بسم الله الرحمن الرحيم

" إن الإنسان ليشعر بحاجته في كماله إلى الأمة وبحاجتها إليه في ذلك على قدر قوة معنى الإنسانية فيه؛ فأدنى أفراد الإنسان حظًا من الإنسانية لا يشعر بحاجته إلى أحد ولا بحاجة أحد إليه إلا من تقوم بهم شؤون حياته الشخصية " .
( الشيخ رشيد رضا )

" يكون الإنسان كبير النفس، وعظيم الهمة إذا كان يشعر بأن وجوده غير محصور في مساحة جسمه الصغير، وإنما هو واسع بروحه المُنبثَّة في عالم كبير يُسمَّى (الأمة) تعمل له كما يعمل كل عضو في جسده لمصلحة الجسد كله، ويكون أكبر وأعظم إذا كان يشعر بأن وجوده أوسع وأرقى؛ لأنه خُلِق ليعمل ما يفيد البشر كلهم بالتقريب والجمع بين المختلفين، والتأليف بين المتنافرين، وغير ذلك من الأعمال، أو يبث العلوم التي ينتفع منها الجميع، ويكون الإنسان حيوانًا حقيرًا ضيق الوجود؛ إذا كان علمه وعمله موجهين لخدمة شخصه ومن عساه يتصل به اتصالًا محسوسًا كأهله وعشيرته، ومن كانت هذه حاله فإنه لا يرجى منه أن يربي أولادًا ينفعون أمتهم ووطنهم أو ينفعون الناس أجمعين.
لذلك كان لا بد لكل إنسان من ذكر أو أنثى أن يعرف التاريخ ليتسع وجوده بقدر استعداده لعله يربي من ينفع الأمة والناس " .
(الشيخ رشيد رضا )

" لا معنى للإنسانية إلا حياة الاجتماع والتعاون، فمهما قل الاجتماع في أمة ضعف معنى الإنسانية فيها، ومهما كثر الاجتماع واعتز ؛ كانت الإنسانية أقوى وأكمل " .
( الشيخ رشيد رضا )

" والآن نرى الشرق قد أنشأ يتعلم من الغرب كيفية تأليف الجمعيات والشركات، فنجح أهل يابان في ذلك ورشدوا، ولا يزال العثمانيون والمصريون في سن الطفولية من هذه الحياة الاشتراكية الاجتماعية، التي لا وسيلة لبلوغ هذا النوع رشده بدونهما.
أسَّسْنا غير مرة جمعيات علمية وأدبية وخيرية وسياسية، فكانت تسقط الجمعية منها بعد الخطوة والخطوتين والخطوات القليلة، وقد نجحت في مصر (الجمعية الخيرية الإسلامية) نجاحًا يوثق بدوامه واستمراره، وهي أفضل ما عمل المسلمون بمصر في هذا الطور الجديد من الحياة، وتليها (جمعية العروة الوثقى)، و(جمعية المساعي المشكورة) الخاصتين بالتعليم.
وأسسنا شركات مالية كثيرة للعمل في الزراعة والتجارة، حبط عملنا في بعضها، وثبت بعضها، والرجاء في المستقبل عظيم " .
(الشيخ رشيد رضا )
مجلة المنار ، سنة 1907 م

" ومن البلاء على المسلمين أن كل إنسان يدعي كمال الفهم في علم الاجتماع الإنساني، والمعرفة بأسباب ترقي الأمم وتدليها، لا سيما إن كان لديه شيء من الوساوس السياسية التي يتلقفها من الجرائد !
ونرجو أن تزول هذه الأوهام بانتشار علم الاجتماع في الكتب النافعة والجرائد الصادقة .
وعسى أن يعم انتشار كتاب (سر تقدم الإنكليز) الذي طبع حديثا، فيفهم المسلمون أن اعتماد الأمة على الحكومات القوية المرتقبة - كفرنسا وألمانيا - فيه خطر على مستقبلها، فضلا عن الحكومات الضعيفة، فضلا عن اعتماد الشعوب على الحكومات التي لا تحكمها، وأن مستقبل السيادة إنما هو للشعوب التي يعتمد أفرادها في سعادتهم على أنفسهم وعلى سعيهم وجدهم، وإلى الله تصير الأمور " .
الشيخ رشيد رضا ، سنة 1899 م

" الدكتور غوستاف لوبون عالم أوربا الاجتماعي الشهير وصاحب المؤلفات الاجتماعية الفذة لا يحتاج عند جمهور القراء إلى تعريف، خصوصًا وقد اشتهر هذا العالم الجليل بدرس الشئون الشرقية عامة والعربية خاصة وله عطف على الشعب العربي وعناية كبيرة بمدنيته التي ظهرت آثارها بكتابه الشهير (حضارة العرب) حتى إن جماعة من أدباء مدينة بيروت كانوا أقاموا له حفلة شكر في مدينتهم اعترافا بفضله وشكرا لإنصافه لأمتهم العربية كما اشتهر هذا الفيلسوف بالابتعاد عن التعصب والتصريح بالحقائق التي يحاول معظم علماء الغرب ورجاله سترها كتعصب أوربا ولا سيما فرنسا موطنه ضد الحكومات الإسلامية والإسلام.
كان آخر ما ألف الدكتور غوستاف هذا الكتاب (روح الاشتراكية) بعد (سر تطور الأمم) ، و (روح الاجتماع) ، و (الآراء والمعتقدات) ، و (الثورة الفرنسية) . فجاء كتابا قيما في أبحاثه جليلا في مراميه، عز على صديقنا الأستاذ عادل زعيتر أحد أركان النهضة العربية أن تحرم الأمة العربية من ثمراته، فعني بترجمته ترجمة سلسة فجاءت حلة قشيبة من حلل العربية التي تكتسي بها مؤلفات الغرب، فنثني على همة المترجم ونرجو أن يوفق إلى انتخاب أمثال هذه الأسفار القيمة، ونحث القراء على اقتناء هذا الكتاب النفيس.
لكن هذا الكتاب كأمثاله في علمه لا يخلو من نظريات مخالفة للأديان، لا يعسر على علماء الدين المحققين تأييد جانب الدين فيها " .
(الشيخ رشيد رضا)
من زاوية ( المطبوعات الجديدة ) في مجلة المنار ، 1928م
وثناؤه على جوستاف لوبون كثير ومتناثر في المجلة

" من يُضيِّع حقوق أشدِّ الناس صلةً به، بل من كان متمِّمًا لمعناه وحقيقتِه ومَسُوقًا هو إلى حُبِّه بمُقتضى غريزته = فكيف يُرجى أن يقومَ بحُقوق من لا يتصل به إلا بصلةٍ بعيدة هي فرعُ تلك الصلة القريبة ؟ وإذا لم يقم كل فرد من الأفراد بما عليه من الحقوق الخاصة والعامة فكيف تتكوَّن الأُمَّة وتتَّحدُ على دفع الأذى، وتتعاون على المصالح حتى تبلغ المدى ؟ "
الشيخ رشيد رضا

" ومن البلاء على المسلمين أن كل إنسان يدعي كمال الفهم في علم الاجتماع الإنساني، والمعرفة بأسباب ترقي الأمم وتدليها، لا سيما إن كان لديه شيء من الوساوس السياسية التي يتلقفها من الجرائد !
ونرجو أن تزول هذه الأوهام بانتشار علم الاجتماع في الكتب النافعة والجرائد الصادقة .
وعسى أن يعم انتشار كتاب (سر تقدم الإنكليز) الذي طبع حديثا، فيفهم المسلمون أن اعتماد الأمة على الحكومات القوية المرتقبة - كفرنسا وألمانيا - فيه خطر على مستقبلها، فضلا عن الحكومات الضعيفة، فضلا عن اعتماد الشعوب على الحكومات التي لا تحكمها، وأن مستقبل السيادة إنما هو للشعوب التي يعتمد أفرادها في سعادتهم على أنفسهم وعلى سعيهم وجدهم، وإلى الله تصير الأمور " .
الشيخ رشيد رضا ، سنة 1899 م

( معرفة حقيقة تاريخ الأمة هو الوسيلة الأولى للنهوض بها، والصعود في مراقي الحياة بين الأمم، وضرر الجهلِ به والكذبِ فيه كضرر الجهل والكذب في بيان أحوال المريض وأعراض أمراضه للطبيب الذي يعالِجُه ) .
السيد محمد رشيد رضا

( من عجائب تصرف العلم في الجهل أن وساوس أوربا تروج في سوق المستمسكين بكل ما يعتقدون أو يظنون أو يتوهمون أنه من الدين، المبغضين الماقتين لكل ما عليه الأوربيون كما تروج في سوق المتفرنجين الذين زلزلت التعاليم الأوربية الناقصة عقائدهم وجميع مقوماتهم ومشخصاتهم الملية؛ بل هي في سوق أولئك المتعصبين لعقائدهم وتقاليدهم أشد رواجًا وأقبح تأثيرًا.
تعبث أوربة بجميع الشرقيين وتلعب بهم كما يلعب الصبيان بالكرة، فهم ألعوبة بين يديها، حتى في حال مقاومتهم لها؛ لأن من المقاومة مما لا بد منه فهي تمهد لهم سبيله، كمقاومة أهل المغرب الأقصى لفرنسة في تلك المدة القصيرة، هي التي حركتهم للثورة، وهي التي دفعتهم إلى المقاومة؛ لأن الطريقة التي رسمتها للاستيلاء على بلادهم وأعناقهم لا تتم إلا بذلك، وكم لها من أمثال هذه الوسائل؛ ولكن من تستعملهم فيها لا يدرون كنه عملهم ولا غايته ولا يعرفون من هم الدافعون لهم إليها، ولا أنهم يبخعون أنفسهم بها (ينتحرون) ) .
الشيخ رشيد رضا

( إن الذي لا يعرف الحق والصواب بالنظر والاستدلال، لا يُعد عالمًا ولا سياسيًّا، بل لا يُعدُّ عاقلًا؛ لأن ما يحفظه من أقوال الناس في الكتب والجرائد، أو في البيوت والمحافل، لا يرفعه إلى مرتبة العقلاء الذين يميزون بين الأقوال بالدليل العقلي، فإن الأولادَ المميزين يحفظون الأقوال مثله ولا يُعدّون من العقلاء، إلا إذا أريد بالعاقل من ليس مجنونًا يجب أن يساق إلى البيمارستان أو مستشفى المجاذيب فإن هذا الاصطلاح يسمح لنا أن نطلق لقب العاقل على الإمعة الذي لا رأي له وإنما يتابع كل واحد على رأيه لا سيما إذا لم يكن متهما عنده بعداوته له لسبب من أسباب التهم ) .
الشيخ رشيد رضا

( وحرامٌ على من يجهل تاريخ الغابر وحالة العصر الحاضر أن يقول: هذا شيء يضر الأمة، وهذا شيء ينفعها، وقد مُنِينا - والصبر بالله - بقوم جهلاء في ثياب علماء يغشُّون الأمة، ويغرِّرُون بها، توهمًا أنَّ كُلَّ من يقرأ تنازع العوامل في النحو يعلمُ تنازع الأمم، وكلَّ من يعرف أحوال تقديم المسند والمسند إليه وتأخيرهما يعرِفُ أسباب تقدُّم الأمة وتأخُّرَها، وكلَّ من تصدَّر للفتوى في مسائل الرضاع والطلاق وصحة الإجارة والسلم له أن يفتي في صحة الشعوب من أمراضها، وإطلاقها من وثاقها، بل وقعنا في فوضوية الأفكار والعلم، فصار كل فرد منا مِعنًّا مِفنًّا * ، ولا برهان يتوكأ عليه، ولا رئيس يرجع إليه) .
الشيخ رشيد رضا ، 1898م
----------------
* أي عريضًا يدخل في كل ما يعن له ويخوض في كل فن يعرض له .

( تغيير العادات في الأمة لا يمكن أن يكون بمجرد إقامة الحجة على كونها مخالفة للشرع أو للمصلحة أو موافقة لهما، وإنما يكون بالتغيير التدريجي في التربية والتعليم الذي تتغير به الآراء والأفكار والميول والرغبات، فمتى كثر الذين يرون تغيير العادة يتجرأ بعضهم على التغيير بالفعل، فيتبعه من يوافقه في الرأي ويتبعهم المقلدون الذين لا رأي لهم ومحبو الجديد كيفما كان ) .
الشيخ رشيد رضا

( أليس السواد الأعظم منا لا يهمهم إلا لذاتهم وحظوظهم الشخصية كما هو شأن الأطفال؟! هل يفقهون معنى الأمة ويعلمون ما هي المقوِّمات التي تقومُ بها، والروابط التي تجمعُها والأمر الذي تؤمُّه وتقصدُه؟ هل يتفكرون في الحياة الاجتماعية وما يعرض عليها؟ كلا! إن من يتجاوز فكره محيط شخصه فلا يعدو بيته وولده وهو في هذا لا يمتاز على الأنعام، وإذا ذَكَّرَهم مُذكِّر ونبَّههم مُنبِّه يحارون وتضطرب أفكارهم، ولا يكادون يفهمون الحقيقة !
وهم الآن على درجات:
- فمنهم من لا يفكر في معنى الأمة قط .
- ومنهم من يرى البعيدَ قريبًا كالطفل الذي يمد يده لتناول القمر، كما جرى ويجري لبعض الحكام وأصحاب السلطة ... .
- ومنهم من يرى نفسه عاجزًا عن كل شيء , ويرى الحاكم قادرًا على كل شيء، كما هو شأن الطفل الذي يطلُب القمر أو الطير في الهواء من أمه أو أبيه.
- ومنهم من يفتكر في المصالح والمنافع التي تخصُّ الأمة، ويعذل المقصرين - وهو منهم - ولكنَّه يغض الطرف عن عيوبه، وينظر إلى عيوب الناس بالنظارة المُعظمة، وإذا عمل فإنما يعمل لشخصه، وإذا وقعت مصلحة الأُمَّة في طريقه داسها ومضى في سبيله كما هو شأن الولدان في أول طور الفكر والتعقل.
- ومنهم الذين دعوا إلى الاجتماع لأجل العمل فاجتمعوا فصاح بهم صائح الفتنة فتفرقوا: (كنبأة أجفلت غفلا من الغنم) ، أو كالصبيان يجتمعون للعب فينعق بهم ناعق فيتفرقون (أيدي سبا) لأنهم لم يتربوا على الاجتماع، ولا يقدرون الأعمال الاجتماعية قدرها، وليس عندهم شيء من أخلاق الرجال، كالصبر والثبات والاحتمال ) .
مقال طفولية الأمة وما فيها من الحيرة والغمة للشيخ رشيد رضا ، 1900م