لطائف قرآنية :
افتتح ربنا سبحانه خمس سور في القرآن بهذا المفتتح وهذا الاستهلال الرائع " الحمد لله " ...
ففى أم القرآن (الفاتحة) : "الحمد لله رب العالمين " .. وفي سورة الأنعام : "الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور " .. وفي سورة الكهف : "الذي أنزل على عبده الكتاب " .. وفي سورة سبأ : "الذي له ما في السماوات وما في الأرض " .. وفي سورة فاطر: "فاطر السماوات والأرض ".
فما وجه المناسبة بين هذا الاستهلال واختلاف التعقيب بعده مع السورة التي ورد فيها؟
ذكر السيوطي في الاتقان :
فِي تَفْسِيرِ الْخُوَيِّيِّ يقول : ابْتُدِئَتِ الْفَاتِحَةُ بِقَوْلِهِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فَوَصَفَ بِأَنَّهُ مَالِكُ جَمِيعِ الْمَخْلُوقِينَ .. وَفِي الْأَنْعَامِ وَالْكَهْفِ وَسَبَأٍ وَفَاطِرٍ لَمْ يُوصَفْ بِذَلِكَ ؛ بَلْ بِفَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ صِفَاتِهِ ، وَهُوَ خلق السموات وَالْأَرْضِ وَالظُّلُمَاتِ وَالنُّورِ فِي الْأَنْعَامِ، وَإِنْزَالِ الْكِتَابِ فِي الْكَهْفِ ، وَمِلْكِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الْأَرْضِ فِي سَبَأٍ ، وَخَلْقِهِمَا فِي فَاطِرٍ .. لِأَنَّ الْفَاتِحَةَ أُمُّ الْقُرْآنِ وَمَطْلَعُهُ فَنَاسَبَ الْإِتْيَانَ فِيهَا بِأَبْلَغِ الصِّفَاتِ وَأَعَمِّهَا وَأَشْمَلِهَا.] انتهى.

أقول : لقد تناسب هذا الاستهلال الرائع بالفعل مع موضوع السورة التي ورد فيها فجاء الاستهلال مكتملاً مع معاني السورة متناسقا بكل دقةٍ وبراعةٍ يؤكدها ما عقّبت به الآية بعد " الحمد لله " ...
ففي أم الكتاب كان أول القرآن وفاتحته فناسب ذلك افتتاحها بالحمد لله الذي يربُّ العالمين فيصلحهم ويربيهم بنعمه وهداياته المتعددة النابعة من رحمانيته العامة الشاملة ..
وفي سورة الأنعام التي يتمحور مضمونها العام حول دلائل التوحيد وإثباته لله تعالى وحده ودحض شبه المشركين ومناقشتهم .. فناسب ذلك البدء بالحمد وذكر الدليل الأول على وحدانية الله تعالى وهو الخلق الذي يشهد له سبحانه ببديع الصنعة وبيان ما نصبه من نور الحق وما يدحضه من ظلمات الباطل..
وأما سورة الكهف فكذلك لبنائها على قصة أصحاب الكهف وذكر ذى القرنين وهى مما سأله المشركون أو اليهود لرسول الله يطلبون تعجيزه .. فكان القرآن سنده الرباني العظيم في إثبات أنه الحق من رب العباد لا عوج فيه ولا مطعن لبشر .. فناسب ذلك الحمد لله على ما أنزله على عبده ليكون معجزته الكبرى وهدايته العظمى التي لا يقوى أمامها طعن أو اعتراض.
وأما سورة سبأ فإن فيها قصة سبأ فلما تضمنت ملك سبأ وملكتها بلقيس ، و ما تضمنته من قصص داود وسليمان وما منحهما الله من الملك ؛ من تسخير الجبال والطير والجن وإلانة الحديد .. ولم يجتمع مثل هذا فى سورة سواها .. افتتحها سبحانه بحمده وانفراده بملك السماوات والأرض وما فيهما وأنه أهل الحمد فى الدنيا والآخرة، وأن الملك كله لله يهبه لمن يشاء ؛ فقال تعالى: "الحمد لله الذى له ما فى السماوات وما فى الأرض ".
وأما سورة فاطر فإن الله تعالى بيّن فيها من صفات ربوبيته ودلائل وحدانيته من إبداع السماوات والأرض ، ومن خلق عمّار السماوات من الملائكة على عظيم خلقهم ، وجعلهم رسلاً أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع ، وإمساكه السماوات والأرض أن تزولا وغير ذلك من هذه الأوصاف العلية .. فناسب ذلك تعظيم الله وحمده على عظمة ذاته وهو الفاطر الخلاق البديع العظيم فقال ربنا "الحمد لله فاطر السماوات والأرض " .
فتبين من هذا عظمة القرآن في مناسبة كل افتتاح لموضوع السورة المفتتحة به دلالة على هذا الاتساق الشريف الدقيق بين روعة الافتتاح ومناسبة المعاني الكلية لسور هذا القرآن العظيم .. وهذا من وجوه الإعجاز القرآنية العزيزة التي لا يوفق لها من عباد الله إلا المتدبر العاشق للقرآن ..

وردت لفظة " الحمد" في القرآن الكريم خمساً وعشرين مرة.. وفي كل مرة معها (لام) الاختصاص التي تشير أن الحمد لله وحده .. فمرة تجئ ( له الحمد) ومرة ( الحمد لله )..
وورد قوله تعالى " الحمد لله " في القرآن كله واحداً وعشرين مرةٍ ..
وورد قوله تعالى " الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ " هكذا بلفظه وتمامه أربع مرات...
في الفاتحة.. وبينا مناسبته في موضعه..
وفي سورة يونس : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (9) دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (10)
وفي سورة الزمر : وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (73) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (74) وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (75) ..
وفي سورة غافر : اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (64) هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (65) قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (66) ..
وهنا نستقرأ أن الحمد ورد في الفاتحة تقريرا لحقيقة الوجود العليا أن الحمد لله في ذاته وصفاته وأفعاله فهو لله رب العالمين وحده .. وتعلمنا آية سورة غافر أن يعيش المهتدون المؤمنون على نور هذه الحقيقة يملأ حياتهم كما ملأ الحمد السموات والأرض وما بينهما .." هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ".. فالذين يعيشون في كنف هذه الحقيقة يصيرون إلى الفلاح وعظيم الثواب الذي يغمر قلوبهم وعقولهم فلا ينفكون تكون .." دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ " .. ومن خاب سعيه فالخسران المبين .. والله سبحانه له الحمد ابتداءاً في ذاته وصفاته وأفعاله .. وله الحمد في الخلق ، وفي العناية والرعاية والهداية ، وفي الجزاء والقضاء، فله الحمد في الأولى والآخرة .. " وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ " ..
فمن يستقرأ ما وردت فيه " الحمد لله رب العالمين " يعلم يقيناً أن "الحمد لله " بدايةٌ وطريقٌ وغاية ...
وأن الحمد يجب أن يكون في حياة المسلم منهج حياة وسبيل نجاة ...
والله تعالى أعلم والحمد لله رب العالمين.