الصلح في اللغة والقرآن والسنه ** وأقوال علماء الأمه

كتبه وجمعه أبو عبد الله

محمد بن محمد المصطفى

المدينة النبوية



















بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [ ([1]) ، ]يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً[ ([2]) ، ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً ، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ، ([3]) ،
وبعد إن الناس في هذه الحياة على اختلاف ألوانهم وتباين لغاتهم وتباعد أقطارهم بعضها عن بعض لم يعلم عن أحد منهم في وسط المعمورة ولا في أرجائها أنه لم يحدث بينهم خصومات ومنازعات، فلذا شرع الإسلام، الصلح وحثَّ عليه ورغب فيه مادام لا يحل حرامًا، ولا يحرم حلالا، وجعل المصلح حاكماً نافذاً حكمه لأنه يقضي علي المنازعات التي من شأنها أن تشيع الحقد والكراهية في قلوب الناس وتفسد ذات البين ، وفساد ذات البين هي الحالقة ، التي تحلق الدين ، وإصلاح ذات البين أفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة كما سيأتي إن شاء الله تعالى .
الصلح في اللغة
قال ابن منظور : صلح ، الصلاح ضد الفساد صلح يصلح و يصلح صلاحا وصلوحا وأنشد أبو زيد فكيف بإطراقي إذا ما شتمتني وما بعد شتم الوالدين صلوح وهو صالح وصليح الأخيرة عن ابن الأعرابي والجمع صلحاء وصلوح وصلح كصلح قال ابن دريد وليس صلح بثبت ورجل صالح في نفسه من قوم صلحاء ومصلح في أعماله وأموره وقد أصلحه أو ربما كنوا بالصالح عن الشيء الذي هو إلى الكثرة كقول يعقوب مغرت في الأرض مغرة من مطر وهي مطرة صالحة وكقول بعض النحويين كأنه ابن جني أبدلت الياء من الواو إبدالا صالحا وهذا الشيء يصلح لك أي هو من بابتك و الإصلاح نقيض الإفساد والمصلحة الصلاح والمصلحة واحدة المصالح والاستصلاح نقيض الاستفساد وأصلح الشيء بعد فساده أقامه وأصلح الدابة أحسن إليها فصلحت وفي التهذيب تقول : أصلحت إلى الدابة إذا أحسنت إليها و الصلح تصالح القوم بينهم و الصلح السلم وقد اصطلحوا وصالحوا وتصالحوا واصالحوا مشددة الصاد قلبوا التاء صادا وأدغموها في الصاد بمعنى واحد وقوم صلوح متصالحون كأنهم وصفوا بالمصدر والصلاح بكسر الصاد مصدر المصالحة والعرب تؤنثها والاسم الصلح يذكر ويؤنث و أصلح ما بينهم و صالحهم مصالحة و صلاحا قال بشر بن أبي حازم يسومون الصلاح بذات كهف وما فيها لهم سلع وقار وقوله وما فيها أي وما في المصالحة ولذلك أنث الصلاح و صلاح و صلاح من أسماء مكة شرفها الله تعالى يجوز أن يكون من الصلح لقوله حرما آمنا ويجوز أن يكون من الصلاح وقد يصرف قال حرب بن أمية يخاطب أبا مطر الحضرمي وقيل هو للحارث بن أمية أبا مطر هلم إلى صلاح فتكفيك الندامى من قريش وتأمن وسطهم وتعيش فيهم أبا مطر هديت بخير عيش وتسكن بلدة عزت لقاحا وتأمن أن يزورك رب جيش قال ابن بري الشاهد في هذا الشعر صرف صلاح قال والأصل فيها أن تكون مبنية كقطام ويقال حي لقاح إذا لم يدينوا للملك قال وأما الشاهد على صلاح بالكسر من غير صرف فقول الآخر منا الذي بصلاح قام مؤذنا لم يستكن لتهدد وتنمر يعني خبيب بن عدي قال ابن بري وصلاح اسم علم لمكة وقد سمت العرب صالحاً و مصلحاً وصليحاً والصلح نهر بميسان " ([4]) .
قال الرازي : الصلاح ضد الفساد وبابه دخل ونقل الفراء صلح أيضا بالضم وهذا يصلح لك أي هو من بابتك والصلاح بالكسر مصدر المصالحة والاسم الصلح يذكر ويؤنث وقد اصطلحا و تصالحا واصالحا بتشديد الصاد والإصلاح ضد الإفساد و المصلحة واحدة المصالح و الاستصلاح ضد الاستفساد " ([5]) .
قال الجرجاني : " الصلح في اللغة اسم من المصالحة وهي المسالمة بعد المنازعة وفي الشريعة عقد يرفع النزاع " ([6]) .
قال المناوي : " الصلح لغة اسم من المصالحة وهي المسالمة بعد المنازعة وشرعا عقد يدفع النزاع ذكره ابن الكمال : ([7])
وأما الآيات القرآنية التي ذكر فيها الصلح :
قال الله تعالى ) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( سورة الحجرات (10) ، وقال تعالى : ) لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ( سورة النساء (114) ، وقال تعالى : ) وَلاَ تَجْعَلُواْ اللّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( سورة البقرة (224) ، وقال تعالى : ) وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا ( سورة النساء(129) ، وقال تعالى : ) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىَ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ( سورة هود (88) ، وقال تعالى : ) يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ( سورة الأنفال (1) وقال تعالى : ) وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ( سورة النساء (128) ، وقال تعالى : ) فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( سورة البقرة (182) ،
وقال تعالى : ) وَالَّذِينَ يُمَسَّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ ( سورة الأعراف(170) ، وقال تعالى : )وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ( سورة الأعراف (142) ، وقال تعالى : ) وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ( سورة الشورى (40) ، وقال تعالى : ) وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ( سورة الحجرات (9) ، وقال تعالى : ) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ ( سورة الشعراء (152)
، وقال تعالى : ) وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ ( سورة النمل (48) وقال تعالى : ) وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ( سورة هود (117) ، وقال تعالى : ) فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِن تُرِيدُ إِلَّا أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ ( سورة القصص(19) ، وقال تعالى : ) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ( سورة البقرة (11) ، وقال تعالى : ) وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاء اللّهُ لأعْنَتَكُمْ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( سورة البقرة (220) ، وقال تعالى : ) وَالَّذِينَ يُمَسَّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ ( سورة الأعراف (170) ، وقال تعالى : ) وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلاَحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ ( سورة البقرة (228)
وقال تعالى : ) وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا ( سورة النساء (35) ، وقال تعالى : ) وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ( سورة الأنعام(48)
وقال تعالى : ) يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ( سورة الأعراف(35) ، وقال تعالى : ) وَإِذَا جَاءكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (سورة الأنعام (54) ، وقال تعالى : ) يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ( سورة الأعراف (35) ، وقال تعالى : ) وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ( سورة الأعراف (142) ، وقال تعالى : ) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ( سورة النحل(119) ، وقال تعالى : ) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ( سورة الأنبياء(90) ، وقال تعالى : ) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ( سورة النور (5) ، وقال تعالى : ) وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ( سورة الأحقاف (15) ، وقال تعالى : ) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ( سورة محمد (2) ، وقال تعالى : ) إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ( سورة البقرة (160) ، وقال تعالى : ) إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ( سورة آل عمران (89) ، وقال تعالى : ) وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا ( سورة النساء (16) ، وقال تعالى : ) إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَاعْتَصَمُواْ بِاللّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ لِلّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا( سورة النساء (146) ، وقال تعالى : ) فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( سورة المائدة (39) ، وقال تعالى : ) وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ( سورة الأنعام (48) ، وقال تعالى : ) وَإِذَا جَاءكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( سورة الأنعام (54) ، وقال تعالى : ) وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ( سورة الشورى (40) ، وقال تعالى : ) وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ( سورة الأحقاف (15) ،
وأما الأحاديث الواردة في الترغيب في فضل إصلاح ذات البين
عن أبي الدر داء قال : قال رسول الله :" ألا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة قالوا بلى قال إصلاح ذات البين وفساد ذات البين هي الحالقة " ([8]) . قال أبو عيسى الترمذي : ويروى عن النبي أنه قال هي الحالقة لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين " ([9]) .
وعن سعيد بن المسيب أنه قال : " ألا أخبركم بخير من كثير من الصلاة والصدقة قالوا بلى قال إصلاح ذات البين وإياكم والبغضة فإنها هي الحالقة " ([10]) .
وعن عائشة وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا قالت : " هو الرجل يرى من امرأته ما لا يعجبه كبرا أو غيره فيريد فراقها فتقول أمسكني واقسم لي ما شئت قالت فلا بأس إذا تراضيا " ([11]) .
وعن أبي هريرة أن النبي قال إياكم وسوء ذات البين فإنها الحالقة قال أبو عيسى هذا حديث صحيح غريب من هذا الوجه ومعنى قوله وسوء ذات البين إنما يعني العداوة والبغضاء وقوله الحالقة يقول إنها تحلق الدين " ([12]) .
وعن الزبير بن العوام أن النبي قال : " دب إليكم داء الأمم الحسد والبغضاء هي الحالقة لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أفلا أنبئكم بما يثبت ذاكم لكم أفشوا السلام بينكم " ([13]) .
وعن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله : " أفضل الصدقة إصلاح ذات البين " ([14]) .
وعن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله يقول : " والذي نفس أبي القاسم بيده لينزلن عيسى بن مريم إماماً مقسطاً وحكماً عدلاً فليكسرن الصليب وليقتلن الخنزير وليصلحن ذات البين وليذهبن الشحناء وليعرضن عليه المال فلا يقبله " ([15]) .
وعن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده قال سمعت رسول الله يقول : " الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً حرم حلالاً أو أحل حراماً" ([16]) .
وعن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وكانت من المهاجرات الأول اللاتي بايعن النبي قالت : سمعت رسول الله وهو يقول : " ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس ويقول خيراً وينمى خيراً " ([17]) .
وعن كعب بن مالك أنه كان له على عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي مال فلقيه فلزمه حتى ارتفعت أصواتهما فمر بهما النبي فقال : " ياكعب فأشار بيده كأنه يقول النصف فأخذ نصف ما عليه وترك نصفاً " ([18]) .
وعن حميد بن عبد الرحمن عن أمه أن النبي قال : " لم يكذب من نمى بين اثنين ليصلح وقال أحمد بن محمد ومسدد ليس بالكاذب من أصلح بين الناس فقال خيراً أو نمى خيراً " ([19]) .
وعن البراء بن عازب قال لما صالح رسول الله أهل الحديبية كتب علي بينهم كتابا فكتب محمد رسول الله فقال المشركون لا تكتب محمد رسول الله لو كنت رسولا لم نقاتلك فقال لعلي امحه فقال علي ما أنا بالذي أمحاه فمحاه رسول الله بيده وصالحهم على أن يدخل هو وأصحابه ثلاثة أيام ولا يدخلوها إلا بجلبان السلاح فسألوه ما جلبان السلاح فقال القراب بما فيه " ([20]) .
وعن أبي هريرة قال قال رسول الله : " كل سلامي من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس يعدل بين الناس صدقة " ([21]) .
وعن أسماء بنت يزيد قالت قال رسول الله : " لا يحل الكذب إلا في ثلاث يحدث الرجل امرأته ليرضيها والكذب في الحرب والكذب ليصلح بين الناس " ([22]) .
وعن أم كلثوم بنت عقبة قالت ما سمعت رسول الله يرخص في شيء من الكذب إلا في ثلاث كان رسول الله يقول لا أعده كاذباً الرجل يصلح بين الناس يقول القول ولا يريد به إلا الإصلاح والرجل يقول في الحرب والرجل يحدث امرأته والمرأة تحدث زوجها " ([23]) .
وعن سهل بن سعد أن أناساً من بني عمرو بن عوف كان بينهم شيء فخرج إليهم النبي في أناس من أصحابه يصلح بينهم فحضرت الصلاة ولم يأت النبي فجاء بلال فأذن بلال بالصلاة ولم يأت النبي فجاء إلى أبي بكر فقال إن النبي حبس وقد حضرت الصلاة فهل لك أن تؤم الناس فقال نعم إن شئت فأقام الصلاة فتقدم أبو بكر ثم جاء النبي يمشي في الصفوف حتى قام في الصف الأول فأخذ الناس بالتصفيح حتى أكثروا وكان أبو بكر لا يكاد يلتفت في الصلاة فالتفت فإذا هو بالنبي وراءه فأشار إليه بيده فأمره يصلي كما هو فرفع أبو بكر يده فحمد الله ثم رجع القهقري وراءه حتى دخل في الصف وتقدم النبي فصلى بالناس فلما فرغ أقبل على الناس فقال يا أيها الناس ما لكم إذا نابكم شيء في صلاتكم أخذتم بالتصفيح إنما التصفيح للنساء من نابه شيء في صلاته فليقل سبحان الله فإنه لا يسمعه أحد إلا التفت يا أبا بكر ما منعك حين أشرت إليك لم تصل بالناس فقال ما كان ينبغي لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي النبي " ([24])
وعن أنس قال : قيل للنبي : لو أتيت عبد الله بن أبي فانطلق إليه النبي وركب حماراً فانطلق المسلمون يمشون معه وهي أرض سبخة فلما أتاه النبي قال إليك عني والله لقد آذاني نتن حمارك فقال رجل من الأنصار منهم والله لحمار رسول الله أطيب ريحا منك فغضب لعبد الله رجل من قومه فشتمه فغضب لكل واحد منهما أصحابه فكان بينهما ضرب بالجريد والأيدي والنعال فبلغنا أنها أنزلت وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما " ([25]) .
وعن أبي بكرة قال : رأيت رسول الله على المنبر والحسن بن علي إلى جنبه وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى ويقول : " إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين " ([26]) .
وعن سهل بن سعد أن أهل قباء اقتتلوا حتى تراموا بالحجارة فأخبر رسول الله بذلك فقال :" اذهبوا بنا نصلح بينهم " ([27]) .
وعن أبي أيوب قال : قال لي النبي " يا أبا أيوب ألا أدلك على صدقة يحبها الله ورسوله أصلح بين الناس إذا تباغضوا وتفاسدوا" ([28]) .
وعن أنس أن النبي قال لأبي أيوب ألا أدلك على تجارة قال بلى قال صل بين الناس إذا تفاسدوا وقرب بينهم إذا تباعدوا " ([29]) .
وعن ابن عباس أن النبي قال : " من أتى مكان كذا وكذا أو فعل كذا وكذا فله كذا وكذا فتسارع إليه الشبان وبقي الشيوخ تحت الرايات فلما فتح الله عليهم جاؤوا يطلبون ما قد جعل لهم النبي فقال لهم الاشياخ لا تذهبون به دوننا فإنا كنا ردءاً لكم فأنزل الله هذه الآية فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم " ([30]) .
وعن أبي هريرة وابن عباس قالا : " خطبنا رسول الله فذكرا الحديث وفيه ومن مشى في صلح بين اثنين صلت عليه الملائكة حتى يرجع وأعطي أجر ليلة القدر وفيه ومن خان جاره شبراً من الأرض طوقه يوم القيامة إلى سبع أرضين ناراً حتى يدخل جهنم "([31]) .
أقوال العلماء
قال الأوزاعي : " ما خطوة أحب إلى الله من خطوة في إصلاح ذات البين ومن أصلح بين اثنين كتب الله له براءة من النار " ([32]) .
قال محمد بن المنكدر : " تنازع رجلان في ناحية المسجد فملت إليهما فلم أزل بهما حتى اصطلحا " ([33]) .
وعن ابن جريج عن عطاء أنه قال : " لا يحل للإمام أن يصلح بينهم إذا تبين له القضاء " ([34]) .
عن الجعد بن ذكوان عن شريح أنه كان يقول للخصوم اصطلحوا" ([35]).
وعن الحسن البصري أنه تقدم إليه حيث استقضى رجلان من ثقيف يختصمان إليه فقال الحسن وأنتما أيضا في أسنانكما وقرابتكما تختصمان فقالا يا أبا سعيد إنما أردنا الصلح قال فنعم إذا فتكلما فوثب كل واحد منهما على صاحبه بالتكذيب قال يقول الحسن : " كذبتما ورب الكعبة قال الله إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما ما الصلح أردتما " ([36]) .
وعن الشعبي قال : كتب عمر بن الخطاب إلى معاوية وهو أمير بالشام أما بعد " فإني كتبت إليك في القضاء بكتاب لم آلك فيه ونفسي خيراً فألزم خصالاً يسلم دينك وتأخذ بأفضل حظك عليك إذا حضر الخصمان فالبينة العدول والايمان القاطعة أدن الضعيف حتى يجترى قلبه وينبسط لسانه وتعاهد الغريب فإنه إن طال حبسه ترك حقه وانطلق إلى أهله وإنما أبطل حقه من لم يرفع به رأسا واحرص على الصلح بين الناس ما لم يستبن لك القضاء " ([37]) .
قال ابن شهاب الزهري : لم أسمع يرخص في شيء مما يقول الناس كذب إلا في ثلاث الحرب والإصلاح بين الناس وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها ([38]) .
قال ابن الجوزي : الصلاح التغير إلى الاستقامة في الحال وضده الفساد وقال ثعلب يقال صلح الشيء بفتح اللام وقال ابن السكيت : صلح وصلح بفتحها وضمها والصلوح مصدر صلح وأنشدوا :
فكيف بأطرافي إذا ما شتمتني وهل بعد شتم الوالدين صلوح
وذكر أهل التفسير أن الصلاح في القرآن على عشرة أوجه : أحدها الإيمان ومنه قوله تعالى في الرعد جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم وفي النور والصالحين من عبادكم وإمائكم وفي النمل وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين وفي المؤمن ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والثاني علو المنزلة ومنه قوله تعالى في البقرة وإنه في الآخرة لمن الصالحين وفي يوسف وتكونوا من بعده قوما صالحين أراد تصلح منازلكم عند أبيكم والثالث الرفق ومنه قوله تعالى في الأعراف اخلفني في قومي وأصلح وفي القصص ستجدني إن شاء الله من الصالحين والرابع تسوية الخلق ومنه قوله تعالى في الأعراف لئن آتيتنا صالحا أي سوي الخلق والخامس الإحسان ومنه قوله تعالى في هود إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت والسادس الطاعة ومنه قوله تعالى في البقرة قالوا إنما نحن مصلحون وفي الأعراف ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها أي بعد الطاعة فيها ومثله إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات والسابع أداء الأمانة ومنه قوله تعالى في الكهف وكان أبوهما صالحا أي كانا ذوي أمانة والثامن بر الوالدين ومنه قوله تعالى في بني إسرائيل ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين أي بارين بالآباء والتاسع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومنه قوله تعالى في هود وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون أي يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر والعاشر النبوة ومنه قوله تعالى في يوسف توفني مسلماً وألحقني بالصالحين أي بالأنبياء وهو معنى قول مقاتل وقد ألحق بعضهم وجها حادي عشر فقالوا والصلاح أداء الزكاة ومنه قوله تعالى في المنافقين فأصدق وأكن من الصالحين ([39]) .
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي : وقوله في هذه الآية الكريمة أو إصلاح بين الناس لم يبين هنا هل المراد بالناس المسلمون دون الكفار أو لا ولكنه أشار في مواضع أخر أن المراد بالناس المرغب في الإصلاح بينهم هنا المسلمون خاصة كقوله تعالى إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم وقوله : ] وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما [ فتخصيصه المؤمنين بالذكر يدل على أن غيرهم ليس كذلك كما هو ظاهر وكقوله تعالى : ] فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم [ ، وقال بعض العلماء إن الأمر بالمعروف المذكور في هذه الآية في قوله ] إلا من أمر بصدقة أو معروف [ يبينه قوله تعالى : ] والعصر إن الإنسان لفى خسر إلا الذين ءامنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر [ وقوله ] إلا من أذن له الرحمان وقال صوابا [ والآية الأخيرة فيها أنها في الآخرة والأمر بالمعروف المذكور إنما هو في الدنيا والعلم عند الله تعالى " ([40]) .
قال القرطبي : " الخامسة قوله تعالى : والصلح خير لفظ عام مطلق يقتضي أن الصلح الحقيقي الذي تسكن إليه النفوس ويزول به الخلاف خير على الإطلاق ويدخل في هذا المعنى جميع ما يقع عليه الصلح بين الرجل وامرأته في مال أو وطء أو غير ذلك خير أي خير من الفرقة فإن التمادي على الخلاف والشحناء والمباغضة هي قواعد الشر وقال في البغضة إنها الحالقة يعني حالقة الدين لا حالقة الشعر " ([41]) .
قال ابن العربي : " الخطاب بقوله تعالى : فمن خاف لجميع المسلمين قيل لهم إن خفتم من موص ميلا في الوصية وعدولا عن الحق ووقوعا في إثم ولم يخرجها بالمعروف فبادروا إلى السعي في الإصلاح بينهم فإذا وقع الصلح سقط الإثم على المصلح لأن إصلاح الفساد فرض على الكفاية فإذا قام به أحدهم سقط عن الباقين وإن لم يفعلوا أثم الكل قال علماؤنا وهي وفي هذا دليل على الحكم بالظن لأنه إذا ظن قصد الفساد وجب السعي في الصلاح وإذا تحقق الفساد لم يكن صلح إنما يكون حكم بالدفع وإبطال للفساد وحسم له " ([42]).
قال ابن جزي الكلبي عند قوله تعالى : ) وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا ( معنى الآية إباحة الصلح بين الزوجين إذا خافت النشوز أو الإعراض وكما يجوز الصلح مع الخوف كذلك يجوز بعد وقوع النشوز أو الإعراض .. ووجوه الصلح كثيرة منها أن يعطيها الزوج شيئا أو تعطيه هي أو تسقط حقها من النفقة أو الاستمتاع أو غير ذلك .. .والصلح خير لفظ عام يدخل فيه صلح الزوجين وغيرهما وقيل معناه صلح الزوجين خير من فراقهما فخير على هذا للتفضيل واللام في الصلح للعهد " ([43]) .
قال ابن جزي " قوله :" ] وأصلحوا ذات بينكم [ أي اتفقوا وائتلفوا ولا تنازعوا وذات هنا بمعنى الأحوال قاله الزمخشري وقال ابن عطية يراد بها في هذا الموضع نفس الشيء وحقيقته وقال الزبيري : إن إطلاق الذات على نفس الشيء وحقيقته ليس من كلام العرب " ([44]) .
قال ابن عطية : " وقوله : ] وأصلحوا ذات بينكم [ تصريح بأنه شجر بينهم اختلاف ومالت النفوس إلى التشاح وذات في هذا الموضع يراد بها نفس الشيء وحقيقته والذي يفهم من بينكم هو معنى يعم جميع الوصل والالتحامات والمودات وذات ذلك هي المأمور بإصلاحها أي نفسه وعينه فحض الله على إصلاح تلك الأجزاء فإذا صلحت تلك حصل إصلاح ما يعمها وهو البين الذي لهم وقد تستعمل لفظة الذات على أنها لزيمة ما تضاف إليه وإن لم تكن عينه ونفسه وذلك في قوله عليم بذات الصدور وذات الشوكة فإنها هاهنا مؤنثة قولهم الذئب مغبوط بذي بطنه وقول أبي بكر الصديق إنما هو ذو بطن بنت خارجة ويحتمل ذات البين أن تكون هذه وقد تقال الذات أيضا بمعنى آخر وإن كان يقرب من هذا وهو قولهم فعلت كذا ذات يوم ومنه قول الشاعر : لا ينبح الكلب فيها غير واحدة ** ذات العشاء ولا تسري أفاعيها
وذكر الطبري عن بعضهم أنه قال ذات بينكم الحال التي لبينكم كما ذات العشاء الساعة التي فيها العشاء قال القاضي أبو محمد ورجحه الطبري وهو قول بين الانتقاض وقال الزجاج البين ها هنا الوصل ومثله قوله لقد تقطع بينكم ، قال القاضي أبو محمد وفي هذا كله نظر وقوله وأطيعوا الله ورسوله لفظ عام وسببه الأمر بالوقوف عندما ينفذه رسول الله في الغنائم وقوله : ] إن كنتم مؤمنين [ أي كاملي الإيمان كما تقول لرجل إن كنت رجلا فافعل كذا أي إن كنت كامل الرجولة وجواب الشرط في قوله المتقدم وأطيعوا هذا عند سيبويه ومذهب أبي العباس أن الجواب محذوف متأخر يدل عليه المتقدم تقديره إن كنتم مؤمنين أطيعوا ومذهبه في هذا أن لا يتقدم الجواب الشرط " ([45]) .
قال أبو السعود : ] وأصلحوا ذات بينكم [ جعل ما بينهم من الحال لملابستها التامة لبينهم صاحبة له كما جعلت الأمور المضمرة في الصدور ذات الصدور أي أصلحوا ما بينكم من الأحوال بالمواساة والمساعدة فيما رزقكم الله تعالى وتفضل به عليكم وعن عبادة بن الصامت نزلت فينا معشر أصحاب بدر حين اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلافنا فنزعه الله تعالى من أيدينا فجعله لرسوله فقسمه بين المسلمين على السواء وكان في ذلك تقوى الله وطاعة رسوله وإصلاح ذات البين وعن عطاء كان الإصلاح بينهم أن دعاهم وقال اقسموا غنائمكم بالعدل فقالوا قد أكلنا وأنفقنا فقال ليرد بعضكم على بعض وأطيعوا الله ورسوله بتسليم أمره ونهيه وتوسيط الأمر بإصلاح ذات البين بين الأمر بالتقوى والأمر بالطاعة لإظهار كمال العناية بالإصلاح بحسب المقام وليندرج الأمر به بعينه تحت الأمر بالطاعة إن كنتم مؤمنين متعلق بالأوامر الثلاثة والجواب محذوف ثقة بدلالة المذكور عليه أو هو الجواب على الخلاف المشهور وأيا ما كان فالمقصود تحقيق المعلق بناء على تحقق المعلق به وفيه تنشيط للمخاطبين وحث لهم على المسارعة إلى الامتثال والمراد بالإيمان كماله أي إن كنتم كاملي الإيمان فإن كمال الإيمان يدور على هذه الخصال الثلاث طاعة الأوامر واتقاء المعاصي وإصلاح ذات البين بالعدل والإحسان " ([46]) .
قال الرازي : " في قوله وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ أي وأصلحوا ذات بينكم من الأقوال ولما كانت الأقوال واقعة في البين قيل لها ذات البين كما أن الأسرار لما كانت مضمرة في الصدور قيل لها ذات الصدور ثم قال وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ والمعنى أنه تعالى نهاهم عن مخالفة حكم الرسول بقوله فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ ثم أكد ذلك بأن أمرهم بطاعة الرسول بقوله وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ثم بالغ في هذا التأكيد فقال إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ والمراد أن الإيمان الذي دعاكم الرسول إليه ورغبتم فيه لا يتم حصوله إلا بالتزام هذه الطاعة فاحذروا الخروج عنها واحتج من قال ترك الطاعة يوجب زوال الإيمان بهذه الآية وتقريره أن المعلق بكلمة إن على الشيء عدم عند عدم ذلك الشيء وههنا الإيمان معلق على الطاعة بكلمة ءانٍ فيلزم عدم الإيمان عند عدم الطاعة وتمام هذه المسألة مذكور في قوله تعالى إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ النساء والله أعلم " ([47]) .
قال القرطبي : " قوله تعالى أو إصلاح بين الناس عام في الدماء والأموال والأعراض وفي كل شيء يقع التداعي والاختلاف فيه بين المسلمين وفي كل كلام يراد به وجه الله تعالى وفي الخبر كلام ابن آدم كله عليه لا له إلا ما كان من أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو ذكر لله تعالى فأما من طلب الرياء والترؤس فلا ينال الثواب وكتب عمر إلى أبي موسى الأشعري رد الخصوم حتى يصطلحوا فإن فصل القضاء يورث بينهم الضغائن " ([48]) .
قال الرازي : " الصلح إنما يحصل في شيء يكون حقاً له وحق المرأة على الزوج إما المهر أو النفقة أو القسم فهذه الثلاثة هي التي تقدر المرأة على طلبها من الزوج شاء أم أبى أما الوطء فليس كذلك لأن الزوج لا يجبر على الوطء إذا عرفت هذا فنقول هذا الصلح عبارة عما إذا بذلت المرأة كل الصداق أو بعضه للزوج أو أسقطت عنه مؤنة النفقة أو أسقطت عنه القسم وكان غرضها من ذلك أن لا يطلقها زوجها فإذا وقعت المصالحة على ذلك كان جائزاً ثم قال تعالى وَالصُّلْحُ خَيْرٌ الصلح مفرد دخل فيه حرف التعريف والمفرد الذي دخل فيه حرف التعريف هل يفيد العموم أم لا والذي نصرناه في أصول الفقه أنه لا يفيده وذكرنا الدلائل الكثيرة فيه وأما إذا قلنا إنه يفيد العموم فهاهنا بحث وهو أنه إذا حصل هناك معهود سابق فحمله على العموم أولى أم على المعهود السابق الأصح أن حمله على المعهود السابق أولى وذلك لأنا إنما حملناه على الاستغراق ضرورة أنا لو لم نقل ذلك لصار مجملاً ويخرج عن الإفادة فإذا حصل هناك معهود سابق اندفع هذا المحذور فوجب حمله عليه إذا عرفت هذه المقدمة فنقول من الناس من حمل قوله وَالصُّلْحُ خَيْرٌ على الاستغراق ومنهم من حمله على المعهود السابق يعني الصلح بين الزوجين خير من الفرقة والأولون تمسكوا به في مسألة أن الصلح على الإنكار جائز كما هو قول أبي حنيفة وأما نحن فقد بينا أن حمل هذا اللفظ على المعهود السابق أولى فاندفع استدلالهم .. قال تعالى وَإِن تُصْلِحُواْ بالعدل في القسم وَتَتَّقُواْ الجور فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً ما حصل في القلب من الميل إلى بعضهن دون البعض وقيل المعنى وإن تصلحوا ما مضى من ميلكم وتتداركوه بالتوبة وتتقوا في المستقبل عن مثله غفر الله لكم ذلك وهذا الوجه أولى لأن التفاوت في الميل القلبي لما كان خارجاً عن الوسع لم يكن فيه حاجة إلى المغفرة " ([49]) .
قال القرطبي : " السابعة قوله تعالى فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم أمر بالتقوى والإصلاح أي كونوا مجتمعين على أمر الله في الدعاء اللهم أصلح ذات البين أي الحال التي يقع بها الاجتماع فدل هذا على التصريح بأنه شجر بينهم اختلاف أو مالت النفوس إلى التشاح كما هو منصوص في الحديث وتقدم معنى التقوى أي اتقوا الله في أقوالكم وأفعالكم وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله في الغنائم ونحوها إن كنتم مؤمنين أي إن سبيل المؤمن أن يمتثل ما ذكرنا " ([50]) .
قال الرازي : المسألة الثامنة قوله وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا أي شقاقا بين الزوجين ثم إنه وإن لم يجر ذكرهما إلا أنه جرى ذكر ما يدل عليهما وهو الرجال والنساء ثم قال تعالى إِن يُرِيدَا إِصْلَاحاً يُوَفّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا وفيه مسألتان المسألة الأولى في قوله إِن يُرِيدَا وجوه الأول إن يرد الحكمان خيرا وإصلاحا يوفق الله بين الحكمين حتى يتفقا على ما هو خير الثاني أن يرد الحكمان إصلاحاً يوفق الله بين الزوجين الثالث إن يرد الزوجان إصلاحا يوفق الله بين الزوجين الرابع إن يرد الزوجان إصلاحا يوفق الله بين الحكمين حتى يعملا بالصلاح ولا شك أن اللفظ محتمل لكل هذه الوجوه ، المسألة الثانية أصل التوفيق الموافقة وهي المساواة في أمر من الأمور فالتوفيق اللطف الذي يتفق عنده فعل الطاعة والآية دالة على أنه لا يتم شيء من الأغراض والمقاصد إلا بتوفيق الله تعالى والمعنى أنه إن كانت نية الحكمين إصلاح ذات البين يوفق الله بين الزوجين ثم قال تعالى إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً والمراد منه الوعيد للزوجين وللحكمين في سلوك ما يخالف طريق الحق " ([51]) .
قال الرازي في قوله تعالى : " َأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فيه مسائل : المسألة الأولى هذا المصلح من هو الظاهر أنه هو الوصي الذي لا بد منه في الوصية وقد يدخل تحته الشاهد وقد يكون المراد منه من يتولى ذلك بعد موته من وال أو ولي أو وصي أو من يأمر بالمعروف فكل هؤلاء يدخلون تحت قوله تعالى فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ إذا ظهرت لهم أمارات الجنف والاسم في الوصية أو علموا ذلك فلا وجه للتخصيص في هذا الباب بل الوصي والشاهد أولى بالدخول تحت هذا التكليف وذلك لأن بهم تثبت الوصية فكان تعلقهم بها أشد ، المسألة الثانية لقائل أن يقول الضمير في قوله فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ لا بد وأن يكون عائداً إلى مذكور سابق فما ذلك المذكور السابق وجوابه أن لا شبهة أن المراد بين أهل الوصايا لأن قوله مِن مُّوصٍ دل على من له الوصية فصار كأنهم ذكروا فصلح أن يقول تعالى : فأصلح بينهم كأنه قال فأصلح بين أهل الوصية وقال القائلون المراد فأصلح بين أهل الوصية والميراث وذلك هو أن يزيد الموصي في الوصية على قدر الثلث فالمصلح يصلح بين أهل الوصايا والورثة في ذلك وهذا القول ضعيف من وجوه أحدها أن لفظ الموصي إنما يدل على أهل الوصية لا على الورثة وثانيها أن الجنف والإثم لا يدخل في أن يوصي بأكثر من الثلث لأن ذلك لما لم يجز إلا بالرضا صار ذكره كلا ذكر ولا يحتاج في إبطاله إلى إصلاح لأنه ظاهر البطلان ، المسألة الثالثة في بيان كيفية هذا الإصلاح وههنا بحثان : البحث الأول في بيان كيفية هذا الإصلاح قبل أن صارت هذه الآية منسوخة فنقول بينا أن ذلك الجنف والإثم كان إما بزيادة أو نقصان أو بعدول فإصلاحها إنما يكون بإزالة هذه الأمور الثلاثة ورد كل حق إلى مستحقه ، البحث الثاني في كيفية هذا الإصلاح بعد أن صارت هذه الآية المنسوخة فنقول الجنف والإثم ههنا يقع على وجوه منها أن يظهر من المريض ما يدل على أنه يحاول منع وصول المال إلى الوارث إما بذكر إقرار أو بالتزام عقد فههنا يمنع منه ومنها أن يوصي بأكثر من الثلث ومنها أن يوصي للأباعد وفي الأقارب شدة حاجة ومنها أن يوصي مع قلة المال وكثرة العيال إلى غير ذلك من الوجوه أما قوله تعالى فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ففيه مسألتان : المسألة الأولى لقائل أن يقول هذا المصلح قد أتي بطاعة عظيمة في هذا الإصلاح وهو يستحق الثواب عليه فكيف يليق به أن يقال فلا إثم عليه وجوابه من وجوه الأول أنه تعالى لما ذكر إثم المبدل في أول الآية وهذا أيضاً من التبديل بين مخالفته للأول وأنه لا إثم عليه لأنه رد الوصية إلى العدل والثاني لما كان المصلح ينقص الوصايا وذلك يصعب على الموصي له ويوهم فيه إثماً أزال الشبهة وقال فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ والثالث بين أن بالوصية والإشهاد لا يتحتم ذلك وأنه متى غير إلى الحق وإن كان خالف الوصية فلا إثم عليه وإن حصل فيه مخالفة لوصية الموصي وصرف لماله عمن أحب إلى من كره لأن ذلك يوهم القبح فبين الله أن ذلك حسن لقوله فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ والرابع أن الإصلاح بين الجماعة يحتاج فيه إلى الإكثار من القول ويخاف فيه أن يتخلله بعض ما لا ينبغي من القول والفعل فبين تعالى أنه لا إثم على المصلح في هذا الجنس إذا كان قصده في الإصلاح جميلاً ، المسألة الثانية دلت هذه الآية على جواز الصلح بين المتنازعين إذا خاف من يريد الصلح إفضاء تلك المنازعة إلى أمر محذور في الشرع .. وهذا الإصلاح فهو من جملة الطاعات فكيف به هذا الكلام وجوابه من وجوه أحدها أن هذا من باب تنبيه الأدنى على الأعلى كأنه قال أنا الذي أغفر الذنوب ثم أرحم المذنب فبأن أوصل رحمتي وثوابي إليك مع أنك تحملت المحن الكثيرة في إصلاح هذا المهم كان أولى وثانيها يحتمل أن يكون المراد أن ذلك الموصي الذي أقدم على الجنف والإثم متى أصلحت وصيته فإن الله غفور رحيم يغفر له ويرجحه بفضله وثالثها أن المصلح ربما احتاج في إيتاء الإصلاح إلى أقوال وأفعال كان الأولى تركها فإذا علم تعالى منه أن غرضه ليس إلا الإصلاح فإنه لا يؤاخذه بها لأنه غفور رحيم " ([52]) .
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي : " وقوله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل هذا أمر بالصلح وبالعدل في الصلح فإن الصلح قد يوجد ولكن لا يكون بالعدل بل بالظلم والحيف على أحد الخصمين فهذا ليس هو الصلح المأمور به فيجب أن لا يراعى أحدهما لقرابة أو وطن أو غير ذلك من المقاصد والأغراض التي توجب العدول عن العدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين أي العادلين في حكمهم بين الناس وفي جميع الولايات التي تولوها حتى إنه قد يدخل في ذلك عدل الرجل في أهله وعياله في أداء حقوقهم وفي الحديث الصحيح المقسطون عند الله على منابر من نور الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا إنما المؤمنون إخوة هذا عقد عقده الله بين المؤمنين أنه إذا وجد من أي شخص كان في مشرق الأرض ومغربها الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فإنه أخ للمؤمنين أخوة توجب أن يحب له المؤمنون ما يحبون لأنفسهم ويكرهوا له ما يكرهون لأنفسهم ولهذا قال النبي آمرا بالأخوة الإيمانية لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يكذبه متفق عليه وفيهما عن النبي المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضهم بعضا وشبك بين أصابعه ولقد أمر الله ورسوله بالقيام بحقوق المؤمنين بعضهم لبعض ومما يحصل به التآلف والتوادد والتواصل بينهم كل هذا تأييد لحقوق بعضهم على بعض فمن ذلك إذا وقع الاقتتال بينهم الموحب لتفرق القلوب وتباغضها وتدابرها فليصلح المؤمنون بين إخوانهم وليسعوا فيما به يزول شنآنهم ثم أمر بالتقوى عموما ورتب على القيام بالتقوى ويحقوق المؤمنين الرحمة فقال لعلكم ترحمون وإذا حصلت الرحمة حصل خير الدنيا والآخرة ودل ذلك على أن عدم القيام بحقوق المؤمنين من أعظم حواجب الرحمة وفي هاتين الآيتين من الفوائد غير ما تقدم أن الاقتتال بين المؤمنين مناف للأخوة الإيمانية ولهذا كان من أكبر الكبائر وأن الإيمان والأخوة الإيمانية لا يزولان مع وجود الاقتتال كغيره من الذنوب الكبائر التي دون الشرك وعلى ذلك مذهب أهل السنة والجماعة وعلى وجوب الإصلاح بين المؤمنين بالعدل وعلى وجوب قتال البغاة حتى يرجعوا إلى أمر الله وعلى أنهم لو رجعوا لغير أمر الله بأن رجعوا على وجه لا يجوز الإقرار عليه والتزامه أنه لا يجوز ذلك وأن أموالهم معصومة لأن الله أباح دماءهم وقت استمرارهم على بغيهم خاصة دون أموالهم " ([53]) .
كتبه وجمعه أبو عبد الله محمد بن محمد المصطفى الأنصاري المدينة النبوية


([1]) سورة آل عمران : آية 102 .

([2]) سورة النساء : آية 1 .

([3]) سورة الأحزاب : آيتا 70 – 71 .

([4]) لسان العرب لابن منظور 2 / 516- 517 .

([5]) مختار الصحاح للرازي ص154.

([6]) التعريفات للجرجاني رقم ( 877 ) ص176.

([7]) التعاريف للمناوي ص460.



([8]) أخرجه أحمد رقم ( 27548 ) 6 / 444، وأبو داود رقم ( 4919 ) 4 / 280 ، والترمذي رقم (2509 ) 4 / 663 وصححه ، وابن حبان رقم ( 5092 ) 11 / 489 ، والهيثمي في موارد الظمئان رقم ( 1982 ) 1 / 486 ، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود رقم ( 4919 ) 4 / 280 .

([9]) أخرجه الترمذي رقم (2508 ) 4 / 663 وصححه ، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي رقم (2508 ) 4 / 663 .

([10]) أخرجه مالك في الموطإ رقم ( 1608 ) 2 / 904 ، وأخرجه الدارقطني في الأحاديث التي خولف فيها مالك بن أنس عن سعيد بن المسيب عن النبي مرسلاً رقم ( 36 ) ص93.

([11]) أخرجه البخاري رقم (2548 ) 2 / 958 .

([12]) أخرجه الترمذي رقم (2509 ) 4 / 663 ، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي رقم (2509 ) 4 / 663 .

([13]) أخرجه الترمذي رقم (2510 ) 4 / 664 ، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي رقم (2510 ) 4 / 664 ، وفي صحيح الترغيب رقم ( 2888 ) .

([14]) أخرجه القضاعي في مسند الشهاب رقم ( 1280 – 1281 ) 2 / 244 ، والبيهقي في شعب الإيمان رقم ( 11092 ) 7 / 490 ، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم ( 3639 ) 6 / 289 ، وفي صحيح الترغيب والترهيب رقم ( 2817 ) .

([15]) أخرجه أبو يعلى رقم ( 6584 ) 11 / 462، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم ( 2733) 6 / 524 .

([16]) أخرجه ابن ماجه رقم ( 2353 ) 2 / 788 ، والترمذي رقم ( 1352 ) 3 / 634 ، وأخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة رقم ( 3594) 3 / 304 ، وابن حبان رقم ( 5091 ) 11 / 488، والهيثمي في موارد الظمآن رقم ( 1199 ) 1 / 291 ، والبيهقي في معرفة السنن والآثار رقم ( 3658 ) 4 / 467 من حديث عمر موقوفاً ومن حديث أبي موسى الأشعري مرفوعاً رقم ( 3659 ) قال : وروي ذلك في حديث الوليد بن رباح عن أبي هريرة عن النبي وفي حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده ، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود رقم ( 3594) 3 / 304 ، وفي صحيح سنن الترمذي و رقم ( 1352 ) 3 / 634 ، وفي صحيح سنن ابن ماجه رقم ( 2353 ) 2 / 788 .

([17]) أخرجه البخاري رقم ( 2546 ) 2 / 958، ومسلم رقم ( 2605 ) 4 / 2011 .

([18]) أخرجه البخاري رقم ( 2559 ) 2 / 963 ، ومسلم رقم ( 1558 ) 3 / 1192.

([19]) أخرجه أبو داود رقم ( 4920 ) 4 / 280 ، وأحمد رقم ( 27312 – 27314 ) 6 / 403 ، ورقم ( 27318 ) 6 / 404 ، وعبد الرزاق في المصنف رقم ( 20196 ) 11 / 158، والطيالسي رقم ( 1656 ) ص 230 ، وعبد بن حميد رقم ( 1592 ) ص 461 ، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود رقم ( 4920 ) 4 / 280 .

([20]) أخرجه البخاري رقم ( 2551 ) 2 / 959 ، ومسلم رقم ( 1784 ) 3 / 1409 .

([21]) أخرجه البخاري رقم ( 2560 ) 2 / 964.

([22]) أخرجه الترمذي رقم ( 1939 ) 4 / 331 ، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي رقم ( 1939 ) 4 / 331 ، وحسنه في صحيح الجامع رقم ( 7723 ) .

([23]) أخرجه أبو داود رقم ( 4921 ) 4 / 281 ، والترمذي رقم ( 1938 ) 4 / 331 وصححه ، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود رقم ( 4921 ) 4 / 281 ، وفي صحيح سنن الترمذي رقم ( 1938 ) 4 / 331 ، وفي صحيح الجامع رقم ( 5203 ) ، ورقم ( 7170 ) ، وفي صحيح الترغيب والترهيب رقم ( 2815 ) .





([24]) أخرجه البخاري رقم ( 2544 ) 2 / 957 ، ورقم ( 1160 ) 1 / 407 ، ورقم ( 1177 ) 1 / 414 ، ورقم ( 6767 ) 6 / 2629 ، ومسلم رقم ( 421 ) 1 / 316 .

([25])أخرجه البخاري رقم ( 2545 ) 2 / 958 ، ومسلم رقم ( 1799 ) 3 / 1424 .

([26]) أخرجه البخاري رقم ( 2557 ) 2 / 962، ورقم ( 3430 ) 3 / 1328 ، ورقم ( 3536 ) 3 / 1369 ، ورقم ( 6692 ) 6 / 2602 ، وأحمد رقم ( 20517 ) 5 / 49 ، وأبو داود رقم ( 4662 ) 4 / 216 ، والنسائي في الكبرى رقم ( 1717 ) 1 / 531 ، ورقم ( 8166 ) 5 / 49 ، وفي الصغرى رقم ( 1410 ) 3 / 107 ، والترمذي رقم ( 3773 ) 5 / 658 .

([27]) أخرجه البخاري رقم ( 2547 ) 2 / 958 .

([28]) أخرجه عبد بن حميد رقم ( 232 ) ص105، والطيالسي رقم ( 598 ) ص81 ، والطبراني الكبير رقم ( 7999 ) 8 / 257 ، ورقم (3922 ) 4 / 138، والبيهقي في شعب الإيمان رقم ( 11093 – 11094 ) 7 / 490 ، وابن حجر في المطالب العالية رقم ( 1462 ) 7 / 398 ، ورقم ( 2641 ) 11 / 646 وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 8 / 79 وقال : رواه الطبراني وفيه ابن عبيدة وهو متروك ، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم ( 2644 ) 6 / 298 ، وحسنه في صحيح الترغيب والترهيب رقم ( 2820 ) .

([29]) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 8 / 80 وقال : رواه البزار وفيه عبد الرحمن بن عبد الله العمري وهو متروك ، و حسنه الألباني في صحيح الترغيب رقم ( 2818 ) .

([30]) أخرجه ابن حبان في صحيحه رقم ( 5093 ) 11 / 490 ، والطبري في التفسير 9 / 171 ، والبيهقي في السنن الكبرى رقم ( 12597 ) 6 / 315 .

([31]) أخرجه ابن حجر في المطالب العالية رقم ( 1463 ) 7 / 399 وقال : هذا حديث موضوع .

([32]) تفسير القرطبي 5 / 385 .

([33]) تفسير القرطبي 5 / 385 .

([34]) أخرجه عبد الرزاق في المصنف رقم ( 15305 ) 8 / 304 ، وذكره وكيع في أخبار القضاة 1 / 75 .

([35]) أخرجه وكيع في أخبار القضاة 2 / 309 .

([36]) أخرجه وكيع في أخبار القضاة 2 / 9.

([37]) أخرجه وكيع في أخبار القضاة 1 / 74.

([38]) صحيح مسلم رقم ( 2605 ) 4 / 2011 .

([39]) نزهة الأعين النواظر لابن الجوزي ص396- 398 .

([40]) أضواء البيان للشنقيطي 1 / 306 – 307 .


([41]) تفسير القرطبي 5 / 406.

([42]) أحكام القرآن لابن العربي 1 / 105.

([43]) التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي 1 / 159 .

([44]) التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي 2 / 60.

([45]) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 2 / 500 .

([46]) تفسير أبي السعود 4 / 3 – 4 .


([47]) التفسير الكبير للرازي 15 / 94 – 95 .

([48]) تفسير القرطبي 5 / 384 .

([49]) التفسير الكبير للرازي 11 / 53 ، 55 .

([50]) تفسير القرطبي 7 / 364 .


([51]) التفسير الكبير للرازي 10 / 76 .


([52]) التفسير الكبير للرازي 5 / 57 - 59 .


([53]) تفسير السعدي 1/ 800 – 801 .