إن من أعظم الفوائد التي يستفيدها قارئ التاريخ هو الاعتبار بالسنن التي يجريها الله في سائر الحوادث، على سلكٍ قد يكون شبه متكرر ومطّرد في نتائجه وحيثياته في أوضاع كثيرة، ومراحل متقاربة، وظروف متشابهة المعالم والنتائج، وكأن التاريخ يعيد فيها نفسه بثوبٍ جديد، وليس إلا تغير الزمان والمكان، ولربما لا يختلف المكان.
فتكرارها منحة تفيد أولي الألباب، وأصحاب الفكرة والحنكة العسكرية والعقلية في تجارب حاليّة آتية، تجدي نفعًا كبيرًا في الحصول على النجاة لرعيتهم ولأنفسهم وبلدهم. ولعل هذا التكرار للأحداث قد يكون من يُسْرِ الله سبحانه يقذفه ويظهره لأولئك الرجال من أصحاب القلوب السليمة، والهمة الكبيرة الناظرة إلى العلياء، خاصةً لمن يريد انتصار الإسلام وإبلاغه إلى كل عقر دارٍ في الأرض. وصدق الشاعر حين يقول:
اقرؤوا التاريخ إذ فيه العبر ... ضل قوم ليس يدرون الخبرْ
فقارئ التاريخ المتعمق فيه، المتأمل لأحداثٍ سالفةٍ منه، يجد كثيرًا من الأمثلة التي وكأنها نسخة من حدث اليوم والساعة؛ بأماراتها، ونتائجها، وما بينهما، فهذه غنيمةٌ يكرّم بها الصادق الحاذق الفطن لأي حدثٍ يحوم قبل نتيجته، فيتخذ لها ما اتُّخِذ في القصص السالفة المكتوبة في جبين التاريخ، فيبحثُ -بتعقّلٍ ورويّةٍ عن الأسباب التي أوقعت النصر، ويحذر من الأسباب والتصرفات التي أوصلت إلى الهزيمة. ولذا كان حريًّا برجالات العلم، والفكر، والمُلْكِ، والقيادة أن يستظهروا التاريخ، ويسبروه؛ لينتفعوا به، قال تعالى : فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الأعراف: 176.] وقال سبحانه: "لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ" [يوسف: 111].
" والعبرة: الفكرة والبصيرة المخلصة من الجهل والحيرة. وقيل: هي نوع من الاعتبار، وهي العبور من الطرف المعلوم إلى الطرف المجهول، وأولو الألباب هم ذوو العقول السليمة الذي يعتبرون بعقولهم فيدرون ما فيه مصالح دينهم، وإنما كان هذا القصص عبرة لما اشتمل عليه من الإخبارات المطابقة للواقع مع بعد المدة.." ([1])
ولهذا كان القرآن الكريم ينقسم بحسب عدّه وحسْبِه ومعانيه إلى ثلاثة أثلاث:
القسم الأول: قسم يختص بالتوحيد القسم الثاني: قسم مختص بالعبادات والمعاملات، أو بتعبير آخر : بالأمر والنهي. القسم الثالث: قسم يختص بالقصص ؛ كما نقل ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية -. ([2])
فحينما ترى أن ثلثًا من القرآن يحكي قصصًا وأنباء؛ فإنه إن دلّ على شيء فإنه يدل على أهمية القصة الصحيحة والاعتبار بها والادّكار ، وأخذ الدروس منها في النصر والهزيمة ، والمناقب والمثالب ، والتوفيق والخذلان. لقد كان من رحمة الله بخلقه أن أرسى لهم ثوابت وسننًا لا تتغير ولا تتبدل؛ يتخذ الناس منها قاعدة ثابتة في الاستفادة والعبرة، ولتستقيم بها الحياة، وليكون على اعتماد بها في كثير من قابلات الزمان من حركات وسكنات ؛ بل في سائر الحياة، وكذلك ليكون على اعتماد بها في سائر الحياة، وما هي إلا خبرة الزمان.. وإن حصل غير ذلك لظهر اضطراب الناس وعدم استقرارهم، في الوقت الذي لا يستفيدون منه بخبرة سابقة؛ إذا لم تكن هذه السنن. فلما كانت بحمد الله-ثابتة لا تتغير، ومطردة لا تتبدّل، وأن جُلّ ما حدث اليوم قد حدث سالفًا في التاريخ؛ فإنه من رحمة الله والأمر إليه-أيضًا أن ما يجري اليوم سيكون غدًا .. وهكذا إلى أن يشاء الله.
وما أجمل ما قاله المؤرخ [ابن] مسكويه في كتابه "تجارب الأمم وتعاقب الهمم" -في معرض حديثه عما نحن بصدده -: " وإنّي لمّا تصفّحت أخبار الأمم، وسير الملوك، وقرأت أخبار البلدان، وكتب التواريخ، وجدت فيها ما تستفاد منه تجربة لا تزال يتكرّر مثلها وينتظر حدوث شبهها وشكلها: كذكر مبادئ الدول، ونشء الممالك، وذكر دخول الخلل فيها بعد ذلك، وتلافى من تلافاه وتداركه إلى أن عاد إلى أحسن حال، وإغفال من أغفله واطّرحه إلى أن تأدّى إلى الاضمحلال والزوال، وذكر ما يتّصل بذلك من السياسات في عمارة البلدان، وجمع كلم الرعيّة، وإصلاح نيّات الجند، والحروب ومكايد الرجال، وما تمّ منها على العدوّ، وما رجع على صاحبه، وذكر الأسباب التي تقدّم بها قوم عند السلطان، والأحوال التي تأخّر لها آخرون، وما كان منها محمود الأوائل مذموم العواقب، وما كان بضدّ ذلك، وما استمرّ أوّله وآخره على سنن واحد، وذكر سياسات الوزراء، وأصحاب الجيوش، ومن أسند إليه حرب وسياسة، أو تدبير أو إيالة، فوفى بذلك وتأتّى له ، أو كان بخلاف ذلك" ([3])

ثم قال: "فإنّ أمور الدنيا متشابهة، وأحوالها متناسبة، وصار جميع ما يحفظه الإنسان من هذا الضرب كأنّه تجارب له، وقد دفع إليها، واحتنك بها، وكأنّه قد عاش ذلك الزمان كله، وباشر تلك الأحوال بنفسه، واستقبل أموره استقبال الخبر وعرفها قبل وقوعها، فجعلها نصب عينه وقبالة لحظه، فأعدّ لها أقرانها وقابلها بأشكالها. ([4])
" فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا" [فاطر: 43.]

إلا أنه ينبغي أن يكون في الحسبان أن هناك أحداثًا نطلق عليها بأنها "أحداث مختصة لا يقاس عليها" فمنها ما هي مختصة بآخر الزمان، لن تكون بأوّله، ومنها ما سيكون بآخره وقد كان بأوّله ولا يكون بينهما، ولك أن تقرأ في هذا ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله : «بدأ الإسلام غريبا، وسيعود كما بدأ غريبا، فطوبى للغرباء» ([5])، وهكذا الدجال، ويأجوج ومأجوج، وبعض العلامات التي أخبرت الشريعة بأنها ستحدث في آخر الزمان. فهي لا يقاس عليها، بمعنى أنها بلا جدل ليست سننا كونية يلزم بها الاعتبار إما لخصوصيتها، أو لتأخر وقوعها. إن المسلمين جميعًا من قديم الزمان وحديثه وآتيه، كالجسد الواحد، لأنهم اجتمعوا على كلمة التوحيد، وعقيدة الإسلام، ونبوة محمد ، وما وقع في تأريخهم من نصرٍ فهو نصرٌ أيضًا لمن تبعهم من المسلمين، وحينما نقول بأنهم جسد واحد فالمعنى أن الإسلام إذا مر بهزيمة في زمن سبق، فكذلك لا ينبغي للعقلاء أن يكرروها بهزيمة من عدو واحدٍ، فإنها في جسد واحد وهو أنهم مسلمون؛ وما أجمل أن نذكر هنا ما جاء الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي ، قال: «لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين» ، فليس العاقل إلا من حذق لهذه الأمور، وتفطن لأبعادها، ومارس الحنكة والغيرة واستحضار الجسد المسلم الذي برته الجراح وخاصة في هذا الزمان. وهأنذا أذكر مثالين أحدهما لم يعتبر فيه المسلمون من تجارب سابقة فهزموا، والآخر اعتبروا بسابقهم في التاريخ من إخوانهم من المسلمين فانتصروا، وقارئ التاريخ يجد أمثلة كثيرة.
وإنما ضربت المثال بالمسلمين لأنهم الشريحة التي يتمنى كل مسلم لهم النصر والمجد والسؤدد والغلبة، والله غالب على أمره، ولينصرن الله من ينصره.
فأما المثال الأول: فما نبأُ غزوة أحد عنا ببعيد! حيث أعاد المسلمون في معركة بلاط الشهداء نفس الخطأ فحلت بهم الهزيمة مجدداً ؛ فقد انتصروا في بداية المعركة على شارلمان وجنوده انتصاراً عظيماً بقيادة المجاهد العظيم عبدالرحمن الغافقي - تعالى- ، وحينها انشغل جزء من الجيش بالغنائم فقد حلت الكارثة، وذلك حين كر جيش العدو عليهم فوقعت الهزيمة ولا حول ولا قوة إلا بالله!.
وأما المثال الثاني وهو الاستفادة- ففي غزوة بدر الكبرى انتصر المسلمون انتصاراً عظيماً مع قلة عَدَدهم وعُدَدهم على المشركين بقضهم وقضيضهم ، وكان هذا الانتصار ملهباً لحماسة المسلمين في كل عصر ومصر، وأنهم متى ما تمسكوا بدينهم مع بذل ما يستطيعونه من الأسباب نصرهم الله ورفع قدرهم ، وكمثال على ذلك انتصار المسلمين في عين جالوت ضد التتار ( الجيش الذي لا يقهر بمنطق ذلك الزمان ) رغم تفوقه عليهم عدداً وعدةً ، ولكن لأن روح رجال بدْر حضرت في عين جالوت - روح الإيمان والعزيمة أقصد - أعاد المسلمون الصادقون انتصارات أجدادهم التي غيرت وجه التاريخ وأدخلت التتار بعد ذلك في رحاب الإسلام فعادوا بإسلامهم غزاةً فاتحين بعد أن كانوا عتاةً طامحين .
ومما يؤسف له: أن هناك ناسًا اهتموا بفضول التاريخ الذي لا ينبني على العلم به كبير فائدة، ولا عبرة؛ فانشغلوا به عن المهم ، وعن الأهم ، فإنما التاريخ حكمة وعبرة، وتذكرة وقصة.
وقد قال ابن عباس القطان للإمام أحمد: "أشتهي أن أجمع حديث الأنبياء، فقال: حتى تفرغ من حديث نبينا محمد
-".
وأكثر أسفًا على قومٍ جعلوا مثل هذه المنح من الأخبار متعةً يقضون بها الليالي والأسمار، ويتعطشون لسماعها ليهنأوا وينعموا، ثم يناموا، وكفى. لا شيء أكبر من ذلك. ناهيك عن عدم التوثق في نقلها؛ فقد امتلأت بالخرافات والخزعبلات والزيادات، وأغرب مما مضى من حرف مسار القصة السليمة لتتواءم مع فكره وعقيدته، أو إلى بلده وقوميته وانتماءاته، ولم يقرر بحسبانه أن التأريخ أمانة أمة، وإنارة شعبٍ آتٍ بشعبٍ ماضٍ، تقع منه العبرة والخبرة من سبل النصر واتباعها، أو من موارد الهلاك واجتنابها، ليعلموا أن أولئك هلكوا بتصرفهم ذلك، أو نجوا بسبب اتخاذ السبب الآخر. ولذا قال القحطاني -في نونيته:
لا تقبلنّ من التوارخِ كُلَّما ... كتبَ الرواةُ وخطّ كلُّ بنانِ
إن أشد الخيانات والتزويرات التي تواجه بني الإسلام هي أن ينخر كَتبةُ التاريخ في أحداثه ويزوروها، أو يوجّهوها على أبعادهم ، أو يقلبوا حقائقها، ويغيروا معالمها ، ويغبّشوا بذلك على قارئي التاريخ؛ فتجد اضطراب الأخبار في حادثة واحدة، واختلافها ليس اختلاف تنوع ؛ بل تضاد وتصادم، مما يجعل التاريخ سبهللًا والحالة هذه، لا ينتفع منه بنتيجة، ولا يجد القارئ منه خبرة، وعبرة؛ فضلًا عن العلماء والأمراء وقادة الجيوش المتحنكين؛ فإنهم سيجدون فجوة التزوير ظاهرة على لباسه وقماشه.
وفي الأخير : فهذه دعوة أضعها بقوة إلى الرؤساء والزعماء وقادة الجيوش من أهل الإسلام، وحراس الدين إلى أن يلتفتوا إلى تأريخهم، ومجد أجدادهم ، وما سطروه من فتوحات بأيادي بيضاء، وكيف استفادوا من الأخطاء التي حصلت بساحتهم، أو حدثت لسابقين من أمم قبلهم، فاستطاعوا بقدر الله- أن يقلبوا ظهر المجن ، ويصنعوا من الهزيمة نصرًا، ومن العسر يسرًا، ومن الشدة فرجًا. وحينما يرى الحكام والقادة أمورا وقصصا حصلت لبعض قادة الإسلام من مواطن الضعف والعجز والذل فإنهم لن يحمدوا فعل أولئك مهما بلغ الحال، ولذا قال ابن الأثير -: "[وإن] الملوك ومن إليهم الأمر والنهي إذا وقفوا على ما فيها من سيرة أهل الجور والعدوان ورآها مدونة في الكتب يتناقلها الناس فيرويها خلف عن سلف، ونظروا إلى ما أعقبت من سوء الذكر وقبيح الأحدوثة وخراب البلاد وهلاك العباد وذهاب الأموال وفساد الأحوال استقبحوها وأعرضوا عنها واطرحوها. وإذا رأوا سيرة الولاة العادلين وحسنها وما يتبعهم من الذكر الجميل بعد ذهابهم، وأن بلادهم وممالكهم عمرت وأموالهم درت استحسنوا ذلك ورغبوا فيه وثابروا عليه وتركوا ما ينافيه، هذا سوى ما يحصل لهم من معرفة الآراء الصائبة التي دفعوا بها مضرات الأعداء وخلصوا بها من المهالك واستصانوا نفائس المدن وعظيم الممالك ولو لم يكن فيها غير هذا لكفى به فخرا". اهـ ([6]) والله من وراء القصد.

وكتب: صالح بن عبد الله صالح البيضاني

حرر بتاريخ
13 جماد أول 1436هـ
5 / 3/ 2015م.


[1] الشوكاني، فتح القدير (3/ 74). ط. دار ابن كثير.

[2] ينظر: ابن تيمية ، مجموع الفتاوى (9/ 306)، (17/ 207). ط. مجمع الملك فهد.

[3] أبو علي أحمد بن محمد مسكويه، تجارب الأمم وتعاقب الهمم (1/ 47).

[4] المصدر السابق (1/47، 48).

[5] أخرجه مسلم في صحيحه [كتاب الإيمان، باب بيان أن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا، وأنه يأرز بين المسجدين (1/ 130 رقم 145).

[6] ابن الأثير، الكامل في التاريخ(1/ 10). ط. دار الكتاب العربي.