قال ابن القيم في ( الروح ) : إن تجريد المتابعة أن لا تقدم على ما جاء به قول أحد ولا رأيه ، كائنًا من كان ؛ بل تنظر في صحة الحديث أولاً ، فإذا صح لك ، نظرت في معناه ثانيًا ، فإذا تبين لك ، لم تعدل عنه ، ولو خالفك من بين المشرق والمغرب ، ومعاذ الله أن تتفق الأمة على مخالفة ما جاء به نبيها ، بل لا بد أن يكون في الأمة من قال به ، ولو لم تعلمه ، فلا تجعل جهلك بالقائل به حجة على الله ورسوله ، بل اذهب إلى النص ولا تضعف ، واعلم أنه قد قال به قائل قطعًا ، ولكن لم يصل إليك ، هذا مع حفظ مراتب العلماء ، وموالاتهم ، واعتقاد حرمتهم ، وأمانتهم ، واجتهادهم في حفظ الدين وضبطه ، فهم دائرون بين الأجر والأجرين والمغفرة ، ولكن لا يوجب هذا إهدار النصوص ، وتقديم قول الواحد منهم عليها بشبهة أنه أعلم بها منك ، فإن كان كذلك فمن ذهب إلى النص أعلم به منك ، فهلا وافقته إن كنت صادقًا ؟! فمن عرض أقوال العلماء على النصوص ، ووزنها بها ، وخالف منها ما خالف النص ، لم يهدر أقوالهم ، ولم يهضم جانبهم ، بل اقتدى بهم ؛ فإنهم كلهم أمروا بذلك ، فمتبعهم حقًّا من امتثل ما أوصوا به ، لا من خالفهم ؛ فخلافهم في القول الذي جاء النص بخلافه ، أسهل من مخالفتهم في القاعدة الكلية التي أمروا ، ودعوا إليها ، من تقديم النص على أقوالهم ؛ ومن هنا يتبين الفرق بين تقليد العالم في كل ما قال ، وبين الاستعانة بفهمه ، والاستضاءة بنور علمه ؛ فالأول يأخذ قوله من غير نظر فيه ، ولا طلب لدليله من الكتاب والسنة ، بل يجعل ذلك كالحبل الذي يلقيه في عنقه يقلده به ، ولذلك سمي تقليدًا ؛ بخلاف من استعان بفهمه ، واستضاء بنور علمه في الوصول إلى الرسول ؛ فإنه يجعلهم بمنزلة الدليل إلى الدليل الأول ، فإذا وصل إليه ، استغنى بدلالته عن الاستدلال بغيره ؛ فمن استدل بالنجم على القبلة ، فإنه إذا شاهدها ، لم يبق لاستدلاله بالنجم معنى ؛ قال الشافعي : أجمع الناس على أن من استبانت له سنة رسول الله ، لم يكن له أن يدعها لقول أحد ( [1] ) .ا.هـ .


[1] - انظر الروح ص 264 .