ربما هذا العنوان هو البداية, بداية الحكاية, وإن أردت فاجعله النهاية, ولابد للنهاية وللحكاية من بداية ...
والبداية ليست غريبة ولا عرضية , بل هي عامة ومتفشية ...
البداية هي السعي لطلب العلم, والبحث المضني والدقيق حول مناهج الطلب, ومراحله, ومستوياته, و.... إلى آخر ما تعرفونه من هذا وغيره مما يُشغل بال من يسعى في طريق الطلب.
وخلال هذه المراحل من بدايتها إلى نهايتها تعرض للطالب العديد من القضايا الهامة والمحورية والتي تمثل نقاط بناء وتأسيس في طريقه, ومن هذه القضايا قضية حفظ المتون.
ويعيش طالب العلم إشكالها المتمثل في السؤال التالي:
هل من المتحتم على طالب العلم أن يحفظ المتون, أم أنه قد يستغني عن الحفظ بالفهم الدقيق والمنضبط للعلوم التي يدرسها؟
ويمر أمام الطالب قولان رئيسيان, الأول: لزوم الحفظ, وأنه لا بناء لطالب العلم إلا بحفظ المتون, وأن ذلك هو البناء الصحيح والغرز السليم لطالب العلم. والثاني: أن حفظ المتون مضيعة للوقت, وأن الفهم أهم من الحفظ, ورب حافظ غير فاهم, ولذا يُستغنى عن الحفظ بكثرة المذاكرة والاستظهار للمسائل , وهكذا ...
والذي يختاره كثيرٌ من طلبة العلم – في الغالب - الطريق الثاني, خاصة وأن الطالب في بداية طلبه قد تنعدم أو تقل قدرته على التمييز, وقد يكون محروماً أيضاً من شيخ يجلس بين يديه يعلمه ويرشده, أو غير ذلك من الأسباب, والمحصلة أن الطالب يبدأ طريقه ويقطع فيه شوطاً كبيراً قراءة وفهماً واستخراجاً واستدراكاً , و..... وربما بعض الحفظ القليل الذي لا يرتقي – مثلاً – لما هو دون الألفية من المتون المئوية والعشرية.
والحقيقة أن هذا قد وقع لي بحذافيره, فأنا هنا أنقل لكم تجربة.
أقول: خضت غمار هذا الاختيار, وعشت هذا الإشكال, إلا أني – كغيري – آثرت الاختيار الثاني, وعللت ذلك لنفسي بكثير من العلل لأطمئنها أنها على الطريق الصحيح.
وسلكت هذا الطريق, وقَرأتُ وقرَّأتُ, ودرسْتُ ودرَّسْتُ, وتعلَّمتُ وعَلَّمتُ...
وبعد سنوات طوال كنت – وما زلت – أشعر بنوع من التقصير وعدم الرضي, فكان لابد لي من وقفة أحاول فيها إعادة ترتيب أوراقي وتغيير منهجي, وخلال هذا الترتيب والتغيير كنت أحتاج إلى مرشد ومعين, فكان أن لجأتُ إلى استخارة اللطيف الخبير, ثم لجأتُ إلى استشارة بعض أهل العلم وطلبته ممن أثق في مشورتهم ورأيهم.
ووفقني الله, وكان من توفيقه أن تواصلت مع الأخ الكريم أبي مالك العوضي, فاستفدت منه كثيراً – جزاه الله خيراً – وكان مما أفادني به وحثني عليه : "لابد من حفظ المتون" !!
ومعنى هذه النصيحة إحداث تغيير جذري في حياتي, وقلباً لكثير من أفكاري وآرائي, بل ومنهجي وطريقتي, بل ورجوع خطوات طويلة إلى الوراء !!
وكان هذا في الحقيقة قراراً قاسياً وصعباً, إلا أنني – وبفضل الله –كنت ألمح فيه بوادر التوفيق والنجاح, والسداد والفلاح.
وسلكت هذه الطريق الذي تركته منذ سنوات, سلكته مشمراً عن ساعد الجد والاجتهاد, وكأني قد أُزيحت عني غمامة فأبصرت مواقع أقدامي.
وبعد فترة ليست بالطويلة, وبعد حفظ عدد من المتون في بعض العلوم الشرعية, كانت لي وقفة تقييم مع نفسي وتساءلت:
هب أنني في مكان مقفر, صحراء جرداء, وقدر الله لي أن أمكث في هذا المكان فترة من الزمن, ومعي مجموعة من طلبة العلم أردت تعليمهم شيئاً من العلم, وليس معي كتاباً ولا ورقةً ولا قلماً, فما الذي سأستطيع أن أعلمه لهم؟
وهنا كانت الصادمة والفاجعة, ولا تستعجبوا من هذا التعبير القاسي لأنكم لو كنتم مكاني وفي مثل حالى لأدركتم صحة ما أقول.
أقول كانت الصادمة والفاجعة أنني لا أستطيع أن أبثَّ إليهم إلا العلوم الشرعية التي حفظت فيها متناً أو أكثر !!
وألقيت إلى نفسي سؤالاً صريحاً: وما شأن باقي العلوم التي تعلمتها ودرستها طويلاً ولم تحفظ فيها متناً؟!
الإجابة وبكل صراحة: لا أستطيع إلا أن أعطيهم عنها إلا معلومات متناثرة, قاعدة من هنا, وفصلاً من هناك, وباباً من هنا, وعنواناً من هناك !!!
كيف؟ لا أدري.
ربما كان الخطأ في طريقة تدرجي في الطلب؟ لا أدري.
ربما كان الخطأ في منهجيتي في الطلب؟ لا أدري.
لا أدري.
إلا أن الذي دريته وأيقنته أنه لابد لطالب العلم, وعلى الأقل في مستواه التعليمي الأول ومراحله الأولى, لابد من حفظ المتون, ولو متناً صغيراً في كل علم, ثم عند الترقي والتخصص قد يصبح لديه الخيار في أن يحفظ متناً أكبر في تخصصه, أو يكتفي بتشبعه بمجال دراسته إلى حد الحفظ.
وتذكرت – باستيعاب - قول الشيخ العلامة العثيمين : " في الماضي كانوا يعيبون علينا ويقولون: لا تتعب نفسك في حفظ المتن, وعليك بالفهم الفهم, لكن وجدنا أننا ضائعون إذا لم يكن عندنا حفظ, وما انتفعنا – والله – إلا بما حفظنا من المتون, ولولا أن الله نفعنا بذلك لضاع علينا علم عظيم " .
ولذا أنصح نفسي وإخواني السائرين على طريق الطلب بضرورة إعادة ترتيب الأوراق
وأتساءل بقوة وحزم: لماذا لا نحفظ المتون ؟!!