النصوص الواردة في الاعتداء في الدعاء وأقوال العلماء في ذلك
وعن أبي نعامة عن بن لسعد أنه قال سمعني أبي وأنا أقول اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها وبهجتها وكذا وكذا وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها وكذا وكذا فقال يا بني إني سمعت رسول الله يقول سيكون قوم يعتدون في الدعاء فإياك أن تكون منهم إن أعطيت الجنة أعطيتها وما فيها وإن أعذت من النار أعذت منها وما فيها من الشر .
أخرجه أبو داود رقم ( 1480 ) 2 / 77 ، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود رقم ( 1480 ) 2 / 77
وعن أبي العلاء قال سمع عبد الله بن المغفل ابناً له وهو يقول : اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة قال يا بني إذا سألت فاسأل الله الجنة وتعوذ به من النار فإني سمعت رسول الله يقول يكون في آخر الزمان قوم يعتدون في الدعاء والطهور .
أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة ، باب الإسراف في الماء رقم ( 96 ) 1 / 24 ، وابن ماجه في كتاب الدعاء ، باب كراهية الاعتداء في الدعاء رقم ( 3864 ) 2 / 1271 ، وأحمد في المسند رقم ( 16847 ) 4 / 87 ، ورقم ( 20573 ) 5 / 55 ، وعبد بن حميد رقم ( 500 ) 1 / 180، وابن حبان في صحيحه رقم ( 6763 ) 15 / 166 ، وابن أبي شيبة رقم ( 29410 – 29411 ) 6 / 53 ، والحاكم في المستدرك رقم ( 579 ) 1 / 267 ، ورقم ( 1979 ) 1 / 724 وقال : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، والبيهقي في السنن الكبرى رقم ( 900 ) 1 / 196، والروياني رقم ( 897 ) 2 / 98 ، والهيثمي في موارد الظمآن رقم ( 171 ) 1 / 70 ، وحسنه ابن كثير في التفسير 2 / 223 ، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود رقم ( 96 ) 1 / 24 ، وفي صحيح الجامع رقم ( 2396 ) .
وعن أبي وقاص عن ابن لسعد انه كان يصلي فكان يقول في دعائه : اللهم إني أسألك الجنة وأسألك من نعيمها وبهجتها وإستبرقها ومن كذا ومن كذا ومن كذا ومن كذا وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها ومن كذا ومن كذا قال فسكت عنه سعد فلما صلى قال له سعد تعوذت من شر عظيم وسألت نعيما عظيما أو قال طويلاً شعبة شك قال رسول الله انه سيكون قوم يعتدون في الدعاء وقرأ ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين قال شعبة لا أدري قوله ادعوا ربكم تضرعاً وخفية هذا من قول سعد أو قول النبي وقال له سعد قل اللهم أسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل.
أخرجه أحمد في المسند رقم ( 1584 ) 1 / 183 ، ورقم ( 1483 ) 1 / 172 ، والطيالسي رقم ( 200 ) ص28 ، وأبو يعلى رقم ( 715 ) 2 / 71 .
قال ابن تيمية : الاعتداء مجاوزة الحد فهذا مجاوز للحد في العبادة المشروعة كالعدوان في الدعاء في قوله ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين وقال النبى سيكون قوم يعتدون في الدعاء والطهور فالاعتداء في العبادات وفى الورع كالذين تحرجوا من أشياء ترخص فيها النبى وفى الزهد كالذين حرموا الطيبات وهذان القسمان ترك فقوله ولا تعتدوا إما أن يكون مختصاً بجانب الأفعال العبادية وإما أن يكون العدوان يشمل العدوان في العبادة والتحريم وهذان النوعان هما اللذان ذم الله المشركين بهما في غير موضع حيث عبدوا عبادة لم يأذن الله بها 2 وحرموا ما لم يأذن الله به فقوله لا تحرموا ولا تعتدوا يتناول القسمين والعدوان هنا كالعدوان في قوله ولا تعاونوا على الإثم والعدوان اما أن يكون اعم من الاثم وأما أن يكون نوعاً آخر وأما أن يكون العدوان في مجاوزة حدود المأمورات واجبها ومستحبها ومجاوزة حد المباح وإما أن يكون في ذلك مجاوزة حد التحريم أيضا فإنها ثلاثة أمور مأمور به ومنهي عنه ومباح .
مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية 14 / 449 – 450
وقال أيضاً : الاعتداء في الدعاء تارة بأن يسأل ما لا يجوز له سؤاله من المعونة على المحرمات وتارة يسأل ما لا يفعله الله مثل أن يسأل تخليده إلى يوم القيامة أو يسأله أن يرفع عنه لوازم البشرية من الحاجة إلى الطعام والشراب ويسأله بأن يطلعه على غيبه أو أن يجعله من المعصومين أو يهب له ولدا من غير زوجة ونحو ذلك مما سؤاله إعتداء لا يحبه الله ولا يحب سائله وفسر الإعتداء برفع الصوت أيضا فى الدعاء وبعد فالآية أعم من ذلك كله وإن كان الإعتداء بالدعاء مراداً
والله لا يحب المعتدين في كل شيء دعاء كان أو غيره كما قال تعالى ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين وعلى هذا فيكون أمر بدعائه وعبادته وأخبر أنه لا يحب أهل العدوان وهو يدعون معه غيره فهؤلاء أعظم المعتدين عدواناً فإن أعظم العدوان الشرك وهو وضع العبادة فى غير موضعها فهذا العدوان لابد أن يكون داخلا فى قوله تعالى إنه لايحب المعتدين ومن العدوان أن يدعوه غير متضرع بل دعاء هذا كالمستغنى المدلى على ربه وهذا من أعظم الإعتداء لمنافاته لدعاء الذليل فمن لم يسأل مسأ لة مسكين متضرع خائف فهو معتد ومن الإعتداء أن يعبده بما لم يشرع ويثنى عليه بما لم يثن به على نفسه ولا أذن فيه فإن هذا اعتداء في دعائه الثناء والعبادة وهو نظير الإعتداء فى دعاء المسألة والطلب وعلى هذا فتكون الآية دالة على شيئين أحدهما محبوب للرب سبحانه وهو الدعاء تضرعا وخفية الثانى مكروه له مسخوط وهو الإعتداء فأمر بما يحبه وندب إليه وحذر مما يبغضه وزجر عنه بما هو أبلغ طرق الزجر والتحذير وهو لا يحب فاعله ومن لا يحبه الله فأي خير يناله وقوله تعالى إنه لا يحب المعتدين عقيب قوله ادعوا ربكم تضرعا وخفية دليل عل أن من لم يدعه تضرعا وخفية فهو من المعتدين الذين لا يحبهم فقسمت الآية الناس إلى قسمين داع لله تضرعا وخفية ومعتد بترك ذلك .
مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية 15 / 22 – 24.
وقال أيضاً : الدعاء ليس كله جائزا بل فيه عدوان محرم والمشروع لا عدوان فيه وأن العدوان يكون تارة في كثرة الألفاظ وتارة في المعانى كما قد فسر أحد الصحابة ذلك إذ قال هذا لابنه لما قال اللهم أنى أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها وقال الأخر أسالك الجنة وقصورها وأنهارها واعوذ بك من النار وسلاسلها واغلالها فقال أى بنى سل الله الجنة وتعوذ به من النار فقد سمعت رسول الله يقول سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الدعاء والطهور والإعتداء يكون في العبادة وفى الزهد وقول أحمد بما جاء في الخبر حسن فإن اللام في الدعاء للدعاء الذى يحبه الله ليس لجنس الدعاء فإن من الدعاء ما يحرم .
مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية 22 / 474.
وقال ابن القيم : أنواع الاعتداء في الدعاء وعلى هذا فالاعتداء بالدعاء تارة بأن يسأل ما لا يجوز له سؤاله من الإعانة على المحرمات وتارة بأن يسأل ما لا يفعله الله مثل أن يساله تخليده إلى يوم القيامة أو يسأله أن يرفع عنه لوازم البشرية من الحاجة إلى الطعام والشراب أو يسأله أن يطلعه على غيبه أو يساله أن يجعله من المعصومين أو يسأله أن يهب له ولدا من غير زوجة ولا أمة ونحو ذلك مما سؤاله اعتداء فكل سؤال يناقض حكمه الله أو يتضمن مناقضة شرعه وأمره أو يتضمن خلاف ما أخبر به فهو اعتداء لا يحبه الله ولا يحب سائله وفسر الاعتداء برفع الصوت أيضا في الدعاء قال ابن جريح من الاعتداء رفع الصوت في الدعاء والنداء في الدعاء والصياح وبعد فالآية أعم من ذلك كله وإن كان الاعتداء في الدعاء مرادا بها فهو من جملة المراد والله لا يحب المعتدين في كل شيء دعاء كان أو غيره كما قال ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين وعلى هذا فيكون قد أمر بدعائه وعبادته وأخبر أنه لا يحب أهل العدوان وهم الذين يدعون معه غيره فهؤلاء أعظم المعتدين عدوانا فإن أعظم العدوان الشرك وهو وضع العبادة في غير موضعها فهذا العدوان لا بد أن يكون داخلا في قوله أنه لا يحب المعتدين ومن العدوان أن يدعوه غير متضرع بل دعاء مدل كالمستغني بما عنده المدل على ربه به وهذا من أعظم الاعتداء المنافي لدعاء الضارع الذليل الفقير المسكين من كل جهة في مجموع حالاته فمن لم يسأل مسألة مسكين متضرع خائف فهو معتد ، ومن الاعتداء أن تعبده بما لم يشرعه وتثني عليه بما لم يثن به على نفسه ولا أذن فيه فإن هذا اعتداء في دعاء الثناء والعبادة وهو نظير الاعتداء في دعاء المسألة والطلب وعلى هذا فتكون الآية دالة على شيئين أحدهما محبوب للرب مرض له وهو الدعاء تضرعا وخفية الثاني مكروه له مبغوض مسخوط وهو الاعتداء فأمر بما يحبه الله وندب إليه وحذر مما يبغضه وزجر عنه بما هو ابلغ طرق الزجر والتحذير وهو أنه لا يحب فاعله ومن لم يحبه الله فأي خير يناله وفي قوله إنه لا يحب المعتدين عقب قوله ادعو ربكم تضرعا وخفية دليل على أن من لم يدعه تضرعاً وخفية فهو من المعتدين الذين لا يحبهم فقسمت الآية الناس إلى قسمين داع لله تضرعاً وخفية ومعتد بترك ذلك .
بدائع الفوائد 3 / 523 – 525 .