تعلمت من ابن عثيمين(4)

المعْلمُ الرابع([1]): حبّه لنشر العلم، واغتنام الفرص لتبيلغ الشريعة:

كان يمرّ بي في بعض التراجم في الثناء على أحد العلماء: "أن أوقاته معمورةٌ ببث العلم"، أو "ليس له همّ إلا في نشر العلم"، ونحو هذه العبارات، التي رأيتها عياناً في حياة شيخنا ـ ـ.
لقد كان حبّ العلم وتبليغُه يسري في عروقه، ولا تحين فرصةٌ إلا ويهتبلها في نشره، مع التزامٍ قوي بالوقت الذي خصّصه للناس في الإجابة على أسئلتهم في الهاتف.

ومن صور هذا الحب لنشر العلم: أنه كان إذا سافر من بلده عنيزة يضع "المجيب الآلي" الذي يرد على الاتصالات ـ وذلك قبل استعمال الجوالات ـ، ويبيّن رقم الاتصال الجديد في المنطقة التي ذهب إليها، سواء في مكة أم الطائف أم الرياض، مع أنه كان يسعه الاكتفاء بما يتلقاه من أسئلة الناس واستفتاءاتهم في تلك المناطق التي يسافر إليها، لكنها الدِّقة والالتزام، والشعور بمهمة البلاغ عن الله ورسوله.

وأتذكر مرةً أنه زاره بعضُ القضاة في إحدى زياراته للرياض ـ وكنتُ شاهداً لهذا الموقف في منزل أخيه الشيخ عبدالرحمن بن صالح العثيمين ـ فطلبوا منه أن يخصِّص كل الوقت لهم ـ أي وقت العصر ـ، وكان شيخنا قد أحال المتصلين على هاتفه على ذلك الوقت الذي زاره فيه القضاة ـ فقال: لا أستطيع ذلك، وقد أحلتُ الناس على هذا الوقت، ولكن لكم سؤال وللمتصلين سؤال. فعجبتُ من هذه الدقّة، والحرص على الالتزام بما سجّله ووعد به.

وكان من عادته إذا جلس في مجلس عام، أن يطلب من أحد الحضور ـ وخاصة من صغار السنّ ـ أن يقرأ القرآن، ثم يعلّق على الآيات ثم يستقبل الأسئلة.


ومن أشدّ المواقف تأثيراً ـ والتي شاهدها الملايين من الناس وسمعوها ـ تلكم الأيام الأخيرة التي درّس فيها في المسجد الحرام في رمضان عام 1421هـ، والتي بلغ فيها المرضُ والألم من جسده مبلغه، وكان يؤدي الدروس بصعوبة بالغة، وكان الأطباء يؤكدون على أهمية راحته، فيخبرهم أن راحته في التدريس! بل حدّث أحدُ أولاده أنهم ذهبوا به مرةً في صباح أحد أيام العشر إلى مستشفى الملك فيصل التخصصي بجدة بسبب تردّي صحته، فلما كشفوا عليه، طَلبَ الرجوعَ به إلى مكّة، فوافق الفريق الطبي بعد إلحاح وضغط من شيخنا ـ ـ؛ كل هذا كي يرجع إلى مكة ليلقي درسه لذلك اليوم.


لقد كانت هذه المواقف ـ وأمثالها كثير ـ تعبّر أبلغ التعبير عن هذه الحال التي كان عليها، يسوقه -بالإضافة إلى حب نشر العلم- الخوف من معرّة كتْمه، وهو الذي صرّح بذلك مراراً، ومن ذلك قوله: "والله نخشى من الفتيا، ولولا أن الإنسان يخشى من كتمان العلم، أو أن السائل يذهب إلى إنسان جاهل ويفتيه لكان الإنسان يتوقف عن الفتيا ليسلم، لكن من استُفتي وعنده علم فإن عدم إقدامه على الفتيا ليس بسلامة بل هو عطب"([2]).


ولقد رأيتُ أثر هذا البذل والعطاء المتدفق على سلوك بعض طلابه، الذين تصدّروا بعد سنوات لنفع الناس وإفتائهم، وتدريس العلوم الشرعية، فلقد رأى الناسُ منهم بذلاً مشهوداً للعلم في كل الوسائل المتاحة، سواء في المساجد أم في الفضائيات أم في مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها، فبارك الله فيهم، ورحم الله شيخنا، وجزاه عنا خير الجزاء، وللحديث صلةٌ إن شاء الله.







([1]) أشرتُ في الجزء الأول والثاني والثالث من هذه السلسلة إلى ثلاثة من معالم التميز في شخصية شيخنا ـ ـ وهي: "وضوح الهدف" ، "الثبات على المنهج والهدف الذي رسمه لنفسه"، و"العناية بالقرآن حفظاً وفهماً وعملاً"، وأتابع في هذا المقال ذِكر بعض تلكم المعالم.

([2]) دروس الحرم المدني (4/4).