أقوال العلماء في حكم الخلع هل هو طلاق أو فسخ
المغني لابن قدامة ج7/ص249
مسألة قال والخلع فسخ في إحدى الروايتين والأخرى أنه تطليقة بائنة
اختلفت الرواية عن أحمد في الخلع ففي إحدى الروايتين أنه فسخ وهذا اختيار أبي بكر وقول ابن عباس وطاوس وعكرمة وإسحاق وأبي ثور وأحمد قولي الشافعي والرواية الثانية أنه طلقة بائنة روي ذلك عن سعيد بن المسيب والحسن وعطاء وقبيصة وشريح ومجاهد وأبى سلمة بن عبد الرحمن والنخعي والشعبي والزهري ومكحول وابن أبي نجيح ومالك والأوزاعي والثوري وأصحاب الرأي وقد روي عن عثمان وعلي وابن مسعود لكن ضعف أحمد الحديث عنهم وقال ليس في الباب شيء أصح من حديث ابن عباس أنه فسخ واحتج ابن عباس بقوله تعالى الطلاق مرتان البقرة 229 ثم قال فلا جناح عليهما فيما افتدت البقرة 229 ثم قال فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره البقرة 230 فذكر تطليقتين والخلع وتطليقة بعدها فلو كان الخلع طلاقا لكان أربعا ولأنها فرقة خلت عن صريح الطلاق ونيته فكانت فسخا كسائر الفسوخ ووجه الثانية أنها بذلت العوض للفرقة والفرقة التي يملك الزوج إيقاعها هي الطلاق دون الفسخ فوجب أن يكون طلاقا ولأنه أتى بكناية الطلاق قاصدا فراقها فكان طلاقا كغير الخلع وفائدة الروايتين أنا إذا قلنا هو طلقة فخالعها مرة حسبت طلقة فينقص بها عدد طلاقه وإن خالعها ثلاثا طلقت ثلاثا فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره وإن قلنا هو فسخ لم تحرم عليه وإن خالعها مائة مرة وهذا الخلاف فيم إذا خالعها بغير لفظ الطلاق ولم ينوه فأما إن بذلت له العوض على فراقها فهو طلاق لا اختلاف فيه وإن وقع بغير لفظ الطلاق مثل كنايات الطلاق أو لفظ الخلع والمفاداة ونحوهما ونوى به الطلاق فهو طلاق أيضا لأنه كناية نوى الطلاق فكانت طلاقا كما لو كان بغير عوض فإن لم ينو به الطلاق فهو الذي فيه الروايتان والله أعلم
فصل وألفاظ الخلع تنقسم إلى صريح وكناية فالصريح ثلاثة ألفاظ خالعتك لأنه ثبت له العرف والمفاداة لأنه ورد به القرآن بقوله سبحانه فلا جناح عليهما فيما افتدت البقرة 229 وفسخت نكاحك لأنه حقيقة فيه فإذا أتى بأحد هذه الألفاظ وقع من غير نية وما عدا هذه مثل بارأتك وأبرأتك وأبنتك فهو كناية لأن الخلع أحد نوعي الفرقة فكان له صريح وكناية كالطلاق وهذا قول الشافعي إلا أن له في لفظ الفسخ وجهين فإذا طلبت الخلع وبذلك العوض فأجابها بصريح الخلع وكنايته صح من غير نية لأن دلالة الحال من سؤال الخلع وبذل العوض صارفة إليه فأغنى عن النية فيه وإن لم يكن دلالة حال فأتى بصريح الخلع وقع من غير نية سواء قلنا هو فسخ أو طلاق ولا يقع بالكناية إلا بنية ممن تلفظ به منهما ككنايات الطلاق مع صريحه والله أعلم
فصل ولا يحصل الخلع بمجرد بذل المال وقوله من غير لفظ الزوج قال القاضي هذا الذي عليه شيوخنا البغداديون وقد أومأ إليه أحمد وذهب أبو حفص العكبري وابن شهاب إلى وقوع الفرقة بقبول الزوج للعوض وأفتى بذلك ابن شهاب بعكبرا واعترض عليه أبو الحسن بن هرمز واستفتى عليه من كان ببغداد من أصحابنا فقال ابن شهاب المختلعة على وجهين مستبرئة ومفتدية هي التي تقول لا أنا ولا أنت ولا أبر لك قسما وأنا أفتدي نفسي منك فإذا قبل الفدية وأخذ المال انفسخ النكاح لأن إسحاق بن منصور روى قال قلت لأحمد كيف الخلع قال إذا أخذ المال فهي فرقة وقال إبراهيم النخعي أخذا المال تطليقة بائنة ونحو ذلك عن الحسن وعن علي من قبل مالا على فراق فهي تطليقة بائنة لا رجعة لها فيها واحتج بقول النبي لجميلة أتردين عليه حديقته قالت نعم ففرق رسول الله بينما وقال خذ ما أعطيتها ولا تزدد ولم يستدع منه لفظا ولأن دلالة الحال تغني عن اللفظ بدليل ما لو دفع ثوبه إلى قصار أو خياط معروفين بذلك فعملاه استحقا الأجرة وإن لم يشترطا عوضا
ولنا إن هذا أحد نوعي الخلع فلم يصح بدون اللفظ كما لو سألته أن يطلقها بعوض ولأنه تصرف في البضع بعوض فلم يصح بدون اللفظ كالنكاح والطلاق ولأن أخذ المال قبض لعوض فلم يقم بمجرده مقام الإيجاب كقبض أحد العوضين في البيع ولأن الخلع إن كان طلاقا فلا يقع بدون صريحه أو كنايته وإن كان فسخا فهو أحد طرفي عقد النكاح فيعتبر فيه اللفظ كابتداء العقد
وأما حديث جميلة فقد رواه البخاري أقبل الحديقة وطلقها تطليقة وهذا صريح في اعتبار اللفظ وفي رواية فأمره ففارقها ومن لم يذكر الفرقة فإنما اقتصر على بعض القصة بدليل رواية من روى الفرقة والطلاق فإن القصة واحدة والزيادة من الثقة مقبولة ويدل على ذلك أنه قال ففرق النبي بينهما وقال خذ ما أعطيتها فجعل التفريق قبل العوض ونسب التفريق إلى النبي ومعلوم أن النبي لا يباشر التفريق فدل على أن النبي أمر به ولعل الراوي استغنى بذكر العوض عن ذكر اللفظ لأنه معلوم منه
وعلى هذا يحمل كلام أحمد وغيره من الأئمة ولذلك لم يذكروا من جانبها لفظا ولا دلالة حال ولا بد منه اتفاقا
مسألة قال ولا يقع بالمعتدة من الخلع طلاق ولو واجهها به
وجملة ذلك أن المختلعة لا يلحقها طلاق بحال وبه قال ابن عباس وابن الزبير وعكرمة وجابر بن زيد والحسن والشعبي ومالك والشافعي وإسحاق وأبو ثور وحكي عن أبي حنيفة أنه يلحقها الطلاق الصريح المعين دون الكناية والطلاق المرسل وهو أن يقول كل امرأة لي طالق وروي نحو ذلك عن سعيد المسيب وشريح وطاوس والنخعي والزهري والحكم وحماد والثوري لما روى عنالنبي أنه قال المختلعة يلحقها الطلاق ما دامت في العدة
ولنا أنه قول ابن عباس وابن الزبير ولا نعرف لهما مخالف في عصرها ولأنها لا تحل له إلا بنكاح جديد فلم يلحقها طلاقه كالمطلقة قبل الدخول أو المنقضية عدتها ولأنه لا يملك بضعها فلم يلحقها طلاقه كالأجنبية ولأنها لا يقع الطلاق المرسل ولا تطلق بالكناية فلم يلحقها الصريح المعين كما قبل الدخول ولا فرق بين أن يواجهها به فيقول أنت طالق أو لا يواجهها به مثل أن يقول فلانه طالق وحديثهم لا نعرف له أصلا ولا ذكره أصحاب السنن
فصل ولا يثبت في الخلع رجعة سواء هو فسخ أو طلاق في قول أكثر أهل العلم منهم الحسن وعطاء وطاوس الثوري والأوزاعي ومالك والشافعي وحكي عن الزهري وسعيد ابن المسيب أنهما قالا الزوج بالخيار بين إمساك العوض ولا رجعة له وبين رده وله الرجعة
وقال أبو ثور إن كان الخلع بلفظ الطلاق فله الرجعة لأن الرجعة من حقوق الطلاق فلا تسقط بالعوض كالولاء مع العتق
ولنا قوله سبحانه فيما افتدت به البقرة 229 وإنما يكون فداء إذا خرجت به عن قبضته وسلطانه وإذا كانت له الرجعة فهي تحت حكمه ولأن القصد إزالة الضرر عن المرأة فلو جاز ارتجاعها لعاد الضرر وفارق الولاء فإن العتق لا ينفك منه والطلاق ينفك عن الرجعة فيما قبل الدخول وإذا أكمل العدد
فصل فإن شرط في الخلع أن له الرجعة فقال ابن حامد يبطل الشرط ويصح الخلع وهو قول أبي حنيفة وأحد الروايتين عن مالك لأن الخلع لا يفسد يكون عوضه فاسدا فلا يفسد بالشرط الفاسد كالنكاح ولأنه لفظ يقتضي البينونة فإذا شرط الرجعة معه بطل الشرط كالطلاق الثلاث ويحتمل أن يبطل الخلع وتثبت الرجعة وهو منصوص الشافعي لأن شرط العوض والرجعة متنافيان فإذا شرطاهما سقطا وبقي مجرد الطلاق فنثبت الرجعة بالأصل لا بالشرط ولأنه شرط في العقد ما ينافي مقتضاه فأبطله كما لو شرط أن لا يتصرف في المبيع وإذا حكمنا بالصحة فقال القاضي يسقط المسمى في العوض لأنه لم يرض به عوضا حتى ضم إليه الشرط فإذا سقط الشرط وجب ضم النقصان الذي نقصه من أجله إليه فيصير مجهولا فيسقط ويجب المسمى في العقد ويحتمل أن يجب المسمى لأنهما تراضيا به عوضا فلم يجب غيره كما لو خلا عن شرط الرجعة
فصل فإن شرط الخيار لها أو له يوما أو أكثر وقبلت المرأة صح الخلع وبطل الخيار وبه قال أبو حنيفة فيما إذا كان الخيار للرجل وقال إذا جعل الخيار للمرأة ثبت لها الخيار ولم يقع الطلاق
ولنا إن سبب وقوع الطلاق وجد وهو اللفظ به فوقع كما لو أطلق ومتى وقع فلا سبيل إلى رفعه .
الاستذكار لابن عبد البر ج6/ص82
وقد اختلف العلماء في المختلعة هل يلحقها طلاق أم لا ما دامت في عدتها
فقال مالك إن طلقها عقيب الخلع من غير سكوت طلقت وإن كان بينهما سكوت لم تطلق وهذا يشبه ما روي عن عثمان - وقال الشافعي لا يلحقها طلاق وإن كانت في العدة
وهو قول بن عباس وبن الزبير وبه قال عكرمة والحسن وجابر بن زيد وأحمد وإسحاق وأبو ثور
وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي يلحقها الطلاق ما دامت في العدة وهو قول سعيد بن المسيب وشريح وطاوس وإبراهيم والزهري والحكم وحماد وروي ذلك عن بن مسعود وأبي الدرداء من طريقين منقطعين ليسا بثابتين
قال أبو عمر لم يختلفوا أن الخلع طلاق بائن لا ميراث بينهما فيه
ومعنى البينونة انقطاع العصمة إلا بنكاح جديد فكأنها رجعية بانت بانقضاء عدتها وقد ذكرنا قول بن عباس بأنه فسخ لا طلاق واختلفوا في مراجعة المختلعة في العدة فقال جمهور أهل العلم لا سبيل له إليها إلا برضى منها ونكاح جديد وصداق معلوم وهو قول عامة التابعين بالحجاز والعراق
وبه قال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم والثوري والأوزاعي وأحمد وإسحاق وروي عن سعيد بن المسيب وبن شهاب أنهما قالا إن رد إليها ما أخذ منها في العدة أشهد على رجعتها وصحت له الرجعة
روى بن أبي ذئب عن بن شهاب قال لا يتزوجها بأقل مما أخذ منها
وقال أبو ثور إن كان لم يسم في الخلع طلاقا فالخلع طلقة لا يملك فيها رجعة وإن سمى طلاقا فهو أملك برجعتها ما دامت في العدة
وبه قال داود و روي مثل قول أبي ثور عن عبد الله بن أبي أوفى وماهان الحنفي
واتفقوا على أنه جائز للمختلع أن يتزوجها في عدتها
وقالت طائفة من المتاخرين لا يتزوجها هو ولا غيرها في العدة فشذوا عن الجماعة والجمهور وأما رواية مالك عن نافع عن بن عمر أن المختلعة عدتها عدة المطلقة
1151 - ومالك أنه بلغه أن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وبن شهاب كانوا يقولون عدة المختلعة مثل عدة المطلقة ثلاثة قروء
فقد اختلف السلف والخلف في ذلك فروي عن عثمان وبن عباس قالا عدة المختلعة حيضة روي ذلك عن بن عمر أيضا خلاف رواية مالك وقد روي عن عثمان أنه لا عدة عليها وقد تقدم تفسير ذلك بأنها تستبرئ رحمها بحيضة مخافة الحمل فليس ذلك باختلاف عنه وبه قال عكرمة وأبان بن عثمان
وإليه ذهب إسحاق وحجتهم ما رواه سعيد بن أبي عروبة عن أبي الطفيل عن سعيد بن حمل عن عكرمة قال عدة المختلعة حيضة قضاها رسول الله في جميلة بنت أبي بن سلول
قال أبو عمر روي من وجوه أن جميلة ابنة أبي بن سلول كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس فاختلعت منه
كما روي ذلك في حبيبة بنت سهل
وروى هشام بن يوسف عن معمر عن عمرو بن مسلم عن عكرمة عن بن عباس أن ثابت بن قيس اختلعت منه امرأته فجعل رسول الله عدتها حيضة
ورواه عبد الرزاق عن معمر عن عمرو بن مسلم عن عكرمة مرسلا
ورواه بن لهيعة عن أبي الأسود عن أبي سلمة ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن ربيع بنت معوذ قالت سمعت رسول الله يأمر امرأة ثابت بن قيس حين اختلعت منه أن تعتد حيضة
وليست هذه الآثار بالقوية وقد ذكرت أسانيدها في التمهيد
وأما الحديث بذلك عن بن عباس وبن عمر
فذكر أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثني يحيى بن سعيد عن عبيد الله بن عمر عن نافع أن الربيع أختلعت من زوجها فأتى عمها عثمان فقال تعتد بحيضة وكان بن عمر يقول تعتد ثلاث حيض حتى قال هذا عثمان فكان بن عمر يفتي به ويقول عثمان خيرنا وأعلمنا
قال وحدثني عبدة عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن بن عمر قال عدة المختلعة حيضة
قال وحدثني عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن ليث عن طاوس عن بن عباس قال عدتها حيضة
وقال مالك وأبو حنيفة والشافعي وأصحابهم عدة المختلعة كعدة المطلقة إن كانت ممن تحيض بثلاثة وإن كانت ممن لا تحيض بثلاثة أشهر
وروي مثل ذلك عن عمر وعلي وعن بن عمر على اختلاف عنه
والحديث عن عمر وعلي من قولهم ليس بالقوي ولكن جمهور العلماء على القول بأن عدة المختلعة عدة المطلقة
وممن قال بذلك سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وعروة بن الزبير وسالم بن عبد الله بن عمر وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف وعمر بن عبد العزيز وبن شهاب الزهري والحسن البصري وعامر الشعبي وإبراهيم النخعي ومحمد بن عياض وخلاس بن عمر وقتادة
وبه قال سفيان الثوري والأوزاعي والليث بن سعد وأحمد بن حنبل وأبو عبيد ورواية عن إسحاق
قال أبو عمر في حديث عثمان إنما أمر الربيع بنت معوذ حين اختلعت من زوجها ينتقل من بيتها
وهذا لا يقول به أحد من الفقهاء الذين كانت تدور عليهم بالأمصار الفتوى وأبو حنيفة والشافعي وأصحابهم
ولو اشترط عليها زوجها في حين الخلع ألا سكنى لها كان الشرط لاغ ولها السكنى كالعدة فلا يؤثر فيها الشرط وكأنه لم يذكر
وقال أبو ثور وأحمد وإسحاق وداود لا سكنى لها ولا نفقة
وكذلك يقولون في المطلقة المبتوتة وهي أصل هذه المسألة وسيأتي أقوالهم فيها في موضعها - إن شاء الله تعالى
وأجمع الجمهور أن الخلع جائز عند غير السلطان إلا الحسن وبن سيرين فإنهما يقولان لا يكون الخلع إلا عند السلطان
وقال قتادة إنما أخذه الحسن عن زياد
قال أبو عمر قد أجمعوا أن النكاح والطلاق يجوز دون السلطان فكذلك الخلع وليس كاللعان الذي لا يجوز عند السلطان
قال مالك في المفتدية إنها لا ترجع إلى زوجها إلا بنكاح جديد فإن هو نكحها ففارقها قبل أن يمسها لم يكن له عليها عدة من الطلاق الآخر وتبني على عدتها الأولى
قال مالك وهذا أحسن ما سمعت في ذلك
قال أبو عمر إنها لا ترجع إليه إلا بنكاح جديد فقد تقدم القول في هذه المسألة وما للعلماء فيها
وأما قول مالك فإن هو نكحها إلى آخر قوله وأنه أحسن ما سمع في ذلك فعليه أكثر العلماء لأنها مطلقة قبل الدخول بها فلا عدة عليها وتتم بقية عدتها
وهذا أصل مالك في الأمة تعتق في عدتها من وفاة أو طلاق أنها لا تتغير عدتها ولا تنتقل إلا في الطلاق الرجعي ولا في البائن كالحد يجب على العبد ولا يتغير بالعتق
وستأتي هذه المسألة في بابها إن شاء الله تعالى
وروي عن طائفة منهم الشعبي وإبراهيم النخعي في المختلعة يتزوجها زوجها في عدتها بنكاح جديد ثم يطلقها قبل الدخول بها أن عليها عدة كاملة كأنها عندهم في حكم المدخول بها أنها تعتد من العدة
وهذا ليس بشيء بظاهر قول الله إذا نكحتم المؤمنت ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها الأحزاب 49
قال أبو عمر ليس لها إلا نصف الصداق عندهم
ومن قال بقول الشعبي والنخعي أوجب لها الصداق كاملا
قال مالك إذا افتدت المرأة من زوجها بشيء على أن يطلقها فطلقها طلاقا متتابعا نسقا فذلك ثابت عليه فإن كان بين ذلك صمات فما أتبعه بعد الصمات فليس بشيء
وهذه المسألة قد تقدمت في هذا الباب ومضى فيها القول والله أعلم وهو الموفق للصواب وحسبي ونعم الوكيل .
أضواء البيان ج1/ص142- 143
تنبيه
أخذ ابن عباس من هذه الآية الكريمة أن الخلع فسخ ولا يعد طلاقا لأن الله تعالى قال الطلاق مرتان ثم ذكر الخلع بقوله فلا جناح عليهما فيما افتدت به لم يعتبره طلاقا ثالثا ثم ذكر الطلقة الثالثة بقوله فإن طلقها فلا تحل له من بعد وبهذا قال عكرمة وطاوس وهو رواية عن عثمن بن عفان وابن عمر وهو قول إسحاق بن راهويه وأبي ثور وداود بن علي الظاهري كما نقله عنهم ابن كثير وغيره وهو قول الشافعي في القديم وإحدى الروايتين عن أحمد
قال مقيده عفا الله عنه الاستدلال بهذه الآية على أن الخلع لا يعد طلاقا ليس بظاهر عندي لما تقدم مرفوعا إليه صلى الله عليه وسلم من أن الطلقة الثالثة هي المذكورة في قوله أو تسريح بإحسان وهو مرسل حسن
قال في فتح الباري والأخذ بهذا الحديث أولى فإنه مرسل حسن يعتضد بما أخرجه الطبري من حديث ابن عباس بسند صحيح قال إذا طلق الرجل امرأته تطليقتين فليتق الله في الثالثة فإما أن يمسكها فيحسن صحبتها أو يسرحها فلا يظلمها من حقها شيئا وعليه ففراق الخلع المذكور لم يرد منه إلا بيان مشروعية الخلع عند خوفهما ألا يقيما حدود الله لأنه ذكر بعد الطلقة الثالثة وقوله فإن طلقها إنما كرره ليرتب عليه ما يلزم بعد الثالثة الذي هو قوله فلا تحل له من بعد ولو فرعنا على أن قوله تعالى أو تسريح بإحسان يراد به عدم الرجعة وأن الطلقة الثالثة هي المذكورة في قوله فإن طلقها فلا تحل له لم يلزم من ذلك أيضا عدم عد الخلع طلاقا لأن الله تعالى ذكر الخلع في معرض منع الرجوع فيما يعطاه الأزواج فاستثنى منه صورة جائزة ولا يلزم من ذلك عدم اعتبارها
طلاقا كما هو ظاهر من سياق الآية
وممن قال بأن الخلع يعد طلاقا بائنا ملك وأبو حنيفة والشافعي في الجديد وقد روي نحوه عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عمر وبه قال سعيد بن المسيب والحسن وعطاء وشريح والشعبي وأبرهيم وجابر بن زيد والثوري والأوزاعي وأبو عثمن البتي كما نقله عنهم ابن كثير وغيره
غير أن الحنفية عندهم أنه متى نوى المخالع بخلعه تطليقة أو اثنتين أو أطلق فهو واحدة بائنة وإن نوى ثلاثا فثلاث وللشافعي قول آخر في الخلع وهو أنه متى لم يكن بلفظ الطلاق وعري عن النية فليس هو بشىء بالكلية قاله ابن كثير
ومما احتج به أهل القول بأن الخلع طلاق ما رواه ملك عن هشام بن عروة عن أبيه عن جهمان مولى الأسلميين عن أم بكر الأسلمية أنها اختلعت من زوجها عبد الله خالد بن أسيد فأتيا عثمان بن عفان في ذلك فقال تطليقة إلا أن تكون سميت شيئا فهو ما سميت
قال الشافعي ولا أعرف جهمان وكذا ضعف أحمد بن حنبل هذا الأثر قاله ابن كثير والعلم عند الله تعالى وروى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود مثله وتكلم فيه بأن في سنده ابن أبي ليلى وأنه سيىء الحفظ وروي مثله عن علي وضعفه ابن حزم والله تعالى أعلم .