الأنس بـ :
الدِّيكُ اللَّافِظَة

رأيتُ اليوم عجبا!!!
رأيتُ الديكَ يَنْبِشُ الأرض ، ويخرج خَبْأَها من الْحَبِّ ، ثم يدعو أزواجه الدجاجات حوله فيأتين فيأكلن ما أخرج لهن.
ما أَكْرَمَ الديك!!!
ما أكرمه من ذَكَرٍ يُؤْثِرُ زوجه على نفسه!!!
ولذلك من أسماء الديك [ اللافظة ] لأنه يَلْفَظُ الحبَّ لأزواجه لِيَأْكُلْنَه.
ولا يُقَالُ [لافظة] إلا للدِّيِك الشابِ ، لأنَّ الديكَ الْهَرِم لا يفعل ذلك للدجاجات ، لأنه لم يَعُدْ له فيهن مَأْرَبًا ، فَيَسْتَأْثِرُ بالْحَبِّ لِنَفْسِه مِنْ دونهن.

ورأيتُ مثلَ ذلك من القِطِّ.


إذ يوجد في الحي الذي أقيم فيه كثير من القطط - وما أكثر القطط في ماليزيا - بينهن ذَكَرٌ فَحْلٌ، وأنا والجيران نُقَدِّمُ بَوَاقِيَ الطعام لهذه القطط ، فرأيتُ القطَّ حين أَضَعُ الطعام يتأخر ولا يُقْبِلُ على الطَّبَقِ بل يَدَعُ الأنثى تأكل حتى تَشْبَع شَبَعًا، ويَدَعُ الصِّغَارَ تأكل حتى تشبع شبعا، ثم يُقْدُمُ هو على الطعام.

لكني رأيتُ من إِحْدَى الإناثِ ما غاظَنِي غَيْظًا، وأغْضَبَنِي غَضَبًا.
فقد كانت هذه القطة تُقِيمُ بِصِفَةٍ دائمة أمام بيتي وفي حديقته، وقد أَنَجَبَتْ صِغارًا وأهملتهم وأضاعتهم، ثم أنجبَتْ ثلاثا وقامتْ على رعايتهن فترة ثم أضاعتْ اثنتين، وبقيَتْ الثالثة أمام بيتي لكن أمَّها أهملتها ، فَقَدَّمْتُ لها الطعام وخَصَصْتُها به حتى شَبَّتْ وقامَتْ على نفسها، وفي أَوَّلِ أَمْرِها كُنْتُ حين أَضَعُ للصغيرة الطعام ، تأتي أُمُّها فَتَضْرِبُ ابنتها وتَطْرُدُها، وتَسْتَأْثِرُ هي بالطعام كله، فلَمَّا رأيْتُ ذلك، اشْتَدَّ غَيْظِي ، فوضَعْتُ الطعام يوما ، وانتظرتُ حتى طردَتْ ابنتها ، وذَهَبْتُ إليها - وكانت تَأْمَنُني - فأَمْسَكْتُ بها، وضربتُها ضَرْبًا مُوجِعًا وطَرَدْتُها.

إنها الْغُرْبَةُ والْوَحْشَة:

إنها الغربة والوحشة اللتان تجعلان الغريب الوحيد يبحث عما يمكن أن يأنس به، فإنْ لم يجد بشرا الْتَجَأَ إلى الحيوانات والطيور والنبات والحجر يلاعبها ويحاورها ويَأْنَسُ بها.

وللأسف المجتمع الماليزي مجتمع تَغْلِبُ عليه الفردية والانعزالية ، فَكُلٌّ مَشْغُولٌ بِنَفْسِه ، فَتَجِدُ الابنَ يُفَارِقُ أُسْرَتَه الشُّهُورَ والْمَدَى الطويل من الزمن ، وتَجِدُ الأخَ يَنْسَى أَخَاه فلا يَذْكُره - إنْ ذَكَرَهُ - إلا كُلَّ حِينٍ طويل ، ولا يَلْقَاهُ - إنْ الْتَقَاهُ - إلا في المناسبات التي تَتَبَاعَدُ فيها الأزمان ، وتَجِدُ الرجلَ يقول فلان صديقي ، فَتَسْأَلُهُ متى آخر مَرَّةٍ الْتَقَيْتَه ، فلا يذكر ، وتَجِدُ الْجَارَ وقد شَارَكَ جَارَهُ الْجِدَارَ والْبُنْيَانَ يُغْلِقُ عليه بابه دونه ، ودونَ جِيرَانِه فلا تَزَاوُرَ إلا فيما قَلَّ ونَدُر.

وهم وإنْ كانوا كذلك ، فإنَّ الْخِصَالَ الطَّيِّبة تَغْلِبُ عُيُوبَ الفردية والانعزالية وبُرُودَ العاطفة ، فهم تجتمع فيهم خِصَالٌ كريمة طيبة كثيرة، منها: الْحِلْم ، والعمل الجماعي ، وبَشَاشَة وطَلاقَةُ الْوُجُوه ، والأمَانَة ، والصِّدْق ، والنَّجْدَة.

أخوكم د. محمد الجبالي