حُكْمُ التَّصْفِيْقِ

قَدْ
صَحَّ عَنْهُ كَمَا جَاءَ في الصَّحِيْحَيْنِ مِنْ حَدِيْثِ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ رَضِيَ الله عَنْهُ أنَّ رَسُوْلَ الله ذَهَبَ إلى بَنِي عَمْرِو بنِ عَوْفٍ ليُصْلِحَ بَيْنَهُم؛ فَحَانَتِ الصَّلاةُ؛ فَصَلَّى أبُو بَكْرٍ بالنَّاسِ، فَجَاءَ رَسُوْلُ الله ، وهُم في الصَّلاةِ فَصَفَّقَ النَّاسُ، وأكْثَرُوا مِنَ التَّصْفِيْقِ، حَتَّى الْتَفَتَ أبو بَكْرٍ، فَرَأى النَّبيَّ ؛ فتَأخَّرَ وتَقَدَّمَ النَّبِيُّ ... ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ : «مَا لِي أرَاكُم أكْثَرْتُم مِنَ التَّصْفِيْقِ؟! مَنْ نَابَهُ شَيءٌ في صَلاتِهِ؛ فلْيُسَبِّحْ فَإنَّهُ إذَا سَبَّحَ الْتُفِتَ إلَيْهِ، وإنَّمَا التَّصْفِيْقُ للنِّسَاءِ».
وكَذَا مَا أخْرَجَهُ البُخَارِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ
أنَّهُ قَالَ: «التَّسْبِيْحُ لِلرِّجَالِ، والتَّصْفِيقُ للنِّسَاءِ».
فَهَؤُلَاءِ شُرَّاحُ الحَدِيثِ كَافَّةً نَجِدُهُم يَجْعَلُونَ التَّصْفِيقَ مِنْ خَصَائِصِ النِّسَاءِ فِي الصَّلَاةِ، كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الأحَادِيْثِ.
لِهَذَا قَالَ الإمَامُ البَغَوِيُّ رَحِمَهُ الله فِي «شَرْحِ السُّنَّةِ» (3/274): «وَمِنْهَا أنَّ التَّصْفِيقَ سُنَّةُ النِّسَاءِ فِي الصَّلَاةِ إذَا نَابَ واحِدَةٌ مِنْهُنَّ شَيْءٌ فِي الصَّلَاةِ، وهُوَ أنْ تَضْرِبَ بِظُهُورِ أصَابِعِ اليُمْنَى صَفْحَ الكَفِّ اليُسْرَى، قَالَ عِيسَى بْنُ أيُّوبَ: تَضْرِبُ بِإصْبَعَيْنِ مِنْ يَمِينِهَا عَلَى كَفِّهَا اليُسْرَى» انْتَهَى.
وقَالَ ابنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ الله «الفَتْحُ» (3/77): «ومَنْعُ الرِّجَالِ مِنَ التَّصْفِيْقِ؛ لأنَّهُ مِنْ شَأنِ النِّسَاءِ» انْتَهَى.
وقَالَ العِزُّ بنُ عَبْدِ السَّلامِ رَحِمَهُ الله «قَوَاعِدُ الأحْكَامِ» (2/186): «وقَدْ حَرَّمَ بَعْضُ العُلَمَاءِ التَّصْفِيْقِ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «
إنَّمَا التَّصْفِيْقُ للنِّسَاءِ»، و«لَعَنَ عَلَيْهِ السَّلامُ المُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بالرِّجَالِ، والمُتَشَبِّهِيْنَ مِنَ الرِّجَالِ بالنِّسَاءِ» انْتَهَى.
وقَالَ ابنُ الجَوْزِيُّ رَحِمَهُ الله «تَلْبِيْسُ إبْلِيْسَ» (1/316): «وفِيْهِ (التَّصْفِيْقُ) أيْضًا تَشَبُّهٌ بالنِّسَاءِ، والعَاقِلُ يَأنَفُ مِنْ أنْ يَخْرُجَ عَنِ الوَقَارِ إلى أفْعَالِ الكُفَّارِ والنِّسْوَةِ» انْتَهَى.
وَقَالَ صَاحِبُ «عَوْنِ المَعْبُودِ» (2/152): «فِيهِ أنَّ السُّنَّةَ لِمَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي الصَّلَاةِ كَإعْلَامِ مَنْ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهِ، وتَنْبِيهِ الإمَامِ وغَيْرِ ذَلِكَ إنْ سَبَّحَ يُسَبِّحُ إنْ كَانَ رَجُلاً فَيَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وأنْ تُصَفِّقَ إنْ كَانَتِ امْرَأةٌ... وكَأنَّ مَنْعَ النِّسَاءِ مِنَ التَّسْبِيحِ لأنَّهَا مَأْمُورَةٌ بِخَفْضِ صَوْتِهَا فِي الصَّلَاةِ مُطْلَقًا لِمَا يُخْشَى مِنَ الافْتِتَانِ ومُنِعَ الرِّجَالُ مِنَ التَّصْفِيقِ لأنَّهُ مِنْ شَأْنِ النِّسَاءِ قَالَهُ الحَافِظُ» انْتَهَى.
وَقَالَ العَلَّامَةُ عَلِيٌّ القَارِئُ فِي «مِرْقَاةِ المَفَاتِيحِ» (3/73): «فَإنَّمَا التَّصْفِيقُ: وهُوَ ضَرْبُ إحْدَى اليَدَيْنِ عَلَى الأُخْرَى لِلنِّسَاءِ لانَّ صَوْتَهُنَّ عَوْرَةٌ قَالَهُ ابْنُ مَالِكٍ، وقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أيْ لَا لِلرِّجَالِ فَإنَّهُ بَعْدَ أنْ غَلَبَ فِي النِّسَاءِ صَارَ لَا يَلِيقُ بِشَهَامَةِ الرِّجَالِ...» انْتَهَى.
وقَالَ الشَّوكَانيُّ رَحِمَهُ الله «نَيْلُ الأوْطَارِ» (3/182): «قَوْلُهُ
«أكْثَرْتُمُ التَّصْفِيْقَ»، ظَاهِرُهُ أنَّ الإنْكَارَ إنَّمَا حَصَلَ لكَثْرَتِهِ لا لمُطْلَقِهِ، ولكِنَّ قَوْلَهَ «إنَّمَا التَّصْفِيْقُ للنِّسَاءِ»، يَدُلُّ على مَنْعِ الرِّجَالِ مِنْهُ مُطْلقًا» انْتَهَى.
* * *
قُلْتُ: مَا ذَكَرَهُ الشَّوكَانيُّ رَحِمَهُ الله سَدِيْدٌ وصَوَابٌ لأمُوْرٍ:
الأمْرُ الأوَّلُ: أنَّ النَّبيَّ عَلَّلَ هَذَا النَّهْيَ بقَوْلِهِ: «إنَّمَا التَّصْفِيْقُ للنِّسَاءِ»، وهَذِهِ عِلَّةٌ عَامَّةٌ تَشْمَلُ التَّصْفِيْقَ دَاخِلَ الصَّلاةِ، وخَارِجَها.
الأمْرُ الثَّاني: أنَّه اقْتَصَرَ على قَوْلِهِ: «إنَّمَا»، الدَّالَة على الحَصْرِ والقَصْرِ في الألْفَاظِ، لِذَا كَانَ التَّصْفِيْقُ خَارِجَ الصَّلاةِ فِيْهِ تَشَبُّهٌ بالنِّسَاءِ، وقَدْ ثَبَتَ اللَّعْنُ المُتَرَتِّبُ على التَّشَبُّهِ بِهِنَّ، عِيَاذًا بالله!
* * *
مَسْألَةٌ: ومِنْ خِلالِ مَا ذَكَرْنَاهُ هُنَا؛ وهُوَ جَوَازُ التَّصْفِيْقِ للنِّسَاءِ دَاخِلِ الصَّلاةِ، إلَّا أنَّهُ حَرَامٌ عَلَيْهِنَّ التَّصْفِيْقُ خَارِجَ الصَّلاةِ، لأنَّ الشَّرِيْعَةَ لم تُبِحْهُ لَهُنَّ إلَّا دَاخِلَ الصَّلاةِ لعِلَّةِ التَّنْبِيْهِ والتَّعْلِيْمِ مِنَ النَّوَائِبِ لَيْسَ إلَّا، ومَا زَادَ على ذَلِكَ مِنْهُنَّ فَهُوَ حَرَامٌ، لعُمُوْمِ الأدِلَّةِ الدَّالَّةِ على تَحْرِيْمِ التَّصْفِيْقِ ابْتِدَاءً، والله المُوَفِّقُ.
* * *
وقَدْ قَالَ تَعَالَى: «وما كان صلاتهم عند البيت إلاَّ مكاءً وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون» (الأنفال:35).
قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُ: «كَانَتْ قُرَيْشٌ تَطُوْفُ بالبَيْتِ عُرَاةً يُصَفِّقُوْنَ ويُصَفِّرُوْنَ، فَكَانَ ذَلِكَ عِبَادَةٌ في ظَنِّهم، والمُكَاءُ: الصَّفيرُ، والتَّصْدِيَّةُ: التَّصْفيقُ، قَالَه عَطِيَّةُ، ومُجَاهِدٌ، والضَّحَّاكُ، والحَسَنُ، وقَتَادَةُ، والسُّدِّيُّ رَحِمَهُم الله، وابنُ عَبَّاسٍ، وابنُ عُمَرَ رضِيَ الله عَنْهُما.
وقَالَ حَسَّانُ بنُ ثَابِتٍ رَضِيَ الله عَنْهُ يُعِيْبُ على المُشْرِكِيْنَ هَذَا الفِعْلَ:
إذَا قَامَ المَلائِكَةُ انْبَعَثْتُم --- صَلاتُكُمُ التَّصَدِّي والمُكَاءُ
وقَالَ قَتَادَةُ: «المُكَاءُ ضَرْبٌ بالأيْدِي، والتَّصْدِيَةُ صِيَاحٌ».
قَالَ القُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ الله في «الجامِعِ لأحْكَامِ القُرْآنِ» (7/382): «وعلى التَّفْسِيْرَيْنِ فَفيه رَدٌّ على الجُهَّالِ مِنَ الصُّوْفيةِ الَّذِيْنَ يَرْقُصُوْنَ ويُصَفِّقُوْنَ، وذَلِكَ كُلُّه مُنْكَرٌ يَتَنَزَّهُ عَنْ مِثْلِه العُقَلاءُ، ويَتَشَبَّهُ فَاعِلُه بالمُشْرِكِيْنَ فيما كَانُوا يَفْعَلُوْنَه عِنْدَ البَيْتِ» انْتَهَى.
قَالَ ابنُ الجَوْزِيُّ رَحِمَهُ الله في «تَلْبِيْسِ إبْلِيْسَ» (1/316):: «والتَّصْفِيْقُ مُنْكَرٌ يُطْرِبُ، ويُخْرِجُ عَنِ الاعْتِدَالِ، وتَتَنَزَّهُ عَنْ مِثْلِهِ العُقَلاءُ، ويَتَشَبَّهُ فَاعِلُهُ بالمُشْرِكِيْنَ فِيْمَا كَانُوا يَفْعَلُوْنَهُ عِنْدَ البَيْتِ مِنَ التَّصْدِيَةِ، وهِيَ الَّتِي ذَمَّهُمُ الله عَزَّ وجَلَّ بِهَا، فَقَالَ: «
ومَا كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية»، فالمُكَاءُ: الصَّفِيْرُ، والتَّصْدِيَةُ: التَّصْفِيْقُ» انْتَهَى.
* * *
ومِنْ خِلالِ مَا ذَكَرْنَاهُ هُنَا؛ بأنَّ التَّصْفِيْقَ كَانَ مِنْ فِعْلِ المُشْرِكِيْنَ في عِبَادَتِهِم عِنْدَ البَيْتِ؛ فَكَانَ والحَالَةُ هَذِهِ تَحْرِيْمُ فِعْلِهِ على المُسْلِمِ مُطْلقًا، سَوَاءٌ كَانَ على وَجْهِ العِبَادَةِ، أو العَادَةِ.
أمَّا إنْ كَانَ فِعْلُهُ مِنَ المُسْلِمِ على وَجْهِ العِبَادَةِ؛ فَهَذَا مُحَرَّمٌ بالإجْمَاعِ عِيَاذًا بالله، ولا أظُنُّ مُسْلِمًا يَفْعَلُهُ على هَذَا الوَجْهِ، وهَذَا مَا ذَكَرَهُ ابنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ الله في «الاقْتِضَاءِ».
وأمَّا إنْ كَانَ فِعْلُهُ مِنَ المُسْلِمِ على وَجْهِ العَادَةِ، مِمَّا يُقْصَدُ بِهِ السُّرُوْرَ والتَّعَجُّبَ؛ فَهَذَا مُحَرَّمٌ أيْضًا؛ لِمَا فِيْهِ مِنَ التَّشَبُّهِ المَذْمُوْمِ الَّذِي نَهَى عَنْهُ الله والرَّسُوْلُ !
وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ
أنَّهُ قَالَ: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» أحْمَدُ، وأبُو دَاوُدَ، وغَيْرُهُمَا عَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُمَا، وهُوَ صَحِيحٌ.
قَالَ ابنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ الله في «اقْتِضَاءِ الصِّرَاطِ المُسْتَقِيْمِ» (1/237): «وهَذَا الحَدِيْثُ أقَلُّ أحْوَالِهِ يَقْتَضِي تَحْرِيْمَ التَّشَبُّهِ بِهِم، وإنْ كَانَ ظَاهِرُهُ يَقْتَضِي كُفْرَ المُتَشَبِّهِ بِهِم، كَمَا في قَوْلِهِ تَعَالى: «
ومَنْ يتولهم منكم فإنه منهم» الآية، وقَالَ أيْضًا عَنِ الحَدِيْثِ (1/181): «مُوْجِبُ هَذَا تَحْرِيْمُ التَّشَبُّهِ بِهِم مُطْلَقًا» انْتَهَى.
لِذَا فَقَدْ دَلَّ هَذَا الحَدِيْثُ النَّبوِيُّ الصَّحِيْحُ على تَحْرِيْمِ التَّصْفِيْقِ، ولَوْ كَانَ على وَجْهِ العَادَةِ؛ مِنْ وُجُوْهٍ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ التَّصْفِيْقَ مِنْ فِعْلِ المُشْرِكِيْنَ، حَيْثُ كَانُوا يَتَّخِذُوْنَهُ عِبَادَةً، فَعِنْدَهَا كَانَ التَّشَبُّهُ بأفْعَالِهِم التَّعَبُّدِيَّةِ مُحَرَّمٌ، ولَوْ كَانَ مِنَّا على وَجْهِ اللَّعِبِ والسُّرُوْرِ، لأنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ مِنْ قَاعِدَةِ النَّهْي عَنِ التَّشَبُّهِ بالكَافِرِيْنَ عَدَمُ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ والقَصْدِ، لأنَّ المُخَالَفَةَ مَقْصُوْدَةٌ شَرْعًا، ولَوْ تَجَرَّدَتْ عَنْ قَصْدِ التَّشَبُّهِ.
لذا قَالَ ابنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ الله «الاقْتِضَاءُ» (1/196): «وكَانَ فِيْهِ تَنْبِيْهٌ عَلى أنَّ كُلَّ مَا يَفْعَلُهُ المُشْرِكُوْنَ مِنَ العِبَادَاتِ ونَحْوِهَا مِمَّا يَكُوْنُ كُفْرًا أو مَعْصِيَةً بالنِّيَّةِ يُنْهَى المُؤمِنُوْنَ عَنْ ظَاهِرِهِ وإنْ لم يَقْصِدُوا بِهِ قَصْدَ المُشْرِكِيْنَ سَدًّا للذَّرِيْعَةِ، وحَسْمًا للمَادَّةِ» انْتَهَى.
الوَجْهُ الثَّاني: أنَّ التَّصْفِيْقَ مِنْ شَأنِ النِّسَاءِ، كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا، كَمَا أنَّه مِنْ تَوَاقُحِ أهْلِ الغِنَاءِ المُخَنَّثِيْنَ، ومِنْ تَصَنُّعِ الحَمْقَى أهْلِ الرُّعُوْنَةِ والخِفَّةِ مِنَ النِّسَاءِ والرِّجَالِ، ومِنْ زَبَدِ الطُّرُقِيَّةِ مِنَ أهْلِ التَّصَوُّفِ والبِدَعِ، كَمَا أنَّهُ أيْضًا مِنْ بَقَايَا عَادَاتِ الدُّوَلِ الكَافِرَةِ الَّتِي جَثَتْ على كَثِيرٍ مِنْ بِلادِ المُسْلِمِيْنَ... فَكَانَ تَحْرِيْمُهُ مِنْ هَذَا الوَجْهِ قَائِمٌ لا مُعَارِضَ لَهُ، ولاسِيَّمَا إذَا عَلِمْنَا مَا يَلي.
الوَجْهُ الثَّالِثُ: أنَّ التَّصْفِيْقَ مُخَالِفٌ لهَدْي النَّبيِّ ، ولفِعْلِ الصَّحَابَةِ، والتَّابِعِيْنَ، وسَلَفِ هَذِهِ الأمَّةِ.
فَقَدْ تَوَاتَرَ عَنْ أهْلِ الصَّدْرِ الأوَّلِ مِنَ الصَّحَابَةِ، والتَّابِعِيْنَ، ومَنْ تَبِعَهُم بإحْسَانٍ؛ أنَّهُم كَانُوا إذَا اسْتَحْسَنُوا شَيْئًا أو تَعَجَّبُوا مِنْهُ: كَبَّرُوا الله، أو سَبَّحُوْهُ، والأدِلَّةُ على ذَلِكَ كَثِيْرَةٌ، فمِنْهَا:
مَا أخْرَجَهُ البُخَارِيُّ ومُسْلِمٌ مِنْ حَدِيْثِ عَبْدِ الله بنِ مَسْعُوْدٍ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُوْلُ الله
: «أمَا تَرْضَوْنَ أنْ تَكُوْنُوا رُبْعَ أهْلِ الجَنَّةِ؟»، فَكَبَّرْنَا، ثُمَّ قَالَ: «أمَا تَرْضَوْنَ أنْ تَكُوْنُوا ثُلُثَ أهْلِ الجَنَّةِ»، فَكَبَّرْنَا، ثُمَّ قَالَ: «إنِّي لأرْجُو أنْ تَكُوْنُوا شَطْرَ أهْلِالجَنَّةِ!».
ومَا أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرَ بنِ سَمُرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُوْلَ الله
يَقُوْلُ: «لا يَزَالُ هَذَا الدِّيْنُ عَزِيْزًا إلى اثْنَيْ عَشَرَخَلِيْفَةً»، وزَادَ أبو دَاوُدَ (4280): «فَكَبَّرَ النَّاسُ، وضَجُّوا!»، ثُمَّ قَالَ كَلِمَةً خَفِيْفَةً، فقُلْتُ لأبي: يَا أبَةِِ مَا قَالَ؟ قَالَ: «كُلُّهُمْ مِنْقُرَيْشٍ»، والحَدِيْثُ صَحِيْحٌ.
ومَا أخْرَجَهُ البُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُ أنَّهُ قَالَ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ
: طَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ الله أكْبَرُ».
ومَا أخْرَجَهُ البُخَارِيُّ ومُسْلِمٌ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ الله عَنْهُ أنَّه قَالَ: أيُّهَا النَّاسُ إنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ
يَقُولُ: «يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنْ أمَّتِي يَقْرَءُونَ القُرْآنَ لَيْسَ قِرَاءَتُكُمْ إلَى قِرَاءَتِهِمْ بِشَيْءٍ، ولَا صَلَاتُكُمْ إلَى صَلَاتِهِمْ بِشَيْءٍ، وَلَا صِيَامُكُمْ إلَى صِيَامِهِمْ بِشَيْءٍ؛ يَقْرَءُونَ القُرْآنَ يَحْسِبُونَ أنَّهُ لَهُمْ، وَهُوَ عَلَيْهِمْ، لَا تُجَاوِزُ صَلَاتُهُمْ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنْ الإسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ، لَوْ يَعْلَمُ الْجَيْشُ الَّذِينَ يُصِيبُونَهُمْ مَا قُضِيَ لَهُمْ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِمْ لَاتَّكَلُوا عَنِ العَمَلِ، وَآيَةُ ذَلِكَ أنَّ فِيهِمْ رَجُلًا لَهُ عَضُدٌ، وَلَيْسَ لَهُ ذِرَاعٌ، عَلَى رَأسِ عَضُدِهِ مِثْلُ حَلَمَةِ الثَّدْيِ عَلَيْهِ شَعَرَاتٌ بِيضٌ»، فَتَذْهَبُونَ إلَى مُعَاوِيَةَ وأهْلِ الشَّامِ وَتَتْرُكُونَ هَؤُلَاءِ يَخْلُفُونَكُمْ فِي ذَرَارِيِّكُمْ وأمْوَالِكُمْ، والله إنِّي لَأرْجُو أنْ يَكُونُوا هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ فَإنَّهُمْ قَدْ سَفَكُوا الدَّمَ الْحَرَامَ وأغَارُوا فِي سَرْحِ النَّاسِ فَسِيرُوا عَلَى اسْمِ الله»، قَالَ: سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ: فَنَزَّلَنِي زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ مَنْزِلًا حَتَّى قَالَ مَرَرْنَا عَلَى قَنْطَرَةٍ فَلَمَّا الْتَقَيْنَا، وَعَلَى الْخَوَارِجِ يَوْمَئِذٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ الرَّاسِبِيُّ، فَقَالَ لَهُمْ: ألْقُوا الرِّمَاحَ وَسُلُّوا سُيُوفَكُمْ مِنْ جُفُونِهَا فَإنِّي أخَافُ أنْ يُنَاشِدُوكُمْ كَمَا نَاشَدُوكُمْ يَوْمَ حَرُورَاءَ، فَرَجَعُوا فَوَحَّشُوا بِرِمَاحِهِمْ وَسَلُّوا السُّيُوفَ وَشَجَرَهُمْ النَّاسُ بِرِمَاحِهِمْ، قَالَ وَقُتِلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَمَا أُصِيبَ مِنْ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ إلَّا رَجُلَانِ، فَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الْتَمِسُوا فِيهِمْ الْمُخْدَجَ؟ فَالْتَمَسُوهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَقَامَ عَلِيٌّ رَضِيَ الله عَنْهُ بِنَفْسِهِ حَتَّى أتَى نَاسًا قَدْ قُتِلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ قَالَ: أخِّرُوهُمْ؟ فَوَجَدُوهُ مِمَّا يَلِي الأرْضَ، فَكَبَّرَ! ثُمَّ قَالَ: صَدَقَ الله، وَبَلَّغَ رَسُولُهُ، قَالَ فَقَامَ إلَيْهِ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ، فَقَالَ: يَا أمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اللهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إلَّا هُوَ لَسَمِعْتَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ؟ فَقَالَ: إيْ والله الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ؛ حَتَّى اسْتَحْلَفَهُ ثَلَاثًا، وَهُوَ يَحْلِفُ لَهُ!
وقَدْ تَرْجَمَ النَّووِيُّ رَحِمَهُ الله في كِتَابِه «الأذْكَارَ» (بَابَ جَوَازِ التَّعَجُّبِ بلَفْظِ التَّسْبِيْحِ والتَّهْلِيْلِ ونَحْوهِمَا).
ثُمَّ قَالَ: رُوِّيْنَا في صَحِيْحَي البُخَارِيِّ ومُسْلِمٍ؛ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ لَقِيَهُ وهُوَ جُنُبٌ، فانْسَلَّ، فَذَهَبَ فاغْتَسَلَ، فتَفَقَّدَهُ النَّبِيُّ
، فلَّمَا جَاءَ قَالَ: «أيْنَ كُنْتَ يَا أبَا هُرَيْرَةَ؟» قَالَ: يَا رَسُوْلَ الله لَقِيْتَنِي وأنَا جُنُبٌ فَكَرِهْتُ أنْ أجَالِسُكَ حَتَّى أغْتَسِلَ، فَقَالَ: «سُبْحَانَ الله، إنَّ المُؤمِنَ لا يَنْجَسُ!».
وقَالَ رُوِّيْنَا في صَحِيْحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا، أنَّ امْرَأةً سَألَتِ النَّبِيَّ
عَنْ غُسْلِهَا مِنَ الحَيْضِ، فَأمَرَهَا كَيْفَ تَغْتَسِلُ، قَالَ: «خُذِي فِرْصَةً مِنْ مِسْكٍ فتَطَهَّرِي بِهَا»، قَالَتْ: كَيْفَ أتَطَهَّرُ بِهَا؟ قَالَ: «تَطَهَّرِي بِهَا»، قَالَتْ: كَيْفَ؟ قَالَ: «سُبْحَانَ الله تَطَهَّرِي»، فاجْتَذَبْتُهَا إلَيَّ، فَقُلْتُ: تَتَبَّعِي أثَرَ الدَّمِّ» انْتَهَى.
ومَا أخْرَجَهُ البُخَارِيُّ ومُسْلِمٌ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ مَرْفُوْعًا: «
بَيْنَمَا رَاعٍ في غَنَمِهِ عَدا الذِّئْبُ فَأخَذَ مِنْهَا شَاةً، فطَلَبَهَا حَتَّى اسْتَنْقَذَهَا فالتَفَتَ إلَيْهِ الذِّئْبُ فَقَالَ لَهُ: مَنْ لَهَا يَوْمَ السَّبُعِ لَيْسَ لَهَا رَاعٍ غَيْري؟ فَقَالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ الله! فَقَالَ: فَإنِّي أُومِنُ بِهِ وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ!».
* * *
ومِنْ هُنَا دَلَّتِ الأدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ، عَلى سُنِّيَّةِ التَّكْبِيْرِ والتَّسْبِيْحِ في مَوَاطِنِ التَّعَجُبِ والسُّرُوْرِ والتَّشْجِيْعِ، ومُنَابَذَةِ طَرَائِقِ المُشْرِكِيْنَ وأهْلِ البِدَعِ والتَّخَنُّثِ مِنَ المُغَنِّيْنَ، ومُفَارَقَةِ صَنَائِعِ النِّسَاءِ في الصَّلاةِ، والله وَلِيُّ الصَّالِحِيْنَ.
* * *
ومِنْ خِلَالِ شَرْحِ الآيَةِ والحَدِيثِ، نَعْلَمُ أنَّ أقْوَالَ أهْلِ العِلْمِ لَا تَخْرُجُ عَنْ قَوْلَيْنِ:
الأوَّلُ: مِنْهُمْ مَنْ يُطْلِقُ التَّفْرِيقَ بَيْنَ الرِّجَالِ والنِّسَاءِ مِنْ حَيْثُ الخُصُوصِيَّةِ فَلِلرِّجَالِ التَّسْبِيحُ، ولِلنِّسَاءِ التَّصْفِيقُ.
الثَّانِي: ومِنْهُمْ مَنْ يَزِيدُ عَلَى هَذَا بِجَعْلِ التَّصْفِيقِ مِنْ شَأْنِ النِّسَاءِ والتَّشَبُّهِ بِهِنَّ، وعَلَيْهِ لَا يَجُوزُ التَّصْفِيقُ فِي حَقِّ الرِّجَالِ سَوَاءً دَاخِلَ الصَّلَاةِ أوْ خَارِجَهَا، وهُنَاكَ أقْوَالٌ لَا تَذْهَبُ بَعِيدًا عَنِ الجَادَّةِ.
* * *
وسَنَكْتَفِي بِقَوْلِ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ فِي تَحْرِيمِ التَّصْفِيقِ.
قَالَ شَيْخُ الإسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ الله فِي «مَجْمُوعِ الفَتَاوَى» (11/565): «وَأمَّا الرِّجَالُ عَلَى عَهْدِهِ فَلَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِنْهُمْ يَضْرِبُ بِدُفٍّ ولَا يُصَفِّقُ بِكَفٍّ، بَلْ قَدْ ثَبَتَ عَنْهُ
فِي الصَّحِيحِ أنَّهُ قَالَ: «التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ والتَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ»، «وَلَعَنَ المُتَشَبِّهَاتِمِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ والمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ».
وَلَمَّا كَانَ الغِنَاءُ والضَّرْبُ بِالدُّفِّ والكَفِّ مِنْ عَمَلِ النِّسَاءِ، كَانَ السَّلَفُ يُسَمُّونَ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنَ الرِّجَالِ مُخَنَّثًا، ويُسَمُّونَ الرِّجَالَ المُغَنِّينَ مَخَانِيثَ، وهَذَا مَشْهُورٌ فِي كَلَامِهِمْ» انْتَهَى.
وَقَالَ المَاوَرْدِيُّ، والشَّاشِيُّ، وصَاحِبُ «الاسْتِقْصَاءِ»، و«الكَافِي»، والخَوَارِزْمِيُّ مِنْ «كَافِيهِ»، وقَالَ إبْرَاهِيمُ المَرْوَزِيُّ: وقَالَ القَاضِي حُسَيْنٌ: تُرَدُّ بِهِ شَهَادَةُ فَاعِلِيهِ، قَالَ الأذْرَعِيُّ: هَذَا يُشْعِرُ بِأنَّ الشَّافِعِيَّ يَكْرَهُ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ...
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ الهَيْتَمِيُّ: الظَّاهِرُ أنَّ ذِكْرَهُمْ لِلْقَضِيبِ والوَسَائِدِ مِثَالٌ، وأنَّ الضَّرْبَ بِاليَدِ عَلَى الوِسَادَةِ أوْ غَيْرِهَا يَجْرِي فِيْهِ الخِلَافُ المَذْكُورُ، لأنَّ العِلَّةَ أنَّهُ يَزِيدُ الغِنَاءَ طَرَبًا.
قَالَ: وقَدْ حَرَّمَ بَعْضُ العُلَمَاءِ التَّصْفِيقَ عَلَى الرِّجَالِ بِقَوْلِهِ
: «إنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ»، وعِبَارَةُ الحَلِيمِيِّ: فَإنَّهُ مِمَّا يَخْتَصُّ بِهِ النِّسَاءُ، وقَدْ مُنِعُوا مِنَ التَّشَبُّهِ بِهِنَّ... وقَالَ الأذْرَعِيُّ: وهُوَ يُشْعِرُ بتَحْرِيْمِهِ على الرِّجَالِ»، ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ الهَيْتَمِيُّ فِي «الزَّوَاجِرِ» (2/297).
* * *
وَكَذَلِكَ سُئِلَ سَمَاحَةُ شَيْخِنَا العَلَّامَةُ: عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ بَازٍ رَحِمَهُ الله تَعَالَى عَنْ حُكْمِ التَّصْفِيقِ لِلرِّجَالِ، وهَذَا نَصُّ السُّؤَالِ، كَمَا جَاءَ فِي «كِتَابِ الدَّعْوَةِ» (1/227):
«
سُؤَالٌ: التَّصْفِيقُ بِالمُنَاسَبَاتِ والحَفَلَاتِ هَلْ هُوَ جَائِزٌ أوْ مَكْرُوهٌ؟
الجَوَابُ: التَّصْفِيقُ فِي الحَفَلَاتِ مِنْ أعْمَالِ الجَاهِلِيَّةِ وأقَلُّ مَا يُقَالُ فِيْهِ الكَرَاهَةُ، والأظْهَرُ فِي الدَّلِيلِ تَحْرِيمُهُ لانَّ المُسْلِمِيْنَ مَنْهِيُّونَ عَنِ التَّشَبُّهِ بِالكَفَرَةِ، وقَدْ قَالَ الله سُبْحَانَهُ فِي وصْفِ الكُفَّارِ مِنْ أهْلِ مَكَّةَ: «وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ البَيْتِ إلاَّ مُكَاءً وتَصْدِيَةً»، قَالَ العُلَمَاءُ: المُكَاءُ الصَّفِيرُ، والتَّصْدِيَةُ: التَّصْفِيقُ، والسُّنَّةُ لِلْمُؤْمِنِ إذَا رَأى أوْ سَمِعَ مَا يُعْجِبُهُ أوْ مَا يُنْكِرُهُ أنْ يَقُولَ: سُبْحَانَ الله، أوْ يَقُولَ: الله أكْبَرُ; كَمَا صَحَّ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ فِي أحَادِيثَ كَثِيرَةٍ، ويُشْرَعُ التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ خَاصَّةً إذَا نَابَهُنَّ شَيْءٌ فِي الصَّلَاةِ وكُنَّ مَعَ الرِّجَالِ فَسَهَا الإمَامُ فِي الصَّلَاةِ فَإنَّهُنَّ يُشْرَعُ لَهُنَّ التَّنْبِيهُ بِالتَّصْفِيقِ، أمَّا الرِّجَالُ فَيُنَبِّهُونَهُ بِالتَّسْبِيحِ، كَمَا صَحَتْ بِذَلِكَ السُّنَّةُ عَنِ النَّبِيِّ ، وبِهَذَا يُعْلَمُ أنَّ التَّصْفِيقَ مِنَ الرِّجَالِ فِيْهِ تُشَبُّهٌ بِالكَفَرَةِ والنِّسَاءِ، وكِلَاهُمَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ، والله ولِيُّ التَّوْفِيقِ» انْتَهَى.
وَكَذَلِكَ سُئِلَ شَيْخُنَا العَلَّامَةُ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ العُثَيْمِينَ رَحِمَهُ الله تَعَالَى عَنْ حُكْمِ التَّصْفِيقِ لِلرِّجَالِ وهَذَا نَصُّ السُّؤَالِ، كَمَا جَاءَ فِي «فَتَاوَى الشَّيْخِ مُحَمَّدِ الصَّالِحِ العُثَيْمِينَ» (2/934)، جَمَعَهُ أشْرَفُ بْنُ عَبْدِ المَقْصُودِ.
«
سُؤَالٌ: مَا هُوَ الحُكْمُ فِيمَا يَفْعَلُهُ النَّاسُ فِي الحَفْلَاتِ مِنَ التَّصْفِيقِ والصَّفِيرِ؟
الفَتْوَى: الحُكْمُ فِي هَذَا أنَّهُ مُتَلَقًّى مِنْ غَيْرِ المُسْلِمِيْنَ فِيمَا يَظْهَرُ فَلِذَلِكَ لَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أنْ يَسْتَعْمِلَهُ، وإنَّمَا إذَا أعْجَبَهُ شَيْءٌ يُكَبِّرُ أوْ يُسَبِّحُ الله عَزَّ وجَلَّ، ولَيْسَ أيْضًا عَلَى سَبِيلِ التَّكْبِيرِ الجَمَاعِيِّ، كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ إنَّمَا يُسَبِّحُ الإنْسَانُ بَيْنَهُ وبَيْنَ نَفْسِهِ، وأمَّا التَّكْبِيرُ الجَمَاعِيُّ أوِ التَّسْبِيحُ الجَمَاعِيُّ عِنْدَمَا يَأْتِي شَيْءٌ يَدْعُو لِلْعَجَبِ فَهَذَا لَا أعْلَمُ لَهُ أصْلاً» انْتَهَى.
* * *
وهَاكَ مَا حَرَّرَهُ شَيْخُنَا بَكْرٌ أبو زَيْدٍ رَحِمَهُ الله في هَذِهِ المَسْألَةِ، كَما جَاءَ في كِتَابِهِ «تَصْحِيْحِ الدُّعَاءِ» (87) بقَوْلِهِ: «ثُمَّ في أثْنَاءِ القَرْنِ الرَّابِعَ عَشَرَ تَسَلَّلَ إلى المُسْلِمِيْنَ في اجْتِماعَاتِهِم واحْتِفَالاتِهم، التَّصْفِيْقُ عِنْدَ التَّعَجُّبِ، تَشَبُّهًا بِما لَدَى المُشْرِكِيْنَ مِنَ التَّصْفِيْقِ للتَّشْجِيْعِ والتَّعَجُّبِ.
وإذا كَانَ التَّصْفِيْقُ في حَالَةِ التَّعَبُّدِ: بِدْعَةً ضَلالَةً، كَما تَقَدَّمَ، فإنَّ اتِّخَاذَهُ عَادَةً في المَحَافِلِ والاجْتِماعَاتِ؛ للتَّشْجِيْعِ والتَّعَجُّبِ، تَشَبُّهٌ مُنْكَرٌ، ومَعْصِيَةٌ يَجِبُ أنْ تُنْكَرَ، وذَلِكَ لما يَلي:
مَعْلُوْمٌ أنَّ هَدْيَ النَّبيِّ عِنْدَ التَّعَجُّبِ، هُو الثَّناءُ على الله تَعَالى، وذِكْرُهُ بالتَّكْبِيْرِ، والتَّسْبِيْحِ، والتَّهْلِيْلِ ونَحْوِهَا، والأحَادِيْثُ في هَذَا كَثِيْرةٌ شَهِيْرةٌ في كُتُبِ السُّنَّةِ، تَرْجَمَ لبَعْضِهَا الإمَامُ البُخَارِيُّ رَحِمَهُ الله تَعَالى، في «صَحِيْحِهِ» فَقَالَ: «بَابُ التَّكْبِيْرِ والتَّسْبِيْحِ عِنْدَ التَّعَجُّبِ»، وأدْخَلَهَا العُلَماءُ في كُتُبِ الأذْكَارِ، مِنْهُمُ الإمَامُ النَّووِيُّ رَحِمَهُ الله تَعَالى في: «كِتَابِ الأذْكَارِ»، فَقَالَ: «بَابُ جَوازِ التَّعَجُّبِ بلَفْظِ التَّسْبِيْحِ، والتَّهْلِيْلِ ونَحْوِهَا»، وعلى هَذَا الهَدْي المُبَارَكِ، دَرَجَ سَلَفُ هَذِهِ الأمَّةِ مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ الله عَنْهُم فَمَنْ تَبِعَهُم بإحْسَانٍ إلى يَوْمِنَا هَذَا، والحَمْدُ لله، وفي هَذَا اسْتِمْرَارُ حَالِ المُسْلِمِ بتَعْظِيْمِ الله، وتَمْرِيْنِ لِسَانِهِ على ذِكْرِ الله تَعَالى.
إذَا عُلِمَ ذَلِكَ، فَإنَّا لا نَعْلَمُ في المَرْوِيَّاتِ عَنِ المُقْتَدى بِهم مِنْ أئِمَّةِ الهُدَى، التَّصْفِيْقَ في مِثْلَ هَذِهِ الحَالِ، فَضْلاً عَنْ وُرُوْدِ شَيءٍ مِنْ ذَلِكَ في السُّنَّةِ، وعَلَيْهِ فَإنَّ التَّصْفِيْقَ في احْتِفَالاتِ المَدَارِسِ، وغَيْرِهَا: إنْ وَقَعَ على وَجْهِ التَّعَبُّدِ، فَهُو بِدْعَةٌ مُحَرَّمَةٌ شَرْعًا؛ لأنَّ التَّصْفِيْقَ لم يَتَعَبَّدْنَا الله بِهِ، وهُو نَظِيْرُ مَا ابْتَدَعَهُ بَعْضُ المُتَصَوِّفَةُ مِنَ التَّصْفِيْقِ حَالَ الذِّكْرِ والدُّعَاءِ، كَما تَقَدَّمَ.
وقَدْ ثَبَتَ مِنْ حَدِيْثِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُما: أنَّ رَسُوْلَ الله
أخْبَرَ قُرَيْشًا أنَّه أُسْرِيَ بِه إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، قَالُوا: ثُمَّ أصْبَحْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْنَا، قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: فَمِنْ بَيْنِ مُصَفِّقٍ، ومِنْ بَيْنِ واضِعٍ يَدَهُ على رَأسِهِ مُسْتَعْجِبًا للكَذِبِ، زَعَمَ!» رَواهُ أحمَدُ (2820)، والنَّسَائيُّ وغَيْرُهُما.
ولا نَعْرِفُ دُخُوْلُ هَذِهِ العَادَةِ في تَارِيْخِ المُسْلِمِيْنَ إلاَّ في أثْنَاءِ القَرْنِ الرَّابِعَ عَشَرَ، حِيْنَ تَفَشَّى في المُسْلِمِيْنَ كَثِيْرٌ مِنْ عَادَاتِ الكَافِرِيْنَ والتَّشَبُّهِ بِهِم» انْتَهَى.
وَهَذَا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ الله فِي «إغَاثَةِ اللَّهْفَانِ» (1/440): «وَالمَقْصُودُ أنَّ المُصَفِّقِينَ والصَّفَّارِينَ فِي يَرَاعٍ أوْ مِزْمَارٍ ونَحْوِهِ فِيهِمْ شَبَهٌ مِنْ هَؤُلَاءِ أيِ المُشْرِكِينَ، ولَوْ أنَّهُ مُجَرَّدُ الشَّبَهِ الظَّاهِرِ، فَلَهُمْ قِسْطٌ مِنَ الذَّمِّ، بِحَسْبِ تُشَبُّهِهِمْ بِهِمْ، وإنْ لَمْ يَتَشَبَّهُوا بِهِمْ فِي جَمِيعِ مُكَائِهِمْ وتَصْدِيَتِهِم.
وَالله سُبْحَانَهُ لَمْ يَشْرَعِ التَّصْفِيقَ لِلرِّجَالِ وقْتَ الحَاجَةِ إلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ إذَا نَابَهُمْ أمْرٌ، بَلْ أُمِرُوا بِالعُدُولِ عَنْهُ إلَى التَّسْبِيحِ، لِئَلَّا يَتَشَبَّهُوا بِالنِّسَاءِ، فَكَيْفَ إذَا فَعَلُوهُ لَا لِحَاجَةٍ وقَرَنُوا بِهِ أنْوَاعًا مِنَ المَعَاصِي قَوْلاً وفِعْلاً؟!»، انْتَهَى.
* * *
خُلاصَةُ الفَصْلِ:
أوَّلًا: فَقَدْ صَحَّ عَنْهُ
أنَّهُ قَالَ: «التَّسْبِيْحُ لِلرِّجَالِ، والتَّصْفِيقُ للنِّسَاءِ» البُخَارِيُّ.
وقَدِ اتَّفَقَتْ كَلِمَةُ شُرَّاحِ هَذَا الحَدِيثِ مِنْ أهْلِ العِلْمِ: أنَّ التَّصْفِيقَ مِنْ خَصَائِصِ النِّسَاءِ فِي الصَّلَاةِ.
ثَانِيًا: أنَّ التَّصْفِيْقَ إذَا كَانَ جَائِزً للنِّسَاءِ دَاخِلِ الصَّلاةِ، فَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِنَّ خَارِجَ الصَّلاةِ، لأنَّ الشَّرِيْعَةَ لم تُبِحْهُ لَهُنَّ إلَّا دَاخِلَ الصَّلاةِ لعِلَّةِ التَّنْبِيْهِ والتَّعْلِيْمِ، والحُكْمُ يَدُوْرُ مَعَ عِلَّتِهِ وُجُوْدًا وعَدَمًا.
ثَالِثًا: لَقَدْ دَلَّ قَوْلُهُ تَعَالَى: «
وما كان صلاتهم عند البيت إلاَّ مكاءً وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون» (الأنفال:35)، على تَحْرِيْمِ التَّصْفِيْقِ، لأنَّهُ مِنْ فِعْلِ المُشْرِكِيْنَ عِنْدَ البَيْتِ الحَرَامِ، فَعِنْدَئِذٍ كَانَ على المُسْلِمِ تَجَنُّبُهُ مُطْلقًا، سَوَاءٌ كَانَ على وَجْهِ العِبَادَةِ، أو العَادَةِ!
رَابِعًا: أنَّ التَّصْفِيْقَ قِسْمَانِ: عِبَادَةٌ، وعَادَةٌ.
فأمَّا إذَا كَانَ على وَجْهِ العِبَادَةِ؛ فَهَذَا مُحَرَّمٌ بالإجْمَاعِ.
وأمَّا إذَا كَانَ على وَجْهِ العَادَةِ، مِمَّا يُقْصَدُ بِهِ السُّرُوْرَ والتَّعَجُّبَ؛ فَهَذَا مُحَرَّمٌ أيْضًا؛ لِمَا فِيْهِ مِنَ التَّشَبُّهِ المَذْمُوْمِ الَّذِي نَهَى عَنْهُ الله والرَّسُوْلُ !
فَقَدْ صَحَّ عَنْهُ
أنَّهُ قَالَ: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» أحْمَدُ.
لِذَا كان التَّصْفِيْقُ مُحَرَّمًا؛ ولَوْ كَانَ على وَجْهِ العَادَةِ؛ مِنْ وُجُوْهٍ ثَلاثَةٍ.
خَامِسًا: لَقَدْ تَوَاتَرَ عَنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ الله عَنْهُم؛ أنَّهُم كَانُوا إذَا اسْتَحْسَنُوا شَيْئًا أو تَعَجَّبُوا مِنْهُ: كَبَّرُوا الله، أو سَبَّحُوْهُ، والأدِلَّةُ على ذَلِكَ كَثِيْرَةٌ، وأنَّه لم يَثْبُتْ عَنْهُم التَصْفِيْقُ إلَّا في الصَّلاةِ، وقَدْ نَهَاهُمُ النَّبيُّ
عَنْهُ، فَلَمْ يَعُوْدُ إلَيْهِ لا دَاخِلَ الصَّلاةِ ولا خَارِجَهَا.
والحَمْدُ لله رَبِّ العَالَمِيْنَ

الشيخ الدكتور/ ذياب بن سعد الغامدي
الريح القاصف على أهل الغناء والمعازف
ص 400