فبعد عرض رأي شيخ الاسلام ابن تيمية في مسألة التأويل نجد انه ازال الشبهة في هذا الموضع بالاية ".....وما يعلم تأويله إلا الله..."وإذا تتبعنا هذا النهج في معني التأويل عند إبن تيمية وهو وقوع الخبر علي الحقيقة .نجد أن بعض آيات الله يأتي تأويلها في الدنيا قبل الآخرة وقد تكون مرتبطة بزمن معين او بعصر معين لا تظهر الا فيه والدليل علي ذلك قوله "سنريهم آياتنا في الآفاق وفي انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق ..."وقوله "وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها وما ربك بغافل عما تعملون" .. ومن صور تأويل هذه الآيات علي سبيل المثال الظلمات الثلاث للجنين في بطن امه وجاء تأويلهاعلي الحقيقة بتقدم علم الطب وهذا كان خبراً في القرآن وامثلة ذلك كثيرة .و بهذا يزيد اﻹيمان بما غاب عنا فتأويل آيات الله منها ما يحتاج لمعارف لا نتحصل عليها الا في المستقبل . ومن هذا المنطلق عندما ينفي الله التأويل يكون قد استأثر بعلمه وحده والراسخون في العلم لا علم لهم بميعاد التأويل أو الكيفية مع إحاطتهم بخبر هذه الآيات .وخص الله بالذكر الراسخون في العلم لإنهم الصفوة من الناس الذين يميزون بين ما يمكن تأويله او تفسيره وما يجب تركه لله وبهذا يستقيم المعني من جميع الوجوه. أما بالنسبة لأصحاب الرأي بأن الواو هي واو عطف فقد جاءوا بقرائن من الشعر والنحو سوف أعرض طرفاً منها. 1-والريح تبكي شجوها والبرق يلمع في الغمام وهي قرينة معتبرة تصلح للوجهين الإستئناف والعطف . 2-في تفسير التحرير والتنوير لإبن عاشور فقوله والراسخون في العلم معطوف علي إسم الجلالة وفي هذا العطف تشريف عظيم وإحتج بالآية "شهد الله انه لا الهة الا هو والملائكة والو العلم قائما بالقسط" .وقال:فلو كانت الواو إستئنافية يكون الراسخون مبتدأ وجملة يقولون خبر وفي هذه الحالة يستوي فيه سائر المسلمون الذين لا زيغ في قلوبهم فلا يكون للراسخون فائدة .و إستطرد حتي وصل إلي أن نظم الآية جاء علي ابلغ ما يعبر به مقام يسع طائفتين من علماء اﻹسلام في مختلف العصور 3- وقال بعض العلماء في حالة العطف يكون التفسير مثل التأويل وفي هذه الحالة لا يوجد شيئ في القرآن لا يعرف معناه . قال إبن قدامةفي روضة الناظر:ولأن في الآية قرائن تدل علي أن الله متفرد بعلم المتشابه وأن الوقف الصحيح عند قوله تعالي " وما يعلم تأويله إلا الله" لفظا ومعني. أما اللفظ فلأنه لو أراد عطف الراسخين لقال ويقولون آمنا به بالواو . أما المعني فلأنه ذم مبتغي التأويل ولو كان ذلك للراسخين معلوما لكان مبتغيه ممدوحاً لا مذموماً . ولأن قولهم آمنا به يدل علي نوع تفويض وتسليم لشيئ لم يقفوا علي معناه.ولأن لفظة أمّا لتفصيل الجمل فذكره لها في الذين في قلوبهم زيغ مع وصفه إيّاهم بإتباع المتشابه وإبتغاء تأويله يدل علي قسم آخر يخالفهم في هذه الصفة. قال إبن نهيك الأسدي : إنكم تصلون هذه الآية وإنها مقطوعة وما إنتهي علم الراسخين إلا الي قولهم آمنا به كل من عند ربنا . ومن تفسير اضواء البيان للشنقيطي يقول مقيده :إعلم أنه علي القول بأن الواو عاطفة فإن إعراب جملة يقولون مستشكل من ثلاث جهات . الأولي:-انها حال من المعطوف وهو الراسخون دون المعطوف عليه وهو لفظ الجلالة والمعروف إتيان الحال من المعطوف والمعطوف عليه معاً مثل جاء زيد وعمر راكبين . وهذا الإشكال ساقط لجواز إتيان الحال من المعطوف فقط مثل "وجاء ربك والملك صفاً صفاً" . الثانية:-وهو ما ذكره القرطبي عن الخطابي قال عنه وإحتج له بعض اهل اللغة فقال معناه والراسخون في العلم يعلمونه قائلين آمنا و زعم أن موضع يقولون نصب علي الحال وعامة اهل اللغة ينكرون ذلك ويستبعدونه لأن العرب لا تضمر الفعل والمفعول معاً ولا تذكر حالاً إلا مع ظهور الفعل وهذا الإشكال ساقط ايضا لإن الفعل العامل في الحال المذكورة غير مضمر لأنه مذكور في قوله يعلم ولكن الحال من المعطوف دون المعطوف عليه كما بينه العلاّمة الشوكاني في تفسيره وهو واضح . الثالثة:- أن المعروف في اللغة العربية أن الحال قيد لعاملها ووصف لصاحبها فيشكل تقييد هذا العامل الذي هو يعلم بهذه الحال التي هي يقولون آمنا إذ لا وجه لتقييد علم الراسخين بتأويله بقولهم آمنا به لأن مفهومه أنهم في حال عدم قولهم آمنا به لا يعلمون تأويله وهو باطل وهذا الإشكال قوي وفيه الدلالة علي منع الحالية في جملة يقولون علي القول بالعطف . وللحديث بقية إن شاء الله.