بالرجوع ﻷسباب نزول الآيات من 1الي 7في سورة آل عمران نجد أن ما قيل في سبب النزول هي الشبهة التي اثارها نصاري نجران حول المسيح أو ما اثاره حيي بن اخطب حول الحروف المقطعة في اوائل السور . فالمسألة عقدية و الآيات إشتملت علي توحيد الله وتنزيهه واﻹشارة الي حكمته وعزته والتفرد في علمه حيث قال "إن الله لا يخفى عليه شيئ في اﻷرض ولا في السماء (5)هو الذي يصوركم في اﻷرحام كيف يشاء لا إله الا هو العزيز الحكيم(6)". فكان وقوف الجمهور من العلماء والسلف الصالح بعد لفظ الجلالة متسقاً مع هذه الدلالة ولذلك لم يكن عليهم مأخذ عقدي واحد أو إشكالية في المسائل النحوية تؤثر علي هذا المضمون .
أما الوقوف الثاني بعد (الراسخون في العلم) فمأخذ واحد يجعلنا نعود للوقف اﻷول وذلك من باب ترك ما يريب الي ما لا يريب.
وأما بالنسبة للقرينة في بيت الشعر
والريح تبكي شجوها والبرق يلمع في الغمام
هي قرينة معتبرة حيث أن الواو تصلح أن تكون علي الوجهين العطف واﻹستئناف وذلك يصلح في أي نص أدبي لكن في القرآن لا تصلح إلا بضوابط وبالأخص عقدية . و أما بالنسبة للنحو فهو اساسي في تفسير الآيات ولكن وحده لا يكون المؤثر الوحيد في عملية الحسم في المسائل الخلافية . وظهر ذلك عند اصحاب الرأي بأن الواو عاطفة وإستخدموا النحو ببراعة وكانت لهم القرينة في إثبات ان الحال قد يأتي من المعطوف دون المعطوف عليه وذلك ليتجنبوا أن يعود الحال في (يقولون آمنا به )علي لفظ الجلالة ويقعوا بذلك في مأزق عقدي ولكن كل هذا الجهد للإستفادة من واو العطف ﻹثبات التشريف ولو كان التشريف مقصود في هذا الموضع لجاء واضح الدلالة يفهمه عامة الناس وليس خاصتهم ﻷنهم اثبتوا ذلك من دلالة خفية أثبتوها بقواعد نحوية تصعب علي العامة من الناس مع أن الآية لا تخلو من الدلالة الظاهرة علي التشريف( وما يذكّر إلا اولو اﻷلباب) .
وإحتجوا أيضاً بالآية "شهد الله انه لا إله الاهو والملائكة و اولو العلم قائماً بالقسط" والحقيقة أن الواو هنا للعطف واضحة وحجة في التشريف . ولكن بالرجوع إلي تفسير الآية لإبن القيم سنجد إنها حجة أيضاً عليهم في التوحيد ومقتضياته . وقرأت ايضاً في هذه المسألة بحث قيّم عن واو العطف من جامعة ذي قار قسم اللغة العربية قيل فيها إذ يمكن أن يكون قائماً بالقسط منتصباًعلي الحال من لفظ الجلالة فقط دون الملائكة واولو العلم ليس علي اساس منع اﻹلتباس كما قيل بل يزاد عليه أن الشهادة هنا تختلف .إذ كيف نتصورأن شهادة الله علي نفسه هي بالمستوي نفسه لدي الملائكة واولو العلم أو غير ذلك فالفصل هنا بين المعطوف والمعطوف عليه لتأكيد اﻹختلاف بين المتعاطفين.
يقول أبو الحيان اﻷندلسي و(أنه لا إله إلا هو )مفعول شهد وفصل به بين المعطوف عليه والمعطوف ليدل علي الإعتناء بذكر المفعول وليدل علي تفاوت درجة المتعاطفين بحيث لا ينسقان متجاورين .من خلال قول ابو حيان يتضح وبشكل جلي إنه إذا كان هناك إختلاف بالحدث بين المتعاطفين كان السياق أميّل الي الفصل بين المتعاطفين.وفي الآية موضع البحث "وما يعلم تأويله إلا الله......"الواو لو كانت عاطفة للراسخون في العلم علي لفظ الجلالة يكون التشريك تاماً لعدم وجود فاصل بين المتعاطفين وهذه مشكلة عقدية ويكون علم الله وعلم الراسخون سواء .ولو كان هناك فاصل بين لفظ الجلالة والراسخون في العلم لجاز العطف بدرجة معينة لا يتساوى فيها علم الله مع غيره وفي هذه الحالة اصطدمت القرينة بالعقيدة .وإذا نظرنا لنوع اﻹستثناء في الآية"وما يعلم تأويله إلا الله"نجد أنه برفع ما وإلا نجد أن السياق (يعلم تأويله الله) وهذا يعني أن اﻹستثناء هنا مفرّغ ويدل على حصر العلم في لفظ الجلالةولا يمكن أن تكون الواو عاطفة ومما يؤكد ذلك في تفسير أضواء البيان للشنقيطي قال:ودلالة اﻹستقراء في القرآن أنه تعالى إذا نفى عن الخلق شيئ واثبته لنفسه إنه لا يكون له في ذلك اﻹثبات شريك كقوله "لا يعلم من في السموات واﻷرض الغيب إلا الله" وقوله "لا يجليها لوقتها إلا هو"وقوله "كل شيء هالك إلا وجهه". فالمطابق لذلك أن يكون قوله " وما يعلم تأويله إلا الله " معناه لايعلمه إلا هو وحده.
ومع ذلك ستظل القرينة تتأرجح بين العقائد والنزعات إلى أن يشاء ربي اللهم وحد شمل هذه الأمة وإجمعنا تحت راية التوحيد.