فخّ الطائفية


العملان الانتحاريان اللذان وقعا في بلدة القديح التابعة لمحافظة القطيف، وفي مسجد العنود بالدمام أثناء صلاة الجمعة في الأسبوعين الماضيين، لا يحتاج مَنْ لديه أدنى مسكة من عقل فضلاً عن مسلم، أن يحشد النصوص من الكتاب والسنة لبيان شناعتهما وعظيم جرمهما، وأن استهداف الآمنين ـ فضلاً عن كونهم في مساجد ـ لا يزيد الأمر إلا شناعة وقبحاً.

ولم تكد تقع الواقعتان إلا وبادر العقلاءُ من السُّنة قبل الشيعة في التنديد بهذا الفعل الإجرامي الآثم، الذي يستهدف أول ما يستهدف أمنَ البلاد بأسرها، وتمزيق وحدتها.


لكن اللافت للنظر، والمتأمل في تغريدات الشيعة ومن سار في فلكهم من الكُتّاب، بل وبعض مغردي السُنّة، أن هاتين الحادثتين بدلاً من أن تكون سبباً في تقوية مبدأ التعايش، وقطعِ الطريق على من يريد هدم هذا المبدأ، وتمزيق وحدة البلاد؛ حُوّرَ مسارُ الحديث فيها إلى البُعد الطائفي، وتبرير ما وقع بوجود أبجديات التكفير في كُتُب بعض السنة، وتغريدات بعض السنة! وكأن التراث الشيعي سالمٌ من ذلك، مع أن البحث العلمي يُثبت أن أبجديات التكفير والحث على قتل السنّي في التراث الشيعي أعظم وأكبر!


وتحوير الحديث إلى هذا البعد، والنفخ فيه، لا يَفرح به أحدٌ مثل أولئك الغلاة من دواعش السنة والشيعة، الذين يجدون في هذا النفخ مناخاً مناسباً لتنفيذ مشاريعهم الإجرامية، واستقطابِ العقول الساذجة، وكسبِ التعاطف من صغار شباب السُنّة والشيعة، الذين ينظرون لمثل هذه الأعمال الخطيرة بسذاجة مفرطة!


ومن المعلوم أن الشيعة ليست فرقةً جديدة، بل هم موجودون منذ بضعة عشر قرناً، وعقائدهم التي يعتقدونها وتمتلئ بها كتبُهم ليست وليدةَ اليوم، ومع هذا فهم في غالب حِقَب التاريخ ومختلف الدول يتعايشون مع السنة، خصوصاً في ظل الحكم السّني، ولا تكاد تجد من أخبار الصِّدَام والقتال بينهم إلا في مواقف خاصة، أو حين يتبنّى ذلك الحاكمُ السياسي.


بل مَن تأمل في كتب الرجال عند أهل الحديث؛ وجدَ عندهم من الإنصاف والعدل مع رجال الشيعة ما يدعو للفخر والاعتزاز، فتجدهم يوثِّقون الشيعي إذا ثبت صدقُه في الحديث، وضبطُه له، ولا يمنعهم الاختلافُ العقدي من إنصافه، ومن أراد أن يقف بنفسه على ذلك، فلينظر في كلام أئمة الحديث في: عدي بن ثابت، وعبّاد بن يعقوب الرواجني، وغيرهما من رجال الشيعة.


وفي عصرنا الحاضر، فإن التاريخ يشهد أن الشيعة بمختلف فِرَقهم ـ في الشرقية ونجران ـ كانوا ولا زالوا يعيشون ويتمذهبون بدينهم، دون أن يتعرض لهم أحدٌ في ظل الدولة السعودية ـ التي امتد حكمها أكثر من ثلاثة قرون ـ وبقي علماء هذه البلاد الكبار، يفقهون هذا المبدأ ـ مبدأ التعايش ـ ولم يفهموا أن التعايش يعني تمييع المعتقد، أو موافقتَهم على ما عندهم من بدع وضلالات، وأيضاً.. فلم تحدث أمثالُ هذه الجرائم الفظيعة قطّ؛ مع أن الإرث الفكري عند الطائفتين موجود قبل ميلاد هذه الدولة بمئات السنين، وأما الحوادث الفردية فلم تخل منها حِقبة من التاريخ من الطرفين، إذاً ما السبب الذي أدّى لمثل هذا الفعل الشنيع؟ أهو التباين العقدي الكبير بين السنة والشيعة؟ لو كان كذلك لما استقرت بلدٌ قطُّ فيها سنة وشيعة، كما أسلفت.


الذي يتابع الأحداث سيجد ـ وبدون أدنى تأمل ـ أن هذه الحوادث يقف وراءها استخبارات خارجية حاقدة على هذه البلاد، وما تنعم به من أمنٍ واجتماع، في الوقت الذي تعاني عددٌ من الدول المحيطة بها من اضطرابات، وانعدام للأمن، واصطفافات مزّقت نسيج تلك البلدان، ووجدتْ هذه الجهاتُ الخارجية ضالتَها في شباب غلاةٍ من الطرفين السنة والشيعة، وكثيرٌ منهم من أهل هذه البلاد، شُحنت رؤوسهم على علمائها وقادتها، فجعلوهم مشاريع تدمير لهذا النسيج والأمن والوحدة، فليس من الحكمة ولا من العقل أن ينفخ الشيعةُ والسنةُ في هذا البُعْدِ، الذي ستكون نتيجته: الفرقة والتقاتل، والدماء وشماتة الأعداء، والتمهيد لتدخل الدول المتربصة ببلاد الإسلام عامة، وببلادنا - بلاد الحرمين- خاصة.


لقد مضت سُنَّةُ الله في وجود هذا الاختلاف وبقائه، فليس من الحكمة، ولا من الرشد في شيء أن يَظن أحدُ الطرفين أن سيقضي على الآخر ويُفنيه! لكن المؤكد أن من مصلحة الجميع أن يتعايشوا، ويحرصوا على بقاء وحدة البلاد، وأن يتحاوروا، ليبقى النقاش ُالعلمي هو الرائد والسائد: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ[الأنفال: 42].