هذه بعض فرائد وفوائد ولفتات من قصة الأعمى في سورة (عبس):


[فوائد عقدية]
الأولى، في الآيات ردٌّ على الغلاة الذين يقولون أن النبي () يعلم ما في اللّوح المحفوظ حتى قال قائلهم: ومن علومك علم اللّوح والقلم. ولا شكَّ أنَّ النبي () لو كان يعلم ما في اللّوحِ مما لم ينزَّل عليه من آيات هذه السورة لما خالف الأولى فعُوتِب، والله أعلم.

الثانية، في هذه الآيات دليل على عدم كتمان النبي () لشيء من الوحي. قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : كان يقال :« لو أن رسول الله كتم من الوحي شيئا ، كتم هذا عن نفسه » (الطبري بإسناد صحيح)

[فضل طلب العلم]
ضرب لنا تعالى مثلا في كتابه يحتذى به في الحرص على طلب العلم والاسراع في تحصيله۔ قال تعالى: أما من جاءك يسعى وهو يخشى فأنت عنه تلهى [عبس] يريد جلّ ذكره ابن أم مكتوم الصحابي الأعمى الذي عاتب فيه رب العزة نبيه صلى الله عليه وسلّم۔ وجه الشاهد من الآيات: ذكر سعيه ومسارعته - مع كونه أعمى - إلى مجلس العلم، وقد ساق جل ذكره فعله في سياق المدح وفي ذلك حض لغيره على التأسي به

[فائدة في أولويات الدعوة]

تستفاد من الآيات تقديم دعوة المؤمن وتعليمه على دعوة من أقيمت عليه الحجة، وكفار قريش الذين ناجاهم رسول الله ()كانت قد أقيمت عليهم الحجة الرسالية والدليل على ذلك قوله تعالى: (أما من استغنى فأنت له تصدى) فهؤلاء قد استغنوا عن الإيمان فيما سبق۔

[فوائد بيانية]
الأولى، في التعبير عن ابن أم مكتوم بالأعمى إشعارٌ بأنَّ مِثلَهُ يستحقُّ لمرضِهِ زيادةً في الرّأفة والرّحمة والتَّقريب والتّرحيب، لا أن يُعرض عنه.

الثانية، وفي التعبير عنه بالأعمى إشعارٌ بعذره في الإقدام على قطع كلام النبي () مع صناديد قريش لكونِه لا يرى.

الثالثة، قال القاسمي: تقديم التزكية على التذكر. من باب تقديم التخلية على التحلية.

الرابعة، في تصدير العتاب بصيغة الغياب مع إبهام المقصود به ثم الإلتفات إلى صيغة الخطاب تدرجٌ في عتاب ربّه له.

[فائدة سلوكية]
من أدب النّبي () مع ابن أم مكتوم أنَّه ما عنّفه أو زجره و قُصَارَى ما فعله هو تقطيبُ وجهه وإعراضُه عنه وكلُّ ذلك لم يكن ظاهرًا للأعمى.

[فائدة أصولية]
يستفاد من هذه الحادثة أنّ النّبي () قد يجتهد إذا لم يوحى إليه في خصوص نازلةٍ أو مسألةٍ على وِفق ما عنده من أصول الشّريعة، فإن أخطأَ صوَّبَهُ ربُّه وإن أصاب أَقَرَّه. وقد خالف في اجتهاده هنا الأولى ولذلك عوتب.