 ) .

([4] ) أخرجه الحميدي في مسنده رقم ( 290 ) 1 / 139 ، والبيهقي في السنن الكبرى من حديث سهل بن سعد رقم ( 10068 ) 5 / 247 .

( 1 ) أخرجه الطبراني في الكبير رقم ( 5888 ) 6 / 170.


([5]) أخرجه البخاري رقم ( 1988 ) 2 / 738 ، ورقـم ( 875 ) 1/310 ، و مسلم رقم ( 544 ) 1/386 .

([6]) أخرجه البخاري رقم ( 1989 ) 2 / 738 ، ورقم ( 3391 ) 3 / 1314.

([7]) الغابة موضع شمالي المدينة ، وكانت في الماضي أرضاً ذات شجر متكاتف ، وهي الآن عبارة عن مزارع تقع غربي أحد وتبعد عن المدينة بنحو اثنى عشر كيلاً وتعرف بالخليل بالتصغير . تاريخ المسجد النبوي لمحمد إلياس عبد الغني ص 119 .

([8]) أخبار المدينة لابن شبة ص 81 .

([9]) الملك المظفر الرسولي يوسف بن منصور عمر بن علي بن رسول التركماني اليمني شمس الدين ، ولد بمكة سنة 619 هـ وتولى حكم اليمن سنة 647 هـ / 1250 م وظل يحكمها حتى توفي سنة 694 هـ / 1295 م ، وكان يكسو الكعبة بعد أن توقف وصولها من بغداد أو بسبب غزو المغول ، وظل يكسوها حتى سنة 671 هـ . المدينة المنورة تطورها العمراني لصالح لمعي مصطفى ص 276 .

([10]) الآجر : اللبن المحرق المعد للبناء ، وقال ابن منظور : واحدتها آجرة ، وهو طبيخ الطين وهو الذي يبنى به . لسان العرب لابن منظور 1 / 78 – 79 ، والمعجم الوسيط 1 / 1 .

([11]) النورة : حجر الكلس ، وقال ابن منظور : النورة من الحجر الذي يحرق ويسوى منه الكلس . لسان العرب 14 / 324 ، والمعجم الوسيط 2 / 962 .

([12]) انظر : فتح الباري 2 / 399 ، وشرح النووي على صحيح مسلم 5 / 34 – 36 ، وشرح السيوطي على سنن النسائي 2 / 58 – 59 ، ومرآة الحرمين 1 / 471 ، وتوسعة الحرمين الشريفية ص 22 – 23 .

([13]) تاريخ المسجد النبوي الشريف لمحمد إلياس عبد الغني ص 119 – 121 .