لوقت قريب كنتُ أعد شهر شعبان كباقي الشهور التي لا تميزها كبير عبادة، ولا مخصوص فضل وأجر عن سائر الشهور! نعم هو شهر استعداد.. وطوال حياتنا نعده كذلك، فنحن نستعد فيه لاستقبال رمضان بالتسوق للعيد مبكرا حتى لا نضطر للتسوق في رمضان فنفرط في أوقات مباركة من أجل تفاهات، كما أننا نستعد فيه بملئ خزائن الطعام بما لذ وطاب قبل أن تنفد المنتجات من الأسواق أو ترتفع أسعارها أو نضطر للتسوق في النهار أثناء الصيام للهروب من مساءات وليالي رمضان المزدحمة، ويدخل في مفهومنا للاستعداد كذلك: من كان عليه بقية من قضاء صيام واجب فيقضيه في شهر شعبان استعدادا لاستقبال صيام جديد في رمضان.. هكذا كنتُ أفهم وظيفة الاستعداد في شعبان!

لكني مؤخرا وعيتُ أنني أرفرف بمفهومي هذا خارج سرب الصالحين.. فشعبان شهر استعداد من نوع آخر, إنه استعداد بالعبادة للعبادة أو بمفهوم الرياضيين شهر (تسخين), ومفهوم التسخين يعني الاستعداد بالرياضة للرياضة!, ولكل عمل استعداد يلائمه, فلو أنك أردت السفر إلى مكان بعيد حتما ستقضي وقتا لتجهز أغراضك وحقيبتك وتراجع خط سيرك، ولو أردت خوض انتخابات مصغرة حتما ستقضي وقتا لتعد برنامجك واعلاناتك وتحشد الناس للتصويت لك، ولو أردت تحدي أصدقاءك في سباق للجري أو للسباحة حتما ستقضي وقتا للتدريب وتمرين جسدك، ولو أردت التفوق في اختبار ما حتما ستسهر الليالي في استذكار مادتك ومراجعتها، لكن ليس من الطبيعي وليس من المنطقي أن تستعد للاختبار بالنوم, ولا للسباق ببرنامج انتخابي, ولا للرياضة بحجز تذكرة, ولا للسفر بالمذاكرة، فلكل هدف استعداد يناسبه، فلو أنك نويتَ الصيام في رمضان فذلك يعني أن شعبان شهر للاستعداد بالصيام حتى تتكيف مع الجوع والعطش، فإذا ما أقبل رمضان لم تقض يومك في فراشك خاملا متفاجئا من صعوبة الصيام مع الحر والعمل!
وإذا ما كنت تنوي أن تحيي رمضان بكثرة الصلاة والقيام فذلك يعني أن شعبان شهر للاستعداد بالقيام، فاليوم جرب ركعتين قبل نومك, وغدا تهجد بأربع، وبعد غد أكثر وأكثر, حتى تطاوعك أعضاؤك ومفاصلك في القيام برمضان، فإن أجلتَ ذلك لرمضان فلا تلم جسدك إن خذلك في بعض الليالي، ولا تبك في آخر الشهر أنك لم تتلذذ بالعبادة إلا في العشر الأخيرة منه, أو أنك لم تختم القرآن إلا ختمة واحدة.. لأنك ببساطة فرطتَ في شهر الاستعداد، وكان استعدادك لا يتناسب مع الأهداف التي ترجو تحقيقها وتؤمل!

فبادر الآن بوضع الأهداف التي ترنو لتحقيقها في شهر رمضان، وابدأ من هذه اللحظة بالاستعداد، واستمتع بشهر العبادة من أول ساعة فيه، ودرب لسانك على كثرة الذكر وكثرة الدعاء ليكون رطبا بذكر الله، ولنري الله صدق نيتنا بالاستعداد للعبادة فلعلنا لا ندرك رمضان.. فإن حدث وكانت أعمارنا أقصر من أن تبلغه؛ كتب لنا الله أجر نيتنا في الصيام والقيام والصدقات وسائر العبادات ولو كانت أجسادنا تحت التراب.

فاللهم بلغنا رمضان, وأعنا فيه على الصيام والقيام, وتقبله منا ومن المسلمين, وأعزنا بنصرك وتأييدك وفرجك العاجل بأمة حبيبك محمد .
وكل عام وأنتم بخير

بنت اسكندراني