المِنصة لمحاكمة حِصة !
مناسبة هذه الأسطر التي أرقمها ، مقال مسموم طالعته في صحيفة محلية ، تنفث فيه المُسمَّاة ” حِصة “- هداها الله – سموم قلمها وصدرها ، حول شبهة عِدة المرأة المتوفاة عنها زوجها ، وأن العِدة عادة إستعبادية من التراث المأفون ! . وهي شُبهة ضعيفة يستطيع تفنيدها طلاب المرحلة الإبتدائية .

وقد وصفت ” حِصة ” العدة بأنها سجن ! . وقد رَّد عليها ابن قدامة تعالى( ت: 620هـ ) قبل ثمانية قرون فقال : ” ولها أن تخرج في حوائجها نهاراً ، سواء كانت مطلقة أو مُتوفَّى عنها زوجها “ .

ودليل ذلك حديث جابر : طُّلقت خالتي ثلاثًا، فخرجت تجذ نخلها، فوجدها رجل فنهاها، فذكرت ذلك للنبي -- فقال: اخرجي فجذي نخلك لعلك أن تتصدقي منه، أو تفعلي خيرًا. أخرجه النسائي وأبو داود وإسناده صحيح .ويلحق بها المعتدة من وفاة زوجها ، كما نص عليه ابن قدامة بدليل قصة نساء الشهداء المشهورة في السُّنن .

من المؤسف والمخزي انتشار الفكر العلماني والِّليبرالي في جزيرة العرب بهيئات ومظاهر متعِّددة لا تناسب بينها . وهذا الفكر المسموم يتمدَّد يوماً بعد يوم بوجوهٍ جديدةٍ وغير مألوفة في واقع المسلمين.

كان الفكر العلماني والليبرالي تأريخياً ينحصر في فصل الدِّين عن الدولة ، واعتماد الحرية المطلقة للانسان في كل شيء ، لكنه في السنوات العِجاف الأخيرة أضحى فناً يُستجدى من موائد المخذولين والمحرومين من نور الحق . وبات يتغلغل في شؤؤن الناس العامة ، وأضحى جسوراً على ثوابت عظيمة لا يمكن البوح بها من قبل . ولم يُعصم منه الا من رحم الله .
والقاعدة المطردة : أن الفكر الليبرالي علماني بالضرورة، وأن العلمانية أوسع من الليبرالية , فكل ليبرالي علماني ، ولكن ليس كل علماني ليبرالياً .

إن تسوية الصفوف عند العلمانيين والليبراليين واضحة وجلية في جزيرة العرب ، وجهدهم الخفيُّ في ترويض الناس على هذا الفكر رويداً رويدًا لا يُنكره الا أعمى البصيرة .
يبدأ هذا الفكر الخبيث بتسكين المسلمين عن فعل الخير ، ثم بزرع الشك في نفوس الناس في مذاهبهم وعلمائهم ، ثم بإشغالهم بنقد التأريخ وصفحاته وأعلامه ، ثم بتمرينهم على قبول الافكار الغربية المسمومة واظهار عجز المسلمين عن إدراك كُنهها ، ثم باستحضار الرموز الغربية وتنصيبها في ذاكرة المسلمين بدلاً عن الرموز الاسلامية المألوفة ، ثم بإشغالهم عن أمجادهم وفتوحاتهم بالفنِّ الرخيص الذي ُيجسِّد أعلام الصحابة ومن بعدهم ، ثم بالتشويش عليهم في المنابر في أحكامهم وثوابتهم ، ثم باستئصال كل مظهر إسلامي في أبدانهم ونواديهم ، ثم بتأويل نصوص الوحي على أهوائهم ، ثم بترسيخ عقيدة التحاكم الى العقل في أُمور دينهم .
من الملاحظ في السنوات الأخيرة تكتُّل الليبراليين والعلمانيين تحت خندق واحد وهم يهتفون : مستقبلنا أن نكون أو لا نكون !. والقصد من ذلك المساومة على البقاء أو الفناء . وقد نجحوا في اختراق الإعلام الاسلامي والاقتصاد والقانون وبعض مناهج التعليم .
واليوم لهم صولة وجولة لتطويع العلوم الاسلامية لفلسفتهم المسمومة ، وقد ظهر ذلك في التصريح بنقد الذات الالهية ، و التطاول على الأنبياء والرسل، وسب بعض كبار الصحابة والغضِّ من شأنهم والقدح في عدالتهم .

ومن الأسلحة الخبيثة التي يتقوَّون بها على العامة : التشكيك في فقه المذاهب الاربعة ، ووصفها بالاستعباد للعقلية الاسلامية المعاصرة ، وضرورة التحرُّر من فقه الائمة الحفاظ الذين ملأوا الدنيا ضجيجاً بفتاويهم، أو الفقه البدوي كما يلمزون ! سواء من القدامى أو من المعاصرين .

ومن أسلحتهم ترويع الناس من التشدُّد والغلو في فهم التعاليم الاسلامية وتطبيقها على النوازل المعاصرة ، بحجة التمدُّن والحوار مع الآخر . ومن أسلحتهم نبش الفتن التي دارت بين الصحابة ومَن بعدهم ،وتنزيلها على الواقع المعاصر بحجج سياسية واجتماعية .
إنَّ الفكر العلماني والليبرالي في جزيرة العرب يستمد فلسفته من موارد ملوثة وهي :
الفلسفة الغربية الحديثة ، وأعلام الالمان اليهود الذين أسَّسوا الفكر الليبرالي والعلماني ، وفلول المرتزقة المتمشيخة الذين جنَّدهم الغرب لتسميم الشباب المسلم ، والإعلام الغربي الذي يدوِّن كل صغير وكبير مستطر، لوأد الايمان من قلوب الناس ،والثقافة الإستعمارية التي يقصف بها الغرب الطلاب المبتعثين في الجامعات والمعاهد الاجنبية . وإلى الله المشتكى .
من الأخطاء التي وقع فيها بعض الدعاة اليوم ، عدم التصدِّي لفلسفة الفكر الليبرالي والعلماني ، بحجة ضعفه وهوانه وقدرة الناس على كسر شوكته . وواجب الوقت الآن يُحتِّم تغيير مسار الخطاب الوعظي للحدِّ من نفوذ ذلك الفكر المسموم ، فشياطين الانس لم يتركوا قرآناً ولا سنةً ولا فقهاً ولا تأريخاً الا وطوَّقوا حولها حبلاً متيناً لوأدها .

إن أتباع مارتن لوثر ، وهما عَلمان : ألماني وأمريكي قد نشطوا في تسويق هذا الفكر اليوم بصخبٍ وبلا حياء . وإذا كان الحكم على الشي فرعٌ عن تصوره ،فإن فهم ذلك الفكر المسموم والتحذير منه وتوقي إنتشاره من الرشد الذي وعد الله تعالى أصحابه بالفوز والفلاح : ” فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا ، وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا ( الجن : 14- 15) .
إن سائمة الليبراليين والعلمانيين وجدت مرعاً خصباً ، لتطويع الدِّين لمصالحهم وشهواتهم ، وهم كما قال الله تعالى : “وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا اسبيل الغيِّ يتخذوه سبيلا ” ( الاعراف : 146) .

ورضي الله عن ابن مسعود( ت: 32هـ ) حين قال كلمته المتينة : ” عليكم بالأمر العتيق فقد كُفيتم ” ، ورحم الله عِظام الحسن البصري ( ت: 110هـ )حين قال : ” رأس مال المسلم دِّينه، فلا يُخلِّفه في الرِّحال ولا يأتمن عليه الرجال ” ! .
هذا ما تيسر تحريره ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

د / أحمد بن مسفر بن معجب العتيبي
المِنصة لمحاكمة حِصة ! | مدونة المتوقِّد