ثقافة الاعتذار

حياتنا الاجتماعية تكتظ بألوان من الارتباطات والعلاقات، هي في مجملها حسنةٌ جميلة، ومما تتميز به المجتمعات الإسلامية -والعربيةُ بشكل أخصّ- عن كثير من شعوب الأرض.
إلا أن هذه العلاقات تمرّ ببعض المنعطفات تؤدي في بعض الأحيان إلى انقطاعها وتصرم حبالها، بسبب عدم مراعاة أحد الطرفين لبعض الأسس والمبادئ التي تقوم عليها هذه العلاقات.
وإذا كان أهمّ هذه الأسسِ: الاحترامُ والتقديرُ المتبادل، ومراعاةُ كل من الطرفين حقوق الآخر، فالعاقل يراعي ذلك، فهذا أدعى لديمومة العلاقة واستمرارها.

ولما كان النقص والخطأ طبيعةً في البشر، فمن المهم أن يبادر المقصّر والمخطئ للاعتذار، وردمِ الهوّة التي قد يوسّعها الشيطان بوسوسته وألوان الظنون التي تأتي في النهاية على بنيان تلك العلاقات من القواعد، فتخرُّ وتنهار، وقد تكون تلك المودة بين قريبين أو صديقين قديمي الصداقة.


وردمُ الهوّة التي تنتج عن موقفٍ ما ـ قد لا يخطر ببال أحدِ الطرفين موقعه عند الطرف الآخر ـ، وقطعُ الطريق على الشيطان منهجٌ نبوي عظيم، دلّت عليه عدة مواقف في السنة، منها ما رواه أنسٌ قال: لما كان يوم حنين أقبلت هوازن وغطفان وغيرهم، بذراريهم ونَعمهم، ومع النبي يومئذ عشرة آلاف، ومعه الطلقاء، فأدبروا عنه، حتى بقي وحده، قال: فنادى يومئذ نداءين، لم يخلط بينهما شيئا، قال: فالتفتَ عن يمينه، فقال: «يا معشر الأنصار» فقالوا: لبيك، يا رسول الله، أبشر نحن معك، قال: ثم التفتَ عن يساره فقال: «يا معشر الأنصار» قالوا: لبيك، يا رسول الله، أبشر نحن معك، قال: وهو على بغلة بيضاء، فنزل فقال: «أنا عبد الله ورسوله»، فانهزم المشركون، وأصاب رسولُ الله غنائمَ كثيرة، فقسم في المهاجرين والطلقاء، ولم يُعْطِ الأنصارَ شيئاً، فقالت الأنصار: إذا كانت الشدة فنحن نُدعى، وتُعطى الغنائم غيرَنا! فبلغه ذلك، فجمعهم في قبة، فقال: «يا معشر الأنصار، ما حديث بلغني عنكم؟» فسكتوا، فقال: «يا معشر الأنصار، أما ترضون أن يذهب الناس بالدنيا وتذهبون بمحمد تحوزونه إلى بيوتكم؟» قالوا: بلى، يا رسول الله، رضينا، قال: فقال: «لو سلك الناس واديا، وسلكت الأنصار شِعبا، لأخذت شِعب الأنصار»
([1]).

فانظر كيف بادر ـ وهو الذي يوحى إليه ـ إلى قطعِ الطريق على الشيطان، وترضية الأنصار بهذه الكلمات التي تعادل غنائم الدنيا كلها.
إن التأخر في الاعتذار -فضلاً عن التنكّر له كمبدأ- ليس بجيّد، خاصةً إذا كانت الصداقة أو العلاقة لم تبلغ درجةً من المتانة بحيث لا تُحوِج للاعتذار، كما قال يحيى بن معاذ: "بئس الصديق صديقٌ يلجئك إلى الاعتذار"، ولكن مَنْ لي بمثل هذا المستوى من الصداقات! إنه لنادر كندرة الكبريت الأحمر، وقد أحسن القائل: "الاعتراف يهدم الاقتراف"([2])، أي أنه يمحو أثر الخطأ والتقصير.

وفي المقابل، فإن على الطرف الآخر -صاحب الحقِّ- كالداعي لمناسبة، أو طالبِ المعونةٍ والمساعدة؛ أن يكون واسعَ الصدرِ في التماس الأعذار لإخوانه، جاعلاً تلك المقولة الشهيرة نصب عينيه: "إذا بلغك عن أخيك الشيء تُنكره، فالتمس له عذراً واحداً إلى سبعين عذراً، فإن أصبته وإلا قل: لعل له عذرا لا أعرفه"
([3]).

وليستحضر مقولة ذلك الرجل العاقل ـ جعفر بن يحيى ـ حين اعتذر إليه رجلٌ فقال له: "قد أغناك الله بالعذر عن الاعتذار، وأغنانا بحسن النية عن سوء الظن"
([4])؛ لأن تَطَلُّبَ الإنسانِ للاعتذار من إخوانه دوماً يوجب التكلف، ويُشعِر الأخ بنوع من الغربة عن أخيه وصديقه، والسبب؟ كلمة عابرة، أو زلة لسان!

وليتذكر أحدُنا أنه في حال ما استوقف الآخرين عند كل صغيرة وكبيرة؛ فإنه سيضطرهم للمعاملة بالمثل، وإذا صار التلاوم والعتاب سمةَ العلاقة، فقد آذنت بصُرْمٍ!
ولستَ بمُسْتَبْقٍ أخاً لا تَلُّمُه ** على شعثٍ، أيُّ الرجالِ المهذبُ؟!
وكان البضعة النبوية جعفر بن محمد الصادق ـ ـ يقول: "أثقل إخواني علي: من يتكلف لي وأتحفظ منه، وأَخَفهم على قلبي: من أكون معه كما أكون وحدي".
ويتأكد هذا المعنى، في حقّ من بوأه الله مكانةً في قومه ومجتمعه، كشيخ القبيلة، وشيخ العلم، وأمثالهم؛ إذْ "لا يصلح للصَّدْر إلا واسع الصدر" كما قال بعض البلغاء.

وبالجملة، فالنفسُ إذا عُوّدت مكارم الخصال، وجاهدت على ذلك تطبّعت واستقامت، وإذا كان صرْم الحبال مع الناس سهلاً، فإن إبقاء حبال المودة، والصبر على تفاوت أخلاقهم لا يقدر عليه إلا عظماء الرجال، وهكذا كان سيدي الذي قال الله له: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾[الأعراف: 199].





([1]) مسلم ح(1059).

([2]) عيون الأخبار (3/113).

([3]) شعب الإيمان (10/559).
([4]) العقد الفريد (2/18).