تعلمت من ابن عثيمين (7)

المعْلمُ السابع([1]): حرصه على تطبيق السنة في أموره كلها:

لم يكن شيخنا ـ ـ معلماً بقوله فحسب؛ بل كان يقرن ذلك بالعمل، والحرص على تطبيق السنن وإن دقّت، فصار عالماً ربانياً.
وأنت حين تقرأ له كلاماً في هذا الموضوع، فإنك تجد له وقعاً كبيراً في نفسك؛ لعلمك بأنه يطبق ما يقول، ومن ذلك قوله: "العلم بدون تربية يكون ضرره أكثر من نفعه، لكن مع التربية يكون العلم مؤديًا لنتيجته المقصودة، ولهذا قال الله تعالى ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾[آل عمران: 79]، هذه فائدة العلم أن يكون الإنسان ربانيًّا، بمعنى مُرَبِّيًا لعباد الله على شريعة الله"([2]).

والأمثلة التي تجلي هذه الحقيقة كثيرة:
منها: أنه حينما يقبل على المسجد ومعه أحد يتحدث، فإنه عند دخوله المسجد يقدِّم اليمنى ولا يترك دعاء الدخول، ولو كان ذلك الشخص يتحدث، وكذلك عند الخروج، ولا أذكر أنني رأيته يدخل الصلاة بدون سواك.
ومنها: أنه كان حريصاً على تنويع السنن التي وردت فيها بعض العبادات، كما في صفة التسبيح بعد الفرائض، وهو بذلك يترجم ما يقرره في دروسه في فوائد تنويع التطبيق: حفظ العلمُ، وتطبيق السنة، وكسر الإلف الذي يُذْهبُ الاستحضار للأذكار.
ومنها: أنه كان يحرص على أداء السنة الراتبة في بيته ما لم يعرض عارض.



المعْلمُ الثامن: حرصه على الوقت:

وهذا شيءٌ مجمع عليه عند كل من عرف شيخنا
ـ ـ، وقد رأيت أثر هذا المسلك في بعض طلابه الذين نفع الله بهم فيما بعد.
ومن مظاهر هذه العناية بالوقت عنده ـ ـ: ترتيب وقته وجدولِه اليومي، وضبطه لتوقيت الدروس، ولعدد الأسئلة التي تَعرِض في الدرس، وقد كان غالباً لا يسمح بأكثر من ثلاثة أسئلة عن الموضوع الواحد.

ومن ذلك: عنايته بضبط المواعيد، وكان يربي طلابه على ذلك، ومن ذلك ما حدّث به فضيلة أ.د.عبدالله الطيار: دعاني الشيخ عام 1403 لتناول وجبة الغداء، وقال لي: الموعد الساعة الثانية ظهراً، فحصل لي ظرف جعلني لا أصل إلى الشيخ إلا في الساعة الثانية وعشر دقائق، فلما وصلت وإذا بالشيخ راكب السيارة، فقلت: إلى أين يا شيخ؟ فقال: الأولاد عندكم وتغدوا معهم، فقلت: يا شيخ عفا الله عنك، نحن لا نريد الغداء، وإنما نريدك أنت، فقال: هذه المرة سأعفو عنكم ولكن المرة الثانية لا تتأخر
([3]).

ومن مظاهر حرص الشيخ على الوقت: أن فترةَ ذهابِه من البيت إلى المسجد كانت عامرةً بقراءة حزبه من القرآن، ولم يكن يسمحُ لأحد بنقله في سيارته، وأما في طريق عودته من المسجد إلى البيت فلا تسل عن الاغتنام لهذه الدقائق، فهي إما في الفتيا، أو تصحيح بعض الكتب التي تفرّغ من الأشرطة([4])، فإن لم يوجد مستفتٍ أو مصحح لكتاب؛ فإنه يلبي رغبة بعض الطلاب الذين يريدون من الشيخ تعليقاً على بعض المتون المختصرة، وأعرف أكثر من كتاب مطبوع في الساحة هو من شرحه أثناء الطريق! كتعليقه على كتاب "كشف الشبهات"، وتعليقه على "منظومة القواعد الفقهية" لشيخه السعدي، وللحديث صلةٌ إن شاء الله.




([1]) أشرتُ في الأجزاء الأول والثاني والثالث والرابع والخامس والسادس من هذه السلسلة إلى ستة معالم مما تميزت به شخصية شيخنا ـ ـ وهي: "وضوح الهدف"، "الثبات على المنهج والهدف الذي رسمه لنفسه"، "العناية بالقرآن حفظاً وفهماً وعملاً"، "حبّه لنشر العلم واغتنام الفرص لتبيلغ الشريعة"، "التثبت في النقل والحكم"، "عنايته بالتحصيل العلمي لطلابه" وأتابع في هذا المقال ذِكر بعض تلكم المعالم.

([2]) ينظر: كتاب "العلم" للعثيمين (ص: 185).

([3]) مقال لفضيلة أ.د.عبدالله الطيار في جريدة الجزيرة 20/10/1421هـ.

([4]) وقد رأيت هذا بنفسي مراراً.




* رابط المقال على الموقع: http://vb.tafsir.net/newthread.php?do=newthread&f=13