بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وسلم تسليما


يقول الله تعالى في وصف الحساب: يوم يفر ٱلمرء من أخيه.:. وأمه وأبيه.:. وصحبته وبنيه.:. لكل ٱمرىء منهم يومئذ شأن يغنيه.
ثم يقول في سورة أخرى: يبصرونهم يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه.:. وصاحبته وأخيه.:. وفصيلته التي تؤويه.:. ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه ..
فيصف الله حال المرء في ذلك اليوم وحاله يوم يحكم عليه ..
ففي ذلك اليوم كل الناس يفر بعضها من بعض مستغن بنفسه .. حتى أن المرء يفر من أخيه ..، امه وأبيه وصحبته وبنيه ..
ومع هذه الآيات وقفات ..
الأولى عن سر ترتيب من يفر المرء منهم ..
وإنما ذكر الإخوة أولا حتى تجمع جميع أنواع الأخوة، إذ لو قدم ذكر الأبوين لفهم من ذلك الاخوة لأب أو أم أو لكليهما، أما الأخوة فأكثر من ذلك .. من ذلك أخوة الدين
والإيمان .. ثم أتبع ذلك بذكر الأم والأب فقدم الأم عن الأب لأمرين: الأول أن أول الكائنات معرفة بالولد هي الأم يخرج من بطنا فيلقم ثديها .. والثاني أن يوم القيامة يستبصر المرء يعرف أن الوصية بالأم عند الله تتقدم الوصية بالأب .. من ذلك قول النبي : أمك ثم أمك ثم أمك ثم أبوك ثم الأقرب فالأقرب .. ثم ذكر الصحبة ولم يسمها زوجة لشمولها الزوجة ومن خالل في الدنيا ثم ذكر البنين وهم آخر من يقف المرء من أهله وهم تركته وورثته في الدنيا ..
الثاني عن سر ذكر الأم والأب في الأولى وغيابهما في الثانية وذكر الفصيلة في الثانية وغيابها في الأولى:
فذلك يحيلنا إلى فهم الفرق بين الفرار والافتداء ..
أما الفرار فإنك تفر من الأبعد وتحفظ الأقرب فالأخ ابعد من الابن والابن أقرب من الصحبة .. الخ
أما الافتداء فيفتدي بالأعز عنده الذي يمتلكه، فالأغلى الذي يمتلكه الولد .. إذ الولد وماله لأبيه ..
فإن تقرر لدينا ذلك فهمنا لماذا لم يذكر الأم والأب في الافتداء .. وهما أمران:
الأول أنه لا يملكهما إنما هو ملك لهما .. فإن قال قائل فهل يملك من في الأرض جميعا قلنا أن مرجع ذلك تمن من المجرم ورغبة منه .. والنكتة هنا في جمع الأب والأم مع جميع من في الأرض دون ذكرهما .. إذ يفهم من قوله تعالى : ومن في الأرض جميعا .. أن ألأم والأب داخلان فيه .. قلنا إنما لم يذكر ذلك حتى في أمنيته في نفسه لأنه يعلم أن ذلك سيرد عليه إذ يقترن رضا الرحمان برضا الوالدين والله تعالى أعلم

يغفر الله لي ولكم
د. عمارة سعد شندول