الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فكنت قد كتبت مقالاً, ونُشر في هذا الملتقى المُبارك, بعنوان: مشهد عظيم من تنزيل القرآن العظيم-وسأُرفقه هنا بصيغة pdf- وأشرت فيه إلى عظمة القرآن الكريم, وأثره على سامعه.
وبينما كنت أعلق على "سورة الصف" لبعض الطلاب من بلاد متفرقة من البلاد العربية من العسكريين, وأثناء التعليق على أول السورة؛ استوقفني أحد الطلاب من البلاد العربية, وقال: ذكرتني بموقف مُؤثر لا يُمكن أن أنساه: يقول: كنا نخرج لبعض التدريبات ونحمل معنا بعض الإعانات لبعض القرى التي نمر عليها, وكنا قد واعدنا إحدى هذه القرى بتسليمهم هذه الإعانات في يوم محدد, وكان المُنسق والمتابع معنا منهم: رجل ظاهره الفقر -لا يُؤبه له-, وعند حضور الموعد, عرض لنا عارض فلم نأتهم في الموعد, فجاء إلينا هذا الرجل وقال: أين أنتم, الناس ينتظرونكم.
وكما لا يخفى فإن أهل القرية في شوق وانتظار لهذه الإعانات -علماً بأنها يسيرة- وقد أملوا وترقبوا, ففجعوا بعدم قدوم الإعانات في الموعد خوفا من عدم الحصول عليها.
فقال الرجل: ما الذي عرض لكم؟ فلم نجبه بجواب جيد, ولم نعبأ به, ولم نزد على أن قلنا: لا يمكن أن نسلمكم إياها اليوم, لكن يمكن غداً, وكانت إجابتنا له مع عدم اهتمام بالموضوع, وقد كنا في شُغل.
ثم إن هذا الرجل بعدما رأى منا ما رأى, وقف عند الباب ووضع يديه بعضها على بعض وقرأ بقراءة مرتلة قول الحق: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3))
وكأنها أنزلت لتوها؛ اقشعرّت جلودنا, ورقت قلوبنا, وطأطأت رؤوسنا, وبعد أن أتمها خرج مباشرة, فقمنا وراءه نناديه بعد أن كنا لم نعبأ به, ونطلبه الرجوع, ونعده بالوعود الصادقة, وأنا قادمون, فقمنا وسلمناهم من فورنا وزدناهم على ما كنا قد رصدنا لهم.
فقال لي الطالب: ما أعظم القرآن وما أعزه وأجلّه.
قلت: فهذا الرجل الذي لا يُؤبه له لم يعظهم بغير القرآن.
وكيف حصلت الاستجابة والتأثر, فما أحوجنا اليوم بالعناية في وعظ الناس بكلام الله , فهو أعظم واعظ, وأعظم مؤثر, خاصة إذا كان الوعظ من قلب صادق مخلص.
ولهذا فإن الجن كما في آخر سورة الأحقاف, بعد سماعهم للقرآن تأثروا به, ووعظوا قومهم به, كما قال تعالى:
(وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (29) قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (30) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (31) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (32))
ومن الفوائد من هذا الموقف أنه كما قال النبي -- عند مسلم من حديث أبي هريرة --: (رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ), وعند الترمذي بسند جيد من حديث أنس --: (كم من أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لا بره منهم البراء بن مالك).
ولهذا نفذت الموعظة من هذا الرجل -الذي يُرجى صدقه- إلى قلوبهم, فاجتمع قوة السلاح وقوة الضارب, كما نبه على هذا المعنى ابن القيم وابن رجب في حصول الأثر من القرآن.
فأسأل الله تعالى أن يمن علينا بتعظيم كتابه والاتعاظ به وتعلمه وتعليمه بمنه وكرمه آمين.
, للنشرمشهد عظيم &.pdf