-2-
تأملت حال الناس في هذا الزمان في السهر في ليل رمضان من غير داع يدعو إلى ذلك من مدارسة علم، أو قراءة قرآن أو وظيفة في شغل، أو مذاكرة لدروس، فألفيت أن أكثرهم على حال في الشرع منكرة، وفي العقل مستهجنة، إذ يواصل أغلبهم السهر في الليل إلى الفجر، في قضاء وطر، أو نزهة على بحر، أو تسلية على لعب، أو لهو على مقهى، أو تجوال في تسوق، حتى شاع في الناس أن رمضان يلذ فيه السهر، ويحلو فيه السمر، وتروق فيه المنادمة والمفاكهة.
وفي الحق فإن السهر إذا لم يكن له داع معقول فإنه مستهجنٌ شرعا، إذ فيه إنهاكٌ للجسد، وإذهاب ٌلنشاطه، وتبذيرٌ لطاقته وقوته، إذْ مطلوبٌ الإبقاء ُعلى النشاط، وتوفير الخفة والقوة، لاستعمال ذلك في شعائر الدين من قيام ليل، أو تهجد في سحر، أو ابتهال في فجر، كما أنه مطلوب مباشرة العمل مبكرا من أول النهار، ولإشراقة الشمس.
وذاع بين الناس في هذا الزمان أن رمضان شهر كسل ونوم، وموسم ضعف وقلة عطاء، وهذا مناف لمقاصد الصوم، وغاياته النبيلة، إذ كان هذا الشهر في تاريخ هذه الأمة شهر انتصارات وبطولات، وفتوحات ومكاسب لتاريخ الإسلام، فتقليل عدد ساعات العمل يزيد هذا المفهوم التواكلي ترسيخا، ويؤصل لمعنى الضعف والتواني في نفوس الشباب، إذ لا علاقة للصيام بعطاء الجسم، ومزاولة مهامه المنوطة به، بل إن التخفف من الطعام، والتقلل من المأكول مدعاة لصفاء العقول، وإقبال القلوب، وخلوص النيات، وذلك داع إلى النبوغ، والإتقان في العمل .