إن الإستراتيجية الأولى والأكثر مكراً والأهم في منهجية (تمييع الدين ) التي ينتهجهها المضللون هي (تحييد النصوص المقدسة في الإسلام )، وهي بعينها الحديث عن مفهومهم للثابت والمتحول في التعامل مع نصوص الدين الإسلامي.
أو بعبارةٍ أخرى الحديث عن حدود (المحكم) و(المتشابه) في مستويات الفهم المتباينة للنصوص المقدسة.
وبصورةٍ أوضح فإن الاتكاء على 1- توسيع دائرة المتشابه في الدين الإسلامي.
2- رد المتشابه إلى التشابه والاستشكال لا إلى المحكم من دين الله تعالى؛ مثل هذا الاتكاء يجعل أكثر الإسلام ( مشكل، ومتعدد بالنسبة الفهوم، وحمال لأوجه حتى درجة التناقض)، ثم يجعلون من ذلك الاستشكال وسيلة لإعمال ( التأويل)، وتوسيع دوائره حتى تتسع للمتناقضات أحياناً، ومن ثَمَّ يفقد النص فاعليته ووجوده الواقعي في ركام من التأويلات التي يحتملها النص – بزعمهم- وحين لا يكون تأويل أكثر إلزاماً من تأويلٍ آخر فإن درجة الحجية بين التأويلات تتساوى، وهنا ربما يكون مقصود النص الرباني شيئاً وضده في ذات الوقت- تعالى الله عما يقولون- فيكون العمل بالشئ وضده في كلتا الحالين دين لا يسع أحد أن ينكره.
وبمثل تلك الطريقة يتوه دين الله تعالى في تأويل المتأولين تحت دعاوى أن الدين للجميع وأن الفهم في دين الله – بأى طريقةٍ ولو كانت من باب الضلال- حقٌ للجميع، فالجميع محقون في فهومهم- أياً تكون- لنصوص الدين. والحق ليس عند أحدٍ بعينه.
هذا هو بعينه الطريقة الخبيثة التي يدشنها من يتحدثون عن (إنسانية الدين) أو (أنسنة الدين)- أيا كان الاصطلاح المتعالم هنا- بمعنى أن الدين بنصوصه من الكتاب والسنة ثابت (= ستاتيكي كما يصطلحون static )، ولكن فهومنا هي المتحركة (= الديناميكيةdynamic )، فإن الذي يصنع التطبيق الفعلي لنصوص الدين على أرض الواقع هو فهمنا لتلك النصوص. وإلى هنا الكلام حق؛ ولكن يُراد به باطل. لماذا؟
لأن الحديث هنا ليس عن فهمٍ صحيح منضبط للنصوص هو الحق أو أقرب مع الاجتهاد المخلص؛ في مقابل فهومٍ يكتنفها الخطأ أو الخبث لنصوص الدين.
فإن من المسلمات البدهية أن الحق- في حين كونه حقا- لا يتعدد في ماهيته، وإلا بطل الحديث عن الدين أصلاً الذي هو في أصل معناه اعتقاد للحق وعمل به.
ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (62) [الحج: 62] فالحق واحد، والنور واحد ، والباطل يتعدد، والظلمات كثيرة. قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (35) وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (36) وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (37) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (38) بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (39) وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (40) وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (41) [يونس: 35 - 41].
هكذا كل جاحد يتبعون ما يظنونه صحيحا غير متيقنين ولا باحثين عن الحق، بل هم- في حين يدَّعون العقلانية والسفسطة الفارغة- أول الناس انقيادا لرؤوسهم الضلَّال ينتصرون لآراءٍ سقيمة لمجرد أنها تمنحهم رونقاً كاذباً من التعالم والتثاقف الممزوج بزئبقيةٍ في الفهم، وميوعة في التفسير، وتسلطٍ بغيضٍ في التأويل.
وما ادعاء البحث عن الحريات والدفاع عن العقل والمنطق والبرهان إلا شعار كاذب يزينون به تفاهاتهم الفكرية. ومَن يشكك في كلامي هذا فلينظر كيف أنهم -الآن – يحاولون تأييد أفكارهم بالصوت المرتفع، والتهكم على العلماء الأجلاء وحروبهم الكلامية معهم بغير الحديث المتصل ابتداءاً عن برهان صحيح، وإنما هو تلاعب بالألفاظ الموهِمة، والاتهامات المرسَلة بغير أدلةٍ، ورشق الخصم بكل رذيلةٍ، وعدم السماح بمناقشة أدلة وبراهين الخصوم.
وما ذلك إلا لأن القوم لا يملكون من الحجج والبراهين إلا كقصور الرمال على شاطئ بحرٍ شديد المد.
وإذا أردت أن تدرك ما يفعل أولئك المتمسحين بالتسامح والعقلانية والدفاع عن رحمة الله بالبشر فإقرأ ما فعله أسلافهم ( المعتزلة) حين تمكنوا من الوصول إلى بلاط الخلافة في عهد الدولة العباسية ( تحديداً في عهد المأمون والمعتصم)، وأرادوا فرض أفكارهم ( التنويرية التحررية !!) بكل قوةٍ وبطشٍ تخيله إنسان حتى إنهم كانوا يعذبون مخالفيهم ويهددونهم في النفس والمال والولد، ولقد قتل في هذه الفتنة ( التنويرية!!) آلاف من علماء المسلمين الأفذاذ، وعُذب فيها وسجن إمام المسلمين أحمد بن حنبل.
وما ذلك إلا من أجل فرض سفسطة فلسفية فارغة عن كلام الله تعالى هل مخلوق أم غير مخلوق (!!). هذه الهرطقة لا تمس من قريب أو بعيد ما يطلبه المسلم العادي من فهم لدين الله تعالى والعمل به. ولو عرضت تلك السفسطة التي قُتل وعُذب فيها الكثيرون على أستاذ جامعي اليوم ما فهم من أبعادها الكثير.
ذلك هو التنوير، والتحرر الفكري، ورفض التراث العفن – كما يردد أولئك الفاسدون- على حقيقته المقذذة التي يأباها ذوق وفطرة وعقل كل مسلم جميل بسيط في تلقيه عن الله ورسوله.
يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (33) [التوبة: 32، 33]