قال تعالى - : وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آَمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آَخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (72)آل عمران
يقول السُّيُوطِيُّ في أسباب نزول هذه الآية "روى ابن إسحاق عن ابن عباس قال: قال عبد الله بن الصيف، وعدي بن زيد، والحارث بن عوف بعضهم لبعض: تعالوا نؤمن بما أنزل على محمد وأصحابه غدوة، ونكفر به عشية حتى نلبس عليهم دينهم لعلهم يصنعون كما نصنع، فيرجعون عن دينهم، فأنزل الله فيهم يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل -إلى قوله- واسع عليم
وأخرج ابن جرير عن قتادة أنه قال : قال بعض أهل الكتاب لبعض أعطوهم الرضا بدينهم أول النهار واكفروا آخره فإنه أجدر أن يصدقوكم ، ويعلموا أنكم قد رأيتم فيه ما تكرهون ، وهو أجدر أن يرجعوا عن دينهم " وأخرج أيضا عن السدي أنه قال فيها : " كان أحبار قرى عربية اثني عشر حبرا فقالوا لبعضهم : ادخلوا في دين محمد أول النهار وقولوا : نشهد أن محمدا حق صادق ، فإذا كان آخر النهار فاكفروا وقولوا : إنا رجعنا إلى علمائنا وأحبارنا فسألناهم فحدثونا أن محمدا كاذب ، وأنتم لستم على شيء ، وقد رجعنا إلى ديننا فهو أعجب إلينا من دينكم ، لعلهم يشكون فيقولون : هؤلاء كانوا معنا أول النهار فما بالهم " ؟ فأخبر الله - - رسوله - - بذلك . وروي أنهم فعلوا ذلك ولم يقفوا عند حد القول . فقد أخرج ابن جرير عن مجاهد قال : " يهود صلت مع محمد صلاة الصبح وكفروا آخر النهار مكرا منهم ليروا الناس أن قد بدت لهم منه الضلالة بعد أن كانوا اتبعوه " .
وهذه الآية والوقائع التي ناسبت نزولها تفصح لنا عن أمرين في غاية الأهمية تشكل الأبعاد النفسية التي تحرك عداوة اهل الكتاب للنبي .
أما الأمر الأول فهو حرص آهل الكتاب على العثور على منشقين عن النبي ومرتدين عن الإسلام وتوظيفهم دعائيا لزعزعة الثقة بالإسلام في نفوس المؤمنين ليقولوا لولا أن ظهر لهؤلاء بطلان الإسلام لما رجعوا عنه بعد أن دخلوا فيه ، واطلعوا على باطنه وخوافيه ; إذ لا يعقل أن يترك الإنسان الحق بعد معرفته ، ويرغب عنه بعد الرغبة فيه بغير سبب . وهذا أمر مبني على جبلة طبيعية في البشر ، وهي أن من علامة الحق ألا يرجع عنه من يعرفه ، وقد فقه هرقل صاحب الروم الى هذه القاعدة فكان اول ما سأل عنه أبا سفيان من شئون النبي - - عندما دعاه إلى الإسلام : " هل يرجع عنه من دخل في دينه ؟ فقال أبو سفيان : لا "
أما الأمر الثاني فهو أن أهل الكتاب قد أفلسوا من هذه الناحية فلم يجدوا هذه النوعية من المسلمين الذي سيطلق عليه مسلم سابق او منشق على محمد بما يمكن ان يوظفوهم كما ظنوا ونظرا لوجود شح وندرة في هذه النوعية اضطروا الى التفكير في صنع هذا الواقع واختلاق أحداث تظهر ان هناك مرتدون تبينوا بطلان هذا الدين بعد ان دخلوا فيه وهو ما شرعوا فيه فعلا بالاتفاق فيما بينهم بان تدخل جماعة منهم في الإسلام وجه النهار وفي آخر النهار يرجعوا عنه يقولوا لقد تبين لنا بطلانه ولا شك انه لو كان هناك حالات وفيرة من الذين خرجوا من الإسلام بعد الدخول فيه ما احتاج هؤلاء الى تمثيل هذا الدور وهذه الأبعاد النفسية التي بينتها الآيات لا تزال هي القواعد الحاكمة لدي نفوس أعداء الدين ولذلك نجد الهجوم الشرس قديما وحديثا على حد الردة ظنا منهم انه هو الحائل بين المسلمين وبين الخروج من الدين والواقع يكذب ذلك فهذا الحد لايطبق كباقي الحدود في اغلب العالم الاسلامي ومع ذلك فالدين الإسلامي ليس طارد لأتباعه مهما حاق بالمسلمين من هزائم وانتكاسات فرغم الوضع المتردي للعالم الإسلامي وما يتقلب فيه من ضعف وهزيمة أمام القوى العالمية ورغم ما حاق بالمسلمين من مصائب لكن يظل الإسلام هو الدين الأقوى حجة وبيانا وجاذبا لاصحاب الفطرة السليمة فالإسلام هو الدين الذي يدخل فيه كل يوم أعداد كبيرة وذلك لسطوع حجته وبيان أدلته