 النوع الثاني : ما أشكلت حقيقته ومعناه وإن بدا لفظه :
مثل ما سمى أو وصف الله نفسه أو أضيف إلى ذاته العلية من فعلٍ ونسبة ، مثاله : إسمه (الرحيم) ؛ والرحمة تضاف للمخلوق بمعنى رقةٍ في القلب ينتج عنها إرادة الخير بالمرحوم ؛ وهذه الرقة تستحيل في حق الله تعالى، ومثل:وصفه بأنه (ذو انتقام) والانتقام إرادة الضر بالمنتَقم منه من أذي يصيب المنتقِم ، وهذا لايليق بالله ، ومثل : الأفعال المضافة إلى الله تعالى من الاستواء والإستحياء والمكر .. نحو قوله " الرحمن على العرش استوى" ، "إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما ... الآية" ، " ويمكرون ويمكر الله.. الآية " ... وذلك وأمثاله له ألفاظ واضحة في أذهاننا نفهم منها معانٍ ربما( لا تليق بكمال الله سبحانه) إذا حُملت معانيها على (حقيقتها المفهومة بالنسبة للمخلوق على ظواهرها) تصف الله ..
وهنا موضع الخلاف وموطن العطن :
* فقد ضل قومٌ فأثبتوا لله ما لا يليق به مشبهين ومجسمين حملا للألفاظ على حقيقتها المضافة للمخلوق؛ وقد تعالى ربنا عن مشابهة أى شيئ فقال في كتابه " ليس كمثله شيئ وهو السميع البصير " وهؤلاء هم المشبهة والمجسمة الضالين.
*وجاء في نقيضهم قوم غالوا كثيرا في شبهة( تنزيه الله عن مشابهة المخلوقين )- التى ابتُلى بها المشبهة- فرفضوا إثبات هذه الأسماء والصفات التى أثبتها الله لنفسه ووصفه به رسوله .. ( وتكلفوا) فهم ( حقيقة معانيها) ففرضوا لها معانٍ محرّفةٍ لشدّما اختلفوا حولها (سموها تأويلا) ، وجزم كل منهم بأنها مراد الله من كلامه ، وأنهم أدرى بها من رسوله، وأن من لا يوافقهم في غيهم هو جاهل آثر السلامة أو مشبِّه لله تعالى بخلقه افترى على الله تعالى الكذب وخرج من الدين، وأنهم هم أهل العلم والفهم والتقوى ، فجعلوا كلمات الله التي يصف بها نفسه ألفاظاً جوفاء وعبثا – تعالى الله- للإشتباه على عباده وفتنتهم لا معنى لها في ذاتها، وإنما هى مجاز يفهمه أمثالهم من العباقرة المنظِّرين المتفلسِفين؟!! فمثلا تكلفوا معنى استواء الله على عرشه فقالوا: معناه استولى عليه، وقالوا في معنى اليمين في قوله تعالى " والسموات مطويات بيمينه"؛ قالوا هى قدرته وقوته... وغير ذلك من تأويلاتهم الباطلة .. وهؤلاء هم نفاة الصفات من الجهمية، والمعتزلة، والمعطلة المؤولة...
* ثم جاء قومٌ فحاولوا ( التلفيق) وقد سموه (توفيقاً) بين (باطلَيْن)(!!) ..
فقالوا: إن حمل معاني هذه الألفاظ الموهِمة للتشبيه المشكِلة؛ حملها على ظاهرها المضاف للمخلوق قطعا غير مرادٍ منها، وإنَّ ترْكها بلا فهمٍ أو بحثٍ غير مرادٍ أيضا؛ لأن الله تعالى لم ينزِّل كتابه - إلينا نتعبد له به ونوحده بكلماته – مبهما غامضا، وإلا فما معنى الأمر الإلهى بتدبر القرآن ؟ وما الفرق بين العالم بكتاب الله، وغيره من العامة إن اشترك معهم في عدم فهم هذه المعاني؟ وما الغرض من هذه الألفاظ خاصةً، وأن الله صرَّح بأنه أنزله قرءانا عربيا واضحا مبينا ؟..
قلتُ- راداً شبهتهم ابتداءاً : وهذا الذي قالوا حقٌ يراد به باطل! فإنهم بعد ما قدموا يقولون: نحمل هذه الألفاظ الموهِمة المشتبهة على (المجاز) وما تدل عليه (بالالتزام والتضمن) وليس بالدلالة المباشرة (الذي هو ظاهر معناها)( ).. يقولون : وما هذا إلا خروجٌ من التشبيه وفهمٌ لكتاب الله تعالى.. فأثبتوا لله الكلام و الحياة و العلم و القدرة و الإرادة والسمع و البصر.. وقالوا لله حياة وعلم وقدرة وإرادة وكلام و وسمع وبصر تليق به ليس كمثله شيء سبحانه، ولا كما يتوهم المتوهمون... ثم إنهم بعد ذلك شاركوا إخوانهم من المعطلة ونفاة الصفات من الجهمية والمعتزلة في تأويل بقية صفات الله على حسب فهمهم وأصلهم الفاسد.. وبذلك وقعوا في التلفيق – كما قلت آنفا- والتناقض ، فلا هم أثبتوا لله تعالى كل صفاته كما يليق به سبحانه بلا تعطيل ولا تمثيل ولا تأويل.. ولا هم عطلوها جملةً كما فعل أسلافهم من الجهمية(!!).
فالأوْلى أن يقولوا في مثل هذه الألفاظ المتشابهة عندهم من استواء الله ونزوله ووجهه ويمينه ويده ... وأمثالها ما قالوه في الكلام والحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر ، فيكونوا بذلك حققوا الحق بأن أثبتوا لله ما أثبت لنفسه ووصفه أنبياؤه، وفي الوقت ذاته نزهوه عما لا يليق به من مشابهة أى مخلوق سواه ...
ولأبين موضع التناقض وفساد مذهبهم – وقد أطلت في بيانه لخطورته واشتباهه على الكثيرين- إقرأ معي مأجوراً ما (لفقوه) في معنى الاستواء ولم يستقم لهم وبانت فيه الحجة لأهل الحق من أتباع النبى وصحبه ..
قال السيوطي في الإتقان : [مِنْ ذَلِكَ صِفَةُ الِاسْتِوَاءِ وَحَاصِلُ مَا رَأَيْتُ فِيهَا سَبْعَةَ أَجْوِبَةٍ:
أَحَدُهَا: حَكَى مُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ ( قلت: وهو متروك الحديث متهم عن المحدثين) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ: اسْتَوَى بِمَعْنَى اسْتَقَرَّ، وَهَذَا إِنْ صَحَّ يَحْتَاجُ إِلَى تَأْوِيلٍ فَإِنَّ الِاسْتِقْرَارَ يُشْعِرُ بِالتَّجْسِيمِ.
ثَانِيهَا: أَنَّ: اسْتَوَى بِمَعْنَى اسْتَوْلَى وَرُدَّ بِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُسْتَوْلٍ عَلَى الْكَوْنَيْنِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَأَهْلِهِمَا فَأَيُّ فَائِدَةٍ فِي تَخْصِيصِ الْعَرْشِ، وَالْآخَرُ: أَنَّ الِاسْتِيلَاءَ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ قَهْرٍ وَغَلَبَةٍ وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ.
أَخْرَجَ اللَّالَكَائِيُّ فِي السُّنَّةِ عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مَعْنَى: اسْتَوَى فَقَالَ: هُوَ عَلَى عَرْشِهِ كَمَا أَخْبَرَ. فَقِيلَ : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مَعْنَاهُ (اسْتَوْلَى)؟
قَالَ: اسْكُتْ.. لَا يُقَالُ: اسْتَوْلَى عَلَى الشَّيْءِ إِلَّا إِذَا كَانَ لَهُ مُضَادٌّ فَإِذَا غَلَبَ أَحَدُهُمَا قِيلَ اسْتَوْلَى.
ثَالِثُهَا: أَنَّهُ بِمَعْنَى صَعِدَ؛ قاله أَبُو عُبَيْدٍ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ الصُّعُودِ أَيْضًا.(أقول- جامعه-: وهذا القول إذا قصد منه صعد على ظاهرها فمردود اما إن كانت على معنى ما ورد في الحديث الصحيح "أن الله ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا... الحديث" ، فيكون نزوله وصعوده تعالى على حقيقة لا نعلمها ونؤمن بها كما تليق بالله تعالى ولا ننفيها، إن ذلك كذلك فهو الحق الذي يدين به أهل الحديث والسنة، وهو ديني والحمد لله تعالى).
رَابِعُهَا: أَنَّ التَّقْدِيرَ الرَّحْمَنُ عَلَا أَيْ ارْتَفَعَ مِنَ الْعُلُوِّ، وَالْعَرْشُ لَهُ اسْتَوَى. حَكَاهُ إِسْمَاعِيلُ الضَّرِيرُ فِي تَفْسِيرِهِ ، وَرُدَّ بِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ جَعَلَ (عَلَى) فِعْلًا وَهِيَ حَرْفٌ هُنَا بِاتِّفَاقٍ ؛ فَلَوْ كَانَتْ فِعْلًا لَكُتِبَتْ بِالْأَلِفِ كَقَوْلِهِ: عَلا فِي الأَرْضِ وَالْآخَرُ أَنَّهُ رَفَعَ: الْعَرْشِ وَلَمْ يَرْفَعْهُ أَحَدٌ مِنَ الْقُرَّاءِ.(قلت-جامعه: وهو كما ترى تملص سخيف يجعل ما ليس بقرآن قرآناً للهروب من ظاهرٍ يرد مذهبهم الباطل)
خَامِسُهَا: أَنَّ الْكَلَامَ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ ثُمَّ ابْتَدَأَ بِقَوْلِهِ: اسْتَوَى لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَرُدَّ بِأَنَّهُ يُزِيلُ الْآيَةَ عَنْ نَظْمِهَا وَمُرَادِهَا قُلْتُ ( أى السيوطي): وَلَا يَتَأَتَّى لَهُ فِي قَوْلِهِ: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ.( قلت- جامعه: فانظر كيف أن القرآن يرد عليهم باطلهم كلما حاولوا أن يحرفوا معانيه، كما قال قائلهم ينفي تكليم الله تعالى لموسى- - بتغيير إعراب الآية يقول: وكلم الله موسى تكليما بنصب لفظ الجلالة على أن موسى هو الفاعل الذي كلم الله لا أن الله كلمه، فرد عليه السني أنه إن فر بهذه وقد حرَّف قراءتها فكيف هو بقوله تعالى فلا جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه وهى صريحة في تكليم الله تعالى موسى– - كما يليق بجلاله سبحانه).
سَادِسُهَا: أَنَّ مَعْنَى اسْتَوَى أَقْبَلَ عَلَى خَلْقِ الْعَرْشِ وَعَمَدَ إِلَى خَلْقِهِ كَقَوْلِهِ: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ أَيْ قَصَدَ وَعَمَدَ إِلَى خَلْقِهَا. قاله الْفَرَّاءُ وَالْأَشْعَرِيُّ وَجَمَاعَةُ أَهْلِ الْمَعَانِي وَقَالَ: إِسْمَاعِيلُ الضَّرِيرُ إِنَّهُ الصَّوَابُ.
قُلْتُ ( أى السيوطي): يُبْعِدُهُ تَعْدِيَتُهُ بِ"عَلَى"، وَلَوْ كَانَ كَمَا ذَكَرُوهُ لَتَعَدَّى بِ"إِلَى" كَمَا في قوله: اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ.
سَابِعُهَا: قَالَ ابْنُ اللَّبَّانِ الِاسْتِوَاءُ الْمَنْسُوبُ إِلَيْهِ تَعَالَى بِمَعْنَى اعْتَدَلَ، أَيْ قَامَ بِالْعَدْلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: قَائِماً بِالْقِسْطِ وَالْعَدْلُ هُوَ اسْتِوَاؤُهُ وَيَرْجِعُ مَعْنَاهُ إِلَى أَنَّهُ أَعْطَى بِعِزَّتِهِ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ مَوْزُونًا بِحِكْمَتِهِ الْبَالِغَةِ ...]( ) ا.ه. ..
قلت ( أى الباحث): وهذا الأخير يمجه النظم والذوق العربي السليم لتكلفه ، وكذا لإختلال التركيب واستمرارية الإشتباه في قوله ( على العرش)...
وهنا نرى كيف أن كل ما تأول به المتأولون لم يصح – حتى على طريقتهم في النظر واللغة والتأويل بأقصى ما حاولوا..
ولا أقصد هنا التأويل الصحيح الذي هو التفسير ودلالة المعنى : وهو صرف اللفظ إلى غير معناه المتبادر للذهن، وإلى معنى ينتظمه بالالتزام أو بالتضمن لاستحالة صرفه عقلا إلى حقيقة لفظه المباشرة ، (بشرط) وجود قرينة على هذا المعنى المصروف إليه .. فإن كانت القرينة صحيحه صح التأويل عند أهل الحق ، وإن عدمت القرينة- كما بيَّنا فيما مثَّلنا له آنفا في معنى الاستواء - أو كانت عقليةً بحتة أو لم تصح - كما يزيِّف المتأولون بباطلهم وهو تحريف للكلم عن مواضعه - لم يصح التأويل ولا كرامة.
و من بعض سبب عدم قبول هذه التأويلات ودلالتها:
1- لظنية ما ابنت عليه من الدلالة العقلية، وعدم وجود قرينة صحيحة في الكلام تدل على ما تأولوه به.
2- واختلاف هذا من فهم وعقل أحدهم لفهم وعقل آخر.
3- وكذلك لإدعاء هؤلاء فهم مراد الله من كلامه- بعقولٍ مجردة بلا نقلٍ صحيح. وهذا تقويل لما جاء عن الله تعالى بغير علم، وقد قالها أحد دعاة العلمانية وهدم التراث في المعاصرين(أدونيس): كل تأويل للنصوص هو تقويل لها(!!) وصدق الكذوب.
4- وكذلك لأن التأويل الباطل هو اتهام مَن هم أعرف الناس بالله من رسله وأنبياءه في فهمهم ودينهم وعقلهم . فالمعطل المتأول يرى نفسه- بدليل تأويله وعدم التزامه النقل والوحى- خيراً في الفهم عن الله تعالى من النبى صلى الله عليه وأصحابه الذين لم يخوضوا ولم ينقل عنهم التفلسف في تأويل صفات الله سبحانه والإخبار عنه بل آمنوا بالله وأسمائه كما تليق به بطريق مجمل، وفصَّلوا الاقتداء بما دلت عليه من الجمال، وعملوا بإيمانهم خيرا ...
أما التأويل بقرينة صحيحة تدل على صرف المعنى عن ظاهره إلى المعنى المأول بلا تكلف فهو تأويل سائغ مقبول وهو من باب التفسير والفهم...
ويقرب من هذا ما قاله [ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فَقَالَ: إِذَا كَانَ التَّأْوِيلُ قَرِيبًا مِنْ لِسَانِ الْعَرَبِ لَمْ يُنْكَرْ. أَما إن كان بَعِيدًا تَوَقَّفْنَا عَنْهُ، وَآمَنَّا بِمَعْنَاهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ مَعَ التَّنْزِيهِ.
قَالَ: وَمَا كَانَ مَعْنَاهُ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ ظَاهِرًا مَفْهُومًا مِنْ تَخَاطُبِ الْعَرَبِ قُلْنَا بِهِ مِنْ غَيْرِ تَوْقِيفٍ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ فَنَحْمِلُهُ المراد من " جنب الله" عَلَى حَقِّ اللَّهِ وَمَا يَجِبُ لَهُ]( ).
قلت : هنا القرينة التي صرفت هذا اللفظ إلى معنى ً لازم للفظ لا حقيقته فقدرنا الكلام هكذا " يا حسرتا على فرطت في حق الله" لأن هناك قرينة لفظية صريحة تعرفها العرب من أقرب طريق في لغتها وهى لفظ ( فرطت)، والتفريط لا يكون إلا في حق وواجب ، وبذلك صار التأويل صحيحا ، وهو المعنى اللغوى الأصولى للتأويل بمعنى التفسير وكثيرا ما يستخدم في الفقه ...

 فصل: في التأويل حقيقته وخطورته

[ لقد جرت التأويلات الفاسدة فتناً عظيمة على الإسلام والمسلمين، وأخرجت الكثير منهم عن عقيدتهم السليمة إلى عقائد ما أنزل الله بها من سلطان، ولقد عبر عن بعض مضار التأويلات الفاسدة العلامة ابن أبى العز، في معرض رده على الذين يؤولون رؤية الله تعالى في قوله :( وجوه يومئذ ناضرة (22) إلى ربها ناظرة (سورة القيامة)
فقال: (وهى من أظهر الأدلة، وأما من أبى تحريفها بما يسميه تأويلاً، فتأويل نصوص المعاد والجنة والنار والحساب أسهل من تأويلها على أرباب التأويل، ولا يشاء مبطل أن يتأول النصوص ويحرفها عن مواضعها إلا وجد إلى ذلك من السبيل ما وجده متأول هذه النصوص.
وهذا الذي أفسد الدنيا والدين، وهكذا فعلت اليهود والنصارى في نصوص التوراة والإنجيل، وحذرنا الله أن نفعل مثلهم، وأبى المبطلون إلا سلوك سبيلهم، وكم جنى التأويل الفاسد على الدين وأهله من جناية! فهلقتل عثمان إلا بالتأويل الفاسد؟، وكذا ما جرى في يوم الجمل وصفين ومقتل الحسين والحرة. وهل خرجت الخوارج، واعتزلت المعتزلة، ورفضت الروافض، وافترقت الأمة على ثلاث وسبعين فرقة إلا بالتأويل الفاسد)ا.ه. (من شرح الطحاوية)
لقد كثر الجدال والخصام بين أهل السنة من جانب، وبين المخالفين لهم ممن تأثر بعلم الكلام والفلسفات من جانب آخر في قضية التأويل.
فما هو التأويل، وما المراد به عند هؤلاء الفرق من الأشعرية والماتريدية والمعتزلة وغيرهم ممن اقتحم التأويلات الفاسدة ؟
حقيقة التأويل في أساس إطلاقه يشمل أمرين:
الأمر الأول: تطلق كلمة التأويل ويراد بها ما تؤول إليه حقيقة ذلك الشيء ومصيره وعاقبته.
الأمر الثاني: تطلق هذه الكلمة ويراد بها معرفة ذلك الشيء ومفهم تفسيره وبيانه، سواء وافق ظاهره الصواب أو خالفه، وكثير من المفسرين يستعمل كلمة التأويل بمعنى التفسير فيقول: تأويل هذه الآية كذا أي تفسيرها، فإن وافق الحق فهو مقبول وصحيح، وإن خالفه فهو باطل.
وقد ورد ذكر كلمة التأويل في القرآن الكريم في عدة آيات، قال تعالى:
ذلك خير وأحسن تأويلا أي عاقبة التحاكم إلى الله ورسوله عند التنازع هو أحسن مآلاً وعاقبة، ومنه قوله تعالى: هل ينظرون إلا تأويله ، أي عاقبة تأويله، وجميع ما ورد في القرآن الكريم من معاني التأويل فهي تطلق بهذا المعنى.
وورد في السنة عن النبي هذا المعنى حيث روى سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه قال: سئل رسول الله عن هذه الآية: قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم من تحت أرجلكم ، فقال : (أما إنها كائنة ولم يأت تأويلها بعد) ، أي لم يأت وقت ظهور حقيقة العذاب ومصير المخاطبين وما تؤول إليه عاقبتهم.
وورد في السنة النبوية أيضاً استعمال التأويل بمعنى التفسير والمعرفة كما في دعائه لابن عباس بقولة: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل) ، أي فهمه معرفة الدين.
وهذه المعاني للتأويل هي التي كانت معروفة عند السلف قبل ظهور أهل الكلام والفلسفات العقيمة، وقبل ظهور الخصام والجدال في معاني التأويل.
قال ابن القيم:
(وأما المعتزلة والجهمية وغيرهم من فرق المتكلمين فمرادهم بالتأويل: صرف اللفظ عن ظاهره وحقيقته إلى مجازه وما يخالف ظاهره، وهذا هو الشائع في عرف المتأخرين من أهل الأصول والفقه، ولهذا يقولون: التأويل على خلاف الأصل والتأويل. وهذا التأويل هو الذي صنف في تسويغه وإبطاله من الجانبين، فصنف جماعة في تأويل آيات الصفات وأخبارها، كأبي بكر بن فورك وابن مهدى الطبري وغيرهما، وعارضهم آخرون فصنفوا في إبطال ذلك التأويل، كالقاضي أبى يعلى والشيخ موفق الدين بن قدامة، وهو الذي حكى عن غير واحد، إجماع السلف على عدم القول به)
وقد بين ابن القيم انقسام التأويل إلى صحيح وباطل وأنه ينحصر في هذين القسمين فقال: ((وعلى هذا يبنى الكلام في الفصل الثاني، وهو انقسام التأويل إلى صحيح وباطل.
وذكر أن كل ما ورد من الروايات عن الصحابة وفيها ذكر التأويل، أن المراد به حقيقة المعنى وما يئول إليه في الخارج أو المراد به التفسير، وذكر أمثلة كثيرة على هذا، وأن تأويلهم من جنس التأويل الذي يوافق الكتاب والسنة أو أن لهم وجهة نظر قوية لا تخرج عن الحق .
وأما التأويل الباطل فقد ذكر له عدة أنواع منها:
أحدها: ما لم يحتمله اللفظ بوضعه، كتأويل قوله : (حتى يضع رب العزة عليها رجله) بأن الرجل جماعة من الناس، فإن هذا لا يعرف في شيء من لغة العرب ألبته.
الثاني: ما لم يحتمله اللفظ ببنيته الخاصة من تثنية أو جمع، وإن احتمله مفرداً كتأويل قوللما خلقت بيدي بالقدرة.
الثالث: ما لم يحتمله سياقه وتركيبة وإن احتمله في غير ذلك السياق، كتأويل قوله: هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك بأن إتيان بعض آياته التي هي أمره، وهذا يأباه السياق كل الإباء.
الرابع: ما لم يؤلف استعماله في ذلك المعنى في لغة المخاطب وإن ألف في الاصطلاح الحادث، وذكر أن هذا النوع لم يؤلف استعماله في لغة العرب وإن كان معهوداًَ في اصطلاح المتأخرين، ومثل لهذا بتأويل الجهمية والفلاسفة والمعتزلة لقول الله تعالى: ثم استوى على العرش بأن المعنى أقبل على خلق العرش، فإن هذا لا يعرف في لغة العرب، بل ولا غيرها من الأمم، أن من أقبل على الشيء يقال: قد استوى عليه، فلا يقال لمن أقبل على الرجل: قد استوى عليه ولا لمن أقبل على الأكل: قد استوى على الطعام.
الخامس: ما ألف استعماله في ذلك المعنى لكن في غير التركيب الذي ورد به النص، فيحمله المتأول في هذا التركيب الذي لا يحتمله على مجيئه في تركيب آخر يحتمله، وهذا من أقبح الغلط والتلبيس، ومثل لهذا بتأويل اليد بالنعمة، والنظر إلى الله بانتظار الثواب.
السادس: كل تأويل يعود على أصل النص بالإبطال فهو باطل، كتأويل قوله : (أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل) ، بحمله على الأمة المملوكة، فإن هذا التأويل مع شدة مخالفته لظاهر اللفظ يرجع على أصل النص بالإبطال وهو قولة: (فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها) ومهر الأمة إنما هو للسيد، فقالوا: نحمله على المكاتبة، وهذا يرجع على أصل النص بالإبطال من وجه آخر، فإنه أتى بأي الشرطية التي هي من أدوات العموم، وأكدها بما المقتضية تأكيد العموم، وأتى بالنكرة في سياق الشرط وهى تقتضي العموم، وعلق بطلان النكاح بالوصف المناسب له المقتضى لوجود الحكم بوجوده وهو نكاحها نفسها، ونبه على العلة المقتضية للبطلان وهي افتياتها على وليها، وأكد الحكم بالبطلان مرة بعد مرة ثلاث مرات، فحمله – أى المؤول ذلك - على صورة لا تقع في العالم إلا نادراً يرجع على مقصود النص بالإبطال ... إلى آخر الأوجه التي ذكرها ابن القيم للتأويل الباطل.
وكان السلف يدركون الفرق بين التأويل بمعنى التفسير وفهم المراد من الكلام الذي هو باستطاعة الإنسان الوصول إليه - وهذا هو التأويل المقبول عند السلف - وبين التأويل بمعنى معرفة ما يؤول إليه المراد من الكلام سواء كان في الدنيا أو في الآخرة من الأمور الغيبية، الذي ليس باستطاعة الشخص معرفته إلا بعد ظهوره ووضوح حقيقته.
وأمثلة هذا النوع كثيرة يمثلها الإخبار بالمغيبات التي ستحدث في الدنيا أو في الآخرة، ويمثلها كذلك معرفة صفات الله حقيقتها وكيفياتها.
وأهل السنة لا يتعدون هذه المفاهيم الواضحة المشرقة البعيدة عن التكليفات والتأويلات الباطلة.
ولو وقف الخلف عند المكان الذي وقف فيه السلف لكان خيراً لهم وأشد تثبيتاً ولكنهم تجاوزوا النصوص وقدموا عليها عقولهم ومفاهيمهم القاصرة وتأويلاتهم الباطلة، فجاءت خليطاً مشوهاً.
والتأويل في عرف هؤلاء المتأخرين يراد به: (صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن بذلك، فلا يكون معنى اللفظ الموافق لدلالة ظاهرة تأويلاً على اصطلاح هؤلاء، وظنوا أن مراد الله تعالى بلفظ التأويل ذلك، وأن للنصوص تأويلاً يخالف مدلولها لا يعلمه إلا الله ولا يعلمه المتأولون) .
فالمتأخرون يريدون بالتأويل عدم إجراء النص على ظاهره والإتيان له بمعنى يحتمله، ليتوافق مع تأويلهم الذي حرفوه عن معناه الصحيح، وهذا هو التأويل الباطل.
وقد رفض السلف تأويل الخلف بالمعنى الذي قرره هؤلاء، لأنه تحريف للنصوص وإبعاد للمراد منها، خصوصاً وأن تلك النصوص ظاهرة الدلالة لا خفاء فيها ولا احتمال، فإن كل ما جاء في القرآن والسنة من الوضوح وتحديد المراد ما لا يحتمل التلاعب به ولا بمعاينة، لأنه نزل على قوم أدركوا المراد به وآمنوا به وأطمأنت قلوبهم، ولم يحتاجوا إلى التأويلات التي اخترعها زعماء التعطيل.
فإنه على حسب مفهومهم ما من نص إلا وهو يحتمل التأويل، وبالتالي فلا تتم الثقة بأي نص على ظاهره، فإذا ورد النص بقول: وجاء ربك
قالوا: جاء أمره، وإذا ورد النصإن الله سميع بصير ، قالوا: سميع بلا سمع، بصير بلا بصر بل بذاته ورحمة الله إرادة الثواب، واليد النعمة.. إلى غير ذلك من تلك التأويلات التي ملئوا بها كتبهم، استناداً إلى أن العقل
هو الفاصل والمقدم على النقل، فلا حرج بعد ذلك أن تؤول نصوص الكتاب والسنة وأقوال السلف الذين يقتدي بهم
على حسب ما تراه العقول، فصار هؤلاء المؤولة أشر من المعطلة، قال ابن القيم رحمة الله: (فصل في بيان أن التأويل شر من التعطيل ) .
وتحت هذا العنوان قال عن التأويل: (فإنه يتضمن التشبيه والتعطيل والتلاعب بالنصوص وإساءة الظن بها، فإن المعطل والمؤول قد اشتركا في نفى حقائق الأسماء والصفات، وامتاز المؤول بتلاعبه بالنصوص وإساءة الظن بها، ونسبة قائلها إلى التكلم بما ظاهرة الضلال والإضلال) .
وقال ابن أبى العز:
( فإنه قد صار اصطلاح المتأخرين في معنى التأويل أنه صرف اللفظ عن ظاهرة، وبهذا تسلط المحرفون على النصوص وقالوا: نحن نتأول ما يخالف قولنا فسموا التحريف تأويلاً، تزييناً له وزخرفة ليقبل ) إلى أن قال:
( فمن التأويلات الفاسدة تأويل أدله الرؤية وأدلة العلو، وأنه لم يكلم موسى تكليماً ولم يتخذ إبراهيم خليلاً) .
وما زعمه المؤولة من أن نصوص الصفات في القرآن والسنة لا تعرف إلا بالتأويل زعم مردود، إذا أريد أن معاني تلك الصفات معروفة، أما إذا أريد بأنها لا تعرف بمعنى أننا لا نعرف كيفيتها فهذا حق، ولكنهم لا يريدونه.
وعموما ً فكل تأويل يوافق دلالة الكتاب والسنة فهو مقبول وصحيح، وكل تأويل يخالفهما فهو تأويل فاسد فاتح لباب الزندقة، مهيئ للتفلت من قبول الشرع، ومسبب للحيرة والاضطراب.]

*أما أهل الحق [ جُمْهُورُ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْهُمُ السَّلَفُ وَأَهْلُ الْحَدِيثِ عَلَى الْإِيمَانِ بِهَا( ألفاظاً قدسيةً من الله دالةً على معانٍ حقيقيةٍ) ، وَتَفْوِيضِ مَعْنَاهَا الْمُرَادِ مِنْهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَلَا نُفَسِّرُهَا مَعَ تَنْزِيهِنَا لَهُ عَنْ حَقِيقَتِهَا ( قلت وهو ما يعبر عنه شيخ الإسلام ابن تيمية تعالى : وكذلك أحمد بن حنبل، تعالى، قال: لا يوصف الله تعالى إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسول الله - -، لا تتجاوز القرآن والحديث. وهكذا مذهب سائرهم أنهم يصفون الله تعالى بما وصف به نفسه، وبما وصف به رسوله - -، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف، ولا تمثيل، بل يثبتون له ما اثبته لنفسه من الأسماء الحسنى والصفات العلا، ويعلمون أنه ليس كمثله شئ لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فإنه كما أن ذاته سبحانه ليست مثل الدوات المخلوقة، فصفاته ليست كالصفات المخلوقة، بل سبحانه موصوف بصفات الكمال، منزه عن كل نقص وعيب، فهو حي قيوم، سميع بصير، عليم قدير، رءوف رحيم، وهو الذى خلق السماوات والأرض، وما بينهما في ستة ايام، ثم أستوى على العرش، وهو الذى كلم موسى تكليماً، وتجلى للجبل فجعله دكا، ولا يماثله شئ من الأشياء في شئ من صفاته، فليس كعلمه علم أحد، ولا كقدرته قدرة أحد، ولا كرحمته رحمة احد، ولا كاستوائه أحد، ولا كسمعه وبصره، ولا بصره، ولا كتكليمه تكليم أحد، ولا كتجليه تجلى أحد. والله سبحانه قد أخبرنا أن في الجنة لحماً ولبناً، وعسلاً وماء،وحريراً وذهباً.
وقد قال ابن عباس، - - ليس في الدنيا مما في الأخرة إلا الأسماء، فإذا كانت المخلوقات الفانية ليست مثل هذه المخلوقات المشاهدة مع اتفاقها في الأسماء، فالخلق تعالى أعظم علواً ومباينة لخلقه من مباينة المخلوق للمخلوق وإن اتفقت الأسماء. وقد سمى نفسه حياً وعليماً، وسميعاً بصيراً، وملكاً رءوفاً رحيماً، وسمى ايضاً بعض مخلوقاته حياً وبعضها عليماً، وبعضها سميعاً بصيراً، وبعضها رءوفاً رحيماً، وليس الحي كالحي، ولا العليم كالعليم. إلخ كلامه تعالى في الواسطية) .
أَخْرَجَ أَبُو الْقَاسِمِ اللَّالَكَائِيُّ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ – بسند ضعفه اهل العلم- فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى قالت : الْكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ ، وَالِاسْتِوَاءُ غَيْرُ مَجْهُولٍ ،وَالْإِقْرَارُ بِهِ مِنَ الْإِيمَانِ ، وَالْجُحُودُ بِهِ كُفْرٌ .
وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ – بسند جيد - أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ، فَقَالَ مثل ذلك...
وَأَخْرَجَ أَيْضًا – بسند جيد - عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْآيَةِ فَقَالَ: الْكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ ، وَالِاسْتِوَاءُ غَيْرُ مَجْهُولٍ ، وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ ، وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ.
وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ وَلَا يقال: كيف ، وكيف مَرْفُوعٌ.
وَأَخْرَجَ اللَّالَكَائِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ: اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ كُلُّهُمْ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ عَلَى الْإِيمَانِ بِالصِّفَاتِ مِنْ غَيْرِ تَفْسِيرٍ وَلَا تَشْبِيهٍ.
وَقَالَ: التِّرْمِذِيُّ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ الرُّؤْيَةِ ( أى حديث إثبات رؤية الله في الجنة الوارد في الصحيحين) : الْمَذْهَبُ فِي هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الْأَئِمَّةِ مِثْلَ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَمَالِكٍ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَابْنِ عُيَيْنَةَ وَوَكِيعٍ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُمْ قالوا: نَرْوِي هَذِهِ الْأَحَادِيثَ كَمَا جَاءَتْ وَنُؤْمِنُ بِهَا وَلَا يُقَالُ: كَيْفَ وَلَا نُفَسِّرُ وَلَا نَتَوَهَّمُ.
وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّنَا نُؤَوِّلُهَا عَلَى مَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ تَعَالَى وَهَذَا مَذْهَبُ الْخَلَفِ وَكَانَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ يَذْهَبُ إِلَيْهِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ فَقَالَ فِي الرِّسَالَةِ النِّظَامِيَّةِ : الَّذِي نَرْتَضِيهِ دِينًا ، وندين الله بِهِ عَقْدًا اتِّبَاعُ سَلَفِ الْأُمَّةِ فَإِنَّهُمْ دَرَجُوا عَلَى تَرْكِ التَّعَرُّضِ لِمَعَانِيهَا.
وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ مَضَى صَدْرُ الْأُمَّةِ وَسَادَاتُهَا ، وَإِيَّاهَا اخْتَارَ أَئِمَّةُ الْفُقَهَاءِ وَقَادَاتُهَا ، وَإِلَيْهَا دَعَا أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ وَأَعْلَامُهُ ، وَلَا أَحَدَ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ من أصحابنا يصدف عَنْهَا وَيَأْبَاهَا]
المصادر والهوامش:[1]الإتقان في علوم القرآن للسيوطي 2/145-155. قلتُ( أى مصنفه): وسيأتي في باب لاحق من هذا الكتاب – إن شاءالله تعالى – كيف كانت هذه خاصة امتاز بها القرآن العظيم في اللغة التي وضع فيهاليصير أشمل منها ويحفظ إعجازها وجمالها وفصاحتها ، ويسوقنا الحديث ان فهم القرآنأعمق من مجرد البحث اللغوي بل له قرائن وموجهات خاصة وكثيرة....
[2]ببساطة فإن لكل كلمةٍ في اللغة معنى فيالمعجم هو أصل معناها ويسمى ( دلالتها الظاهرة أو المباشرة) ثم إن لها معانٍ أخرىإما بلزومها للمعنى الأصلي وتسمى دلالة الالتزام مثال أن يذكر لفظ ( أسد) فدلالتهالمعجمية المباشرة على هذا الحيوان الشرس المعروف ، ودلالته بالالتزام على معنىالشجاعة فالأسد شجاع يضرب به المثل وهنا يصح ان نصف هذه الدلالة بالالتزام علىكناية النسبة أو الإستعارة عند البلاغيين ، وهناك دلالة أخرى بالتضمن مثل أن يقال(خرجت القرية عن بكرة أبيها) والمقصود أهل القرية فهذا مجاز أو مثلا وصف سيطرة الرجل بقبضته، وهذه هى الدلالةبالتضمن وهى أشبه بالمجاز المرسل الذي علاقته الجزئية والتضمن عند البلاغيين.
[3]الإتقان في علوم القرآن (3/ 17)
[4](الإتقان في علوم القرآن للسيوطي 3/16)
[5] راجع كتاب الصواعقالمرسلة لإبن القيم ج1
[6] الفتوى الحموية الكبرىلإبن تيمية ص40
[7] مختصر الصواعق المرسلةلإبن القيم 1/46
[8] شرح الطحاوية لإبن أبيالعز 1/147
[9]فرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام وبيان موقف الإسلاممنها (3/ 1249-1257)

[10] يقول علماؤنا من أهل السنة سلفنا الصالح :الْكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ (نفوض المعنى فيه إلى الله هو أعلمبحقيقته) ، وَالِاسْتِوَاءُ غَيْرُ مَجْهُولٍ ( لغةً وهو الاعتلاء ولا نفوض لفظه ،فإنه لدينا معلوم).. وهذا هو مذهب أهل الحق من سلف هده الأمة وخلفها، وقد ثبت عنأئمة السلف رحمة الله علينا وعليهم أنهم- قالوا في أحاديث الصفات: (تمر كما جاءتولا يفسر شيء منها) بمعنى لا يكيف.
فهذا سفيان بن عيينة يقول- وقد سئل عن أحاديت العجب والضحك ( يعجب الله إلى ...، ويضحك الله من ...) -: (هي كما جاءتنقر بها، ونحدث بها بلا كيف) ، انظر: الصفات للدارقطني 42حـ 63.
وقال الوليد بن مسلم: سألت الأوزاعي، ومالك بن أنس وسفيان الثوري والليثابن سعد عن هذه الأحاديث التي فيها الرؤية وغير ذلك فقالوا: أمضها بلا كيف انظر:الصفات للدارقطني 44حـ67.
ومقصود السلف بقولهم: أمروها كما جاءت بلا كيف: إثبات حقيقةمعاني ألفاظها والإيمان بها، مع نفي علمهم بكيفيتها. وليس المقصود أنهم يؤمنونباللفظ من غير فهم لحقيقة معناه. فهم يفهمون حقيقة معاني هذه الألفاظ الواردة فيالصفات كالاستواء والضحك ويؤمنون بذلك على ما يليق بالله ، ويفوضونفي الكيفية فقط.
قال الإمام ابن تيمية معلقاً على قول مالك: وكلام مالك صريح في إثباتالإستواء، وأنه معلوم، وأن له كيفية، لكن تلك الكيفية مجهولة لنا لا نعلمها نحن،ولهذا بَدّع السائل الذي سأله عن هذه الكيفية، فإن السؤال إنما يكون عن أمر معلوملنا، ونحن لا نعلم استواءه، وليس كل ما كان معلوماً وله كيفية تكون تلك الكيفيةمعلومة لنا. مجموع الفتاوى 5/181.
و يقول أيضا ً: (ولو كانوا يؤمنون باللفظ المجرّد من غير فهم لمعناه لماقالوا: الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول) ولما قالوا:"أمروها كما جاءتبلا كيف" فإن الاستواء حينئذ لا يكون معلوما بل مجهول.
ثم قال: وأيضا فإنه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية. إذا لم يفهم عن اللفظمعنى، وإنما يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا أثبتت الصفات.
وأيضا: فإن من ينفي الصفات لا يحتاج إلى أن يقول: (بلا كيف) فمن قال: إنالله ليس على العرش لا يحتاج أن يقول: (بلا كيف) فلو كان مذهب السلف نفي الصفات فينفس الأمر لما قالوا (بلا كيف) .
وأيضا: فقولهم أمروها كما جاءت يقتضي إبقاء دلالتها على ما هي عليه، فإنهذه الألفاظ جاءت دالة على معاني، فلو كانت دلالتها منتفية لكان الواجب أن يقال:"أمرّوا لفظها مع اعتقاد أن المفهوم غير مراد" أو "أمروا لفظها معاعتقاد أن الله لا يوصف بما دلّت عليه حقيقة" انظر: الفتوى الحموية ص 112 ضمنمجموعة نفائس.
[11] الإتقان في علومالقرآن للسيوطي 3/14.