تبيين النّظريّة الشّاكريّة في رأيي ( فكر محمود شاكر ) بقلم صفي العدوي


باختصار مُخِلّ منهج الشّيخ شاكر يقوم أوّلًا على فصل شخصيّة أمّتنا عن شخصيّات الأمم الأخرى و هي الحقيقة التي ألحّ عليها في كتاباته أنّ الحضارة ليست عالميّة كما تزعم أبواق الحداثيّة و أنّ كلّ أمّة متفرّدة بحضارة مستقلّة، و كنتُ قرأتُ كلامًا نفيسًا لابن المقفّع في أحد أدبيه يقسّم فيه الأمم و ما تحسنه كلّ أمّة و يصف حضارتها في رأيي هو أحسن تقسيم لحضارات العالم المختلفة لعلّني أنقله فيما يستقبل من أيام إن نسأ الله في عمري، و في رأيي أيضًا تعضيدًا لصحّة فصل الشّيخ شاكر لشخصيّة أمتنا عن شخصيّات الأمم الأخرى، ترجمة الفلسفة اليونانيّة كان من أهمّ عوامل تقويض الأمّة تدريجيًّا و للشّهرستانيّ كلام نفيس في ذلك، الفلسفة اليونانيّة قائمة على مبدأيِ الجدل و التَّغَوُّر في دقائق لا تنفع بل إنّها لتضرّ ضررًا كبيرًا و هذا التّغوّر عندنا في الإسلام يسمّى التّنطّع الذي نهينا عنه كما وردت كثير من الأحاديث في النّهي عن قيل و قال و التّنطّع و مثل هذه الجدليّات العقيمة كما أرشدنا الله جلّ و عزّ في كتابه الكريم أنّ قصصه أحسن القصص و حديث النّبيّ صلّى الله عليه و سلّم لمّا رأى بين يدي عمر بن الخطاب و هو من هو؟ صحفًا من التوراة فغلّظ له القول و بيّن له أنّ موسى لو كان حيًّا ما وسعه إلّا أن يؤمن به صلّى الله عليه و سلّم و أنّ رسالته صلّى الله عليه و سلّم التّامّة الخاتمة فالقسمة العقليّة السّليمة تقتضي الأخذ بها و طرح ما سواها و إن افترضنا عدم تحريفها (الشاهد من كلّ هذا، شخصيّة أرومة الرّوم - كما يصرّح بذلك كثير من فلاسفة الغرب و مفكّريه أنّ العنصر اليونانيّ أصل أوربّا بما توفّر فيهم من صفات و عقل جمعيّ هي هي صفات الأوربّيّين و هو هو عقل أوربّا الجمعيّ - تتمثّل في الجدل و التّنطّع في المقام الأوّل ).
ففصل شخصيّة الأمّة و تفرّدها عمّا يسمّى بالحضارة العالميّة التي ما هي إلّا حضارة أوربّا النّصرانيّة التي لا يصحّ لنا بأي وجه أن نتمثّلها فهي حضارة النّصارى و أوربّا و لا تصلح لنا - كما ورد في مقدّمة كتاب " منهج الإصلاح الإسلاميّ في المجتمع " للشّيخ عبد الحليم محمود رفضه لأخذ أيّ فكر نظريّ غربيّ لأنّه فكر نصرانيّ صرف و كفر صراح و لا يصلح إلّا لهم أمّا على المستوى المادّيّ كالأدوات و المخترعات الحديثة و علوم الطّبيعة فقد حرّض على أخذها منهم و ندب ذلك إلى المسلمين، و الدكتور مصطفى حلمي حفظه الله في كتابه "ماذا علّمتني الحياة؟" ذكر أنّ إحدى الدّروس المهمّة جدًّا التي تعلّمها في مدرسة الحياة عدم صدق دعوى الغرب أنّه علمانيّ و أنّه نصرانيّ صليبيّ صرف و دلّل على ذلك بكثير من الأدلّة - أحد أهمّ حيثيّات النّظريّة الشاكريّة، و قد تظاهرت الأدلّة النّقليّة و العقليّة و إجماع أئمّة الأمّة على صحّتها و من شدّة تمثّلها في عقل و قلب الشّيخ شاكر فقد طفح على لسانه التّعصّب لجنس العرب و التّصريح بالشّرّ و البغض تجاه الغرب و أذكر موقفًا يروى عنه أنّه لمّا مرض و اشتدّ الأذى في عينيه قيل له: ألم يقولوا لك أنّ علاجك في لندن؟ لماذا لا تسافر إذن للعلاج؟ فقال ردًّا يبيّن وضوح القضيّة في نفسه: لقد آليتُ لا أدخل بلاد الغرب الذين هدموا حضارة أجدادي إلّا غازيا !!! ثمّ سافر بعد لأي إلى الأندلس و له قصائد أندلسيّة بديعة فيها تَمَثُّل قويّ لقضيّة الإسلام بعد أن أهاجت نسائم الأندلس وجدانه كما حُدِّثنا عن شيخ البحر المنسرح الدكتور عبد اللّطيف عبد الحليم أبي همّام لكنّها ممّا ضاع من تراث الشّيخ .الحيثيّة الأخرى في النّظريّة الشّاكريّة هي الموسوعيّة، و أفهمها في إغارته على كلّ الكتب التي خلّفها المسلمون مكتوبة بالعربيّة في كلّ الفنون حتّى لم يترك علمًا من علوم العرب و لا حتّى الْبَيْزَرَة، فقد رأى أنّ نتاج العرب كلّه جسد واحد كلّ فنّ فيه متّصل بأخيه بعرى غير ذات أحذاق؛ فلا يحسن تَمَثُّل نتاج العرب إلّا من خلال الموسوعيّة و إلّا يأتي تصوّر المرء المسلم و العربيّ لنتاج آبائه و أجداده كالجنين السُّقْط ينزل قبل تمامه و في غير أوانه أو أنّه كالمسخ أشوه أبتر و هذا للأسف حال كثير من أساتذة الأدب العربيّ في القرن التاسع عشر الميلاديّ الذين تتلمذنا نحن على أيدي تلامذتهم و كلّنا كما قال الشّيخ - أجيال المدارس المفرّغة من دينها و حضارتها و لسانها - لذلك يكثر في أحكامهم التّشكيك و التّضعيف و متابعة آراء المستشرقين إن يمّموا يمينًا أو شمالًا أو أسفلُ أو عَلُ، و الموسوعيّة عند الشّيخ شاكر تأتي استكمالًا لفكرة أو حيثيّة شخصيّة الأمّة المستقلّة فما هي إلّا صبّ الشّخصيّة العربيّة المحضة في كيان كلّ عربيّ.ثمّ تأتي الحيثيّة الثّالثة في النّظريّة الشّاكريّة استكمالًا لسابقتها و هي " اللّسان " أو اللّغة فهي وعاء الفكر و واحدة من أجلّ نعم الله على الإنسان أو هي البيان كما جاء في سورة الرّحمن و قد تفضّل الله علينا و تمنّن بنعمة تعليم البيان و ذكرها بعد خلق الإنسان مباشرة، كما جاء قسمه تعالى بالقلم و ما يسطرون تعظيمًا منه تعالى لنعمة الكتابة أو كما يقول أهل علم اللّغة: اللّغة بشقّيها (اللّغة المنطوقة، و اللّغة المكتوبة) يعني اللّسان المنطوق و اللّسان المسطور، و بالتّأمّل قليلًا في حكمة اختيار النّبيّ الخاتم من أمّة نابغة في الكلام على أنّ الرّسالة الخاتمة جاءت بجهاد الأمم الكافرة في سبيل الله لنشر دينه عزّ و جلّ يعني أنّ الأمّة الخاتمة المنوط بها تبليغ الرّسالة العالميّة مطلوب منها الأفعال لا الكلام و مع ذلك اصطفى الله العرب و جعلهم الأمّة الخاتمة و نبيّهم خاتم الأنبياء و متمّم رسالة الإسلام و هذا يشعر بعظم قدر اللّغة أو اللّسان؛ لأنّ اللّسان أداة العقل فإذا صحّ اللّسان و استطاع الإبانة إبانة تامّة كاملة عن مكنونات أفكار الإنسان صحّ عقله و فكره فيصحّ تطبيقه أو عمله و هذا ما جاء في ترضّي ابن المقفّع على العرب كما أوعزتُ في أحد أدبيه فقد وسمهم بوفورة العقل، و ما يشاع عن العرب عرب الجاهليّة من جهل ضدّ الحلم لا ضدّ العلم أغلبه لم يكن بسبب قلّة العقل بل بسبب الْكِبْر و الأنَفَة المذمومة التي ليست في حاقّ موضعها.ثمّ تأتي الحيثيّة الرّابعة في منهج شاكر و هي التّذوّق و أختصرها في قولي: جعل الموسوعيّة المكتسبة معيار في الحكم على الأشياء من مختلف زواياها الممكنة التي سمحت بها تلك الموسوعيّة بحيث يصير المرء النّاقد و المنقود و الموسوعيّة أو كلّ تجارب الأمّة العربيّة شيئًا واحدًا يعني مثلًا تقرأ شعرًا للمتلمِّس الضّبعيّ أو المثقّب العبديّ فتجد نفسك بغير إرادة منك تتمثّل كأنّها هي هو يقول هذا الكلام فتتكشّف حجب الزّمان و المكان لك عن مكنونات الغيبيّات كأنّك تحياها و تقاسيها شيئًا فشيئًا غير أنّ عيبه الأوحد أنّه غير مفحِم لغير نفسك، يعني في رأيي منهج التّذوّق ينبغي أن يكون مبدأ كلّ فكر و كلّ نقد ثمّ يقفّيه المرء بما يعضّد تصوّراته الغيبيّة تلك.ثمّ تأتي حيثيّة النّظريّة الشاكريّة الأخيرة في نظري و تتمثّل في قوله: " الاستخفاف أخدود الزّلل، و أمّة تستخفّ يُقْضَى عليها " و هذا في رأيي ما لم يفهمه عنه أكثر من جاء بعده فاتّهموه كثيرًا بأشياء ليست من خلقه. آسف إليكم أسفًا أسيفًا لتطاولي على قدر سيّدي الشّيخ شاكر ، و على هذا التّطويل الذي أراه مُخِلًّا في اختصار فكر الشّيخ !! و قد أردتُ والله كتابة أشياء فوق هذا لكن أكتفي بذا و الله المستعان!أمّا الانتفاع بفكر الشّيخ شاكر على أكمل وجه فأرى و الله أعلم أن ينسّق محبّوه في كلّ بلد إسلاميّ مع أهل الخير ممّن آتاهم الله سعة في المال و حبًّا في البذل لإنشاء مدرسة شاكريّة في كلّ بلد إسلاميّ يضعون نهج عملها و مناهج علمها كيف تواضعوا على ذلك على أن تكون تجربة إن نجحت و قدّمت أجيالًا مُنْجِحَة يُتَوَسَّع في عدد المدارس الشّاكريّة في كلّ بلد إسلاميّ.‫#‏أنا_شاكري_ما_حييت_وإن_أم ت_فوصيتي_للناس_أن_يتشكروا‬
https://www.facebook.com/almunashed?fref=nf