6
من طبقات الطاعنين على الإمام البخاري في هذا العصر قومٌ درسوا العلم الشرعي، وتخصصوا في باب من أبوابه، وتأثروا في سنين دراستهم بآراء فلسفية ونظريات فكرية لمنظِّرين مسلمين، أو مفكرين غربيين، فحاولوا أن ينقلوا ما قد اقتبسوا من تلك الآراء والنظريات إلى الدرس الشرعي المعاصر، فألقوا ذلك شُبها من خلال محاضراتهم الجامعية على طلبة التخصص، ففتنوا من حيث أنهم أدركوا ذلك أو لم يدركوه، ولقد يظهر بادي الرأي أن هؤلاء الطاعنين مع البخاري لا عليه، لأنهم يقولون نحن نحب البخاري ونعرف لصحيحه منزلته بيْد أننا لا نقدسه ولا نتهيب الخوض فيه منتقدين إن لزم الأمر، واقتضى ذلك داعي العلم والنظر!!
ولقد صرح لي بذلك باحثٌ متخصص في الحديث مدرس لهذا الفن في إحدى الجامعات الغربية، كما أعلن ذلك لي دكتورٌ صديقٌ من جيلي متخصص في الفكر الإسلامي يدرِّس في إحدى الجامعات العربية.
ولقد زُيِّن لهذا النوع من الطاعنين- وهم عندي أشد ضررا وأنكى وقيعة على الصحيح وصاحبه لأنهم معدودون في الدارسين الشرعيين- وطعنهم سيكون مسموعا مقبولا لدى الطلبة الشرعيين لثقتهم بعلمهم !!- أن يعولوا في الطعن على بعض آراء أهل العلم التي يستفاد منها أن لا تعويل على خبر الآحاد وأنه ظني الثبوت ظني الدلالة، وأن الذي يُتمسك به- يقول هؤلاء الطاعنون- هو القرآن الكريم وما قد تواتر عن النبي صلى لله عليه وسلم حسبُ!!
ولقد جرت بيني وبين بعض من ينتسب إلى الإسلام التنويري ممن له صلة بهذا الضرب من الطاعنين في البخاري- مباحثةٌ في أن البخاري بشر يصيب ويخطئ، وأنه قد يقع له ذلك في تخريج الحديث، فأكْبرتُ أن يقول المجادل وهو أستاذ في العلم الشرعي يعلم الطلبة ويربيهم بالعلم ويسوسهم بهذا النوع من الفهم- : البخاري أخطأ فأخرج حديثا قال فيه صحيح ثم كشف البحث المعاصر أنه مخطئ في تصحيح ذلك الحديث.
قلت للمجادل التنويري وأستاذ الدراسات الإسلامية الإحيائي وهل تجد في الصحيح على ما زعمتَ أمثلة؟ فأجاب بلى قلت هات، فقال: حديث الأئمة من قريش، فكيف يتصور في هذا العصر تحقيق هذا الهدي الذي صحح الإمام البخاري دليله، وأين قريش في واقع الناس اليوم؟!!
قلت مجيبا وعن البخاري مدافعا منتصرا: هذا الحديث لم يخرجه البخاري بهذا اللفظ في صحيحه، كيف وقد ترجم به في عنوان باب ولو كان عنده صحيحا جاريا على شرطه لما توانى في تصحيحه ولَذَكرَه في الأصول والشواهد؟
وهذا ما أفهمته عبارةُ الحافظ في الفتح، وما أخرجه البخاري ُّفي هذا المعنى فحديثُ معاوية:" إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحدٌ إلا كبَّه الله على وجهه في النار..." إلى حديث آخر ورد في باب:" الأمراء من قريش".
على أن حديث:" الأئمة من قريش" صحح بمجموع طرقه التي توجب الحكم بتواتره، وألف في جمع طرقه ابن حجر كتابا وسمه بـ:" لذة العيش".
فإذا كان هذا الحديث الذي لم يصحح البخاري لفظه على نحو ما ذكره المجادل، وإنما صَحح ما يفيد معناه- قد قبل من قِبل أئمة آخرين كان ذلك سببا لرفع الملامة عن البخاري وعدم عدِّ ذلك من أخطائه؟!!
على أن في عبارة :" أخطأ" التي يصر ُّصديقي المجادل أن يستعملها راغبا في انتقاد البخاري سوءَ أدب مع هذا الإمام الجليل، وقلةَ حياء في معاملة رجل قد وهب نفسه للحديث فأنفاسه معطرة بأنفاس رسول الله ، وكلماته مضمخة بألفاظ حديث المجتبى والنبي المصطفى، فكيف يقال بعدُ أخطأ التي ترادف في عصرنا :" تعمد الخطأ"، و" جهل قواعد العلم"، و" عادى الحقيقة وجانبها"، و"تنكب سبيل العلم وأسقط نفسه في الخرافة والأسطورة والغيبية والعجائبية على حد تعبير مصطفى بوهندي"؟!!!
ولقد كان أئمتنا الهداة من أسلافنا الراشدين من العلماء المتأدبين، يقولون في مثل هذا الباب إن وُجدت الهنة في غير التصحيح والتضعيف من مثل البخاري، وعُلمت السَّقطة في غير ما يخوض فيه الحداثيون، وعُرفت الزلة في غير ما يجادل فيه المعاصرون المفتونون بمناهج العلوم الإنسانية الحديثة: "وهِم الإمام، وخالف الصواب، ورحم اللهُ الشيخَ فلقد جانب الحق، وأبعد النُّجعة، وأشكلَ عليه الأمر، وما استبان له وجه الصواب، ونحو ذلك من العبارات التي تُشعر عِظمَ المنتَقَد في نفس المنتقِد وحدبه عليه، وشدة ميله إليه، ولكن الحق أحق أن يتبع، وكلٌّ يؤخذ من قوله ويردُّ إلا صاحب هذا القبر يُعنون به قبر النبي .