هذا نص مقتطع من دراسة محورية في مجلة التأويل ، العدد الأول تحت عنوان : التأويل وآفاق المعرفة القرآنية . للدكتور محمد المنتار رئيس مركز الدراسات القرآنية بالرابطة المحمدية للعلماء .
وقد اختلفوا في جذر كلمة (التفسير) على ثلاثة أقوال ، فمنهم من قال أصلها من الفسر : الإبانة ، ومنهم من قال أصلها من السفر ؛ فهو مقلوب جذره ، والسفر : الوضوح ، ومنهم من ذهب إلى أنه من التفسرة أي الماء القليل الذي يُستدل به على المرض .
كما اختلفوا في اصطلاحه ؛ فقالوا فيه أقوالا لا يتَّسع المقام لعرضها ، بيد أنها تتجمع في أنه " الكشف عن مراد النص بقدر الطاقة البشرية " ورادف بعضهم بينه وبين التأويل ، تبعا للقول الأشهر في المعاجم اللغوية ، حيث قال صاحب القاموس وغيره ذلك القول ، وتابعه عليه عدد من الدارسين ، ويشيع هذا المعنى عند المتقدمين كالطبري ومجاهد .
والناظر في التعريفات المتداولة لمفهومي التفسير والتأويل عند كل من المفسرين وعلماء القرآن ، سيجد نفسه أما طائفة متنوعة من التعريفات تتسم أحيانا بالتداخل فيما بينها ، وسيجد صعوبة في تبين الحدود والفواصل المعيِّنة لمجال اشتغال المفهومين المدروسين في أحيان أخرى ؛ فتارة يُعرف التفسير عند البعض بما يُعرف به التأويل عند البعض الآخر ، وتارة يحصل عكس ذلك .
وإذا كان لفظ التفسير الذي ورد في القرآن مرة واحدة ، في الاصطلاح هو إزاحة المعنى المبهم عن النص ، وإفادة المعنى المقصود ، وما يتعلق بالجوانب العامة التي تدور خارج النص ، من علم نزول الآية وسورتها وأقاصيصها ، والإشارات النازلة فيها ، ثم ترتيب مكِّيها ومدنيِّها ، ومحكمها ومتشابهها ، وناسخها ومنسوخها ، وخاصها وعامها ، ومطلقها ومقيدها ومجملها ومفسرها ، فإن التأويل الذي ورد في القرآن الكريم سبع عشرة مرة مختلف في الحقيقة عن التفسير ؛ وقد انتبه إلى هذا المعطى ثلة من العلماء ، من أقدمهم الحارث بن أسد المحاسبي (ت:243 ه) الذي طرح المشكلة بشكل متكامل في رسالتين ؛ الأولى "العقل وحقيقة معناه واختلاف الناس فيه " ، والأخرى "فهم القرآن" . حيث نبه المحاسبي إلى أمور : " أولها : أن مفرد التأويل الذي يردُ في القرآن مختلف في الحقيقة عن التفسير ، وهو يتناول المنظور العام للقرآن . والأمر الثاني أن النهج التأويلي يتطلب تعقلا للنص يقوم على ثلاثة خطوات : التفسير ، والجماعة العاقلة أو المتعقلة ، والقارئ . وهذه العمليات الثلاثة المترابطة يسميها المحاسبي : (العقل عن الله) "
ونقل السيوطي عن أبي نصر القشيري قوله : " التفسير مقصور على السماع والاتباع ، والتأويل مقصور على الاستنباط ؛ فالتأويل ما استنبطه العلماء من معاني الخطاب من خلال ما وضح وظهر من جهود المفسرين للنص " ، ووجهة النظر هذه تؤيد كون التعامل مع النص يجتاز مراحل ثلاث : مرحلة فهم النص ثم تفسير النص ثم التطبيق .
... وحسبنا دليلا على معضلة تباين القدماء والمحدثين في قضية التفسير والتأويل الإحساس الذي صاحب كثيرا من مفسري القرآن الكريم من القدماء والمحدثين في الإقرار بصعوبة مسلك التفرقة ولطف مأخذها ؛ وهذا ما عبَّر عنه السيوطي في معرض حديثه عن بُعد ملتمس التمييز بين التفسير والتأويل بقوله : " قد نبغ في زماننا مفسرون لو سئلوا عن الفرق بين التفسير والتأويل ما اهتدوا إليه "
يُفهم من كلام السيوطي أن التفرقة بين التفسير والتأويل تلزمها مُكنة معرفية ، وعُدة تفسيرية تتجاوز حدود الجاهز في التفسير ؛ وتتخطى عتبة القراءة السطحية للنص القرآني التي تكتفي بالإبلاغ والإخبار إلى معايشة علمية ، ومخالطة فكرية وروحية ؛ وهو ما أشار إليه محمد حسين الذهبي بقوله : " وكأن التفرقة بين التفسير والتأويل أمر معطل استعصى حله على كثير من الناس إلا من سعى بين يديه شعاع من نور الهداية والتوفيق "
ولا يخفى أن الانحراف المعرفي الذي وقع عند بعض الطوائف المذهبية والدينية كالمعتزلة والروافض ، والخوارج والمشبهة وغلاة الشيعة والمتصوفة في استنطاقها للنصوص القرآنية – وتسبب في انفراط عقد الأمة – مرده إلى بعض التأويلات النافرة والتمحلات البعيدة المستكرهة التي لم تلتزم بجوهر التفرقة بين التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي ؛ ووضعهما في الإطار المعرفي الصحيح الذي يراعي مقتضيات المنهجية العلمية في المقاربة .
من هنا يمكننا القول : إن مكمن إشكالية التأويل في التراث العربي الإسلامي يُعزى أساسا إلى القراءة الموجهة المغرضة التي تتوسل بأدوات غير منهجية ؛ تطمح إلى افتعال هذا التعارض المتوهم بين النقل والعقل ؛ ومن الغريب الواقع أن تتكلف بعض الطوائف المذهبية في تعميق الهوة بين التفسير والتأويل ؛ بيد أن النظرة التكاملية لمعضلة النقل والعقل هي التي تُفضي إلى القراءة التأويلية الواعية والمنضبطة ؛ وهذا ما أومأ إليه أبو حامد الغزالي قائلا : " بين المعقول والمنقول تصادم في أول النظر وظاهر الفكر ، والخائضون فيه تحزبوا إلى مفرط بتجريد النظر إلى المنقول ، وإلى مفرط بتجريد النظر إلى المعقول ، وإلى متوسط طمع في الجمع والتلفيق "