مَطَالبُ عِلْمِيَّةٌ : فإنِّي مُنْذُ سِنِيْنَ وأنا أدْعُو اللهَ تَعَالى أنْ يُقَيِّضَ بَعْضَ طُلَّابِ السُّنَّةِ والأثَرِ ممَّنْ لهُم عِلْمٌ بالحَدِيْثِ ومَعْرِفَةٌ بعِلَلِهِ ورِجَالاتِهِ : بأنْ يَقُوْمُوا بجَمْعِ كُتُبِ «بَيَانِ الوَهْمِ والإيْهَامِ»، و«تَنْقِيْحِ التَّحْقِيْقِ»، و«البَدْرِ المُنِيرِ»، و«التَّلْخِيْصِ الحَبِيْرِ»، و«نَتَائِجِ الأفْكَارِ»، و«نَصْبِ الرَّايَةِ»، و«إرْوَاءِ الغَلَيْلِ»، و«السِّلْسِلَتَيْنِ» وغَيْرِهَا مِنْ كُتُبِ التَّخْرِيْجِ، ثُمَّ القِيَامُ بتَرْتِيْبِهَا وتَهْذِيْبِهَا في كِتَابٍ وَاحِدٍ على النَّحْوِ التَّالي :
أوَّلًا : أنْ يَتَّخِذُوا وَاحِدًا مِنْ هَذِهِ الكُتُبِ أصْلًا وعُمْدَةً عِنْدَ الجَمْعِ والتَّرْتِيْبِ؛ ثَمَّ يَبْنُوا عَلَيْهِ الكُتُبَ الأُخْرَى، وأُرَجِّحُ مِنْهَا كِتَابَ «البَدْرِ المُنِيْرِ» لابنِ المُلَقِّنِ، لاعْتِبَارَاتٍ لَيْسَ هَذَا مَحَلَّ ذِكْرِهَا .
ثَانِيًا : أنْ يَقْتَصِرُوا في الجَمْعِ والتَّرْتِيْبِ : على الزِّيَادَاتِ الحَدِيْثِيَّةَ، والفَوَائِدَ العِلْمِيَّةَ وكُلِّ مَا لَهُ عِلاقَةٌ بعِلْمِ التَّخْريْجِ والحُكْمِ على الرِّجَالِ، دُوْنَ مَا سِوَاهَا مِنَ الفَوَائِدِ الأُخْرَى .
ثَالِثًا : أنْ يَجْتَهِدُوا في تَرْتِيْبِ الأبْوَابِ والأحَادِيْثِ على أصْلِ «البَدْرِ المُنِيْرِ» كَمَا ذَكَرْنَا، أو يَخْتَرِعُوا تَرْتِيْبًا آخَرَ يَتَنَاسَبُ مَعَ الأبْوَابِ الفِقْهِيَّةِ .
وذَلِكَ بوَضْعِ أصْلِ الحَدِيْثِ أوَّلا، ثُمَّ ثَانِيًا يَقُوْمُوْنَ بذِكْرِ تَخْرِيْجِهِ مِنْ كِتَابِ «البَدْرِ المُنَيْرِ»، ثُمَّ ثَالِثًا يَذْكُرُوْنَ التَّخْرِيْجَاتِ الزَّائِدَةَ المَوْجُوْدَةَ في الكُتُبِ الأُخْرَى إن وُجِدَتْ، ثُمَّ رَابِعًا يُرَتِّبُوْنَ هَذِهِ التَّخْرِيْجَاتِ تَرْتِيْبًا عِلْمِيًّا مُنَسَّقًا، لا تَشْعُرُ فِيْهِ بنُفْرَةٍ، ولا بِشَيءٍ مِنَ الفَصْلِ أو التَّقْطِيْعِ، بَلْ يَأخُذُونَ رِقَابَهَا بصِيَاغَةٍ جَدِيْدَةٍ عِلْمِيَّةٍ تَتَنَاسَبُ مَعَ مُصْطَلَحِ أهْلِ الحَدِيْثِ في تَخْرِيْجَاتِهم الحَدِيْثِيَّةِ .
رَابِعًا : ألَّا يَتَكَلَّفُوا كَثِيْرًا في عَزْوِ الأقْوَالِ إلى أصْحَابِ الكُتُبِ المَذْكُوْرَةِ إلَّا لمَا لا بُدَّ مِنْهُ، بَلْ يَجْعَلُوا كِتَابَهُم الجَامِعَ : كِتَابًا جَدِيْدًا قَائِمًا بنَفْسِهِ .
خَامِسًا : وهَذَا مِنْ أهمِّهَا، وهُوَ أنْ يُضَمِّنُوا الكِتَابَ فَهَارِسَ شَامِلَةً مَوْضُوْعِيَّةً وعِلْمِيَّةً .
وأخِيْرًا؛ فإنِّي لا أشُكُّ بَأنَّ عَمَلًا مِثْل هَذَا سَيَكُوْنُ إنْ شَاءَ اللهُ : مَشْرُوْعًا عِلْمِيًّا، وعَمَلًا نَفِيْسًا، ومِشْكَاةً حَدِيْثِيَّةً، ومَفْخَرَةً إسْلامِيَّةً لا تُدَانِيْهُ كَثِيْرٌ مِنَ المَشَارِيْعِ الَّتِي حَاوَلَتْ مُحَاكَاتَهُ ولو بَشِيء مِنَ التَّقْرِيْبِ!
كَمَا أنَّني لا أشُكُّ أيْضًا : بَأنَّ مِثْلَ هَذَا الصَّنِيْعِ سَيَكُوْنُ عَوْنًا بإذْنِ اللهِ تَعَالى لطُلَّابِ العِلْمِ بعَامَّةٍ، وأهْلِ السُّنَّةِ بخَاصَّةٍ .
وأيًّا كَانَتْ هَذِهِ المَلْحُوْظَاتُ الَّتي ذُكِرَتْ هُنَا : فَهِي لا تَعْدُو أنْ تَكُوْنَ تَقْرِيْبِيَّةً تَذْكِيْرِيَّةً، وإلَّا فَصَاحِبُ المَشْرُوْعِ هُوَ أدْرَى بعَمَلِهِ، واللهَ أسْألُ التَّوْفِيْقَ للجَمِيْعِ .

الشيخ د/ ذياب بن سعد الغامدي
توريق المنة
ص 27