-4-
تأمَّلتُ حالَ الناسِ في هذا الزمان مع القرآن الكريم في شهر القرآن فألفيتهُم فيه شِيعا، وأمرَهم فيه مختلفا، فمنهم ضربٌ رَضُوا منه بسماع ما قد يترامى إلى مسامعهم من آيات مفرقات تأتي عفوا من وسائل الإعلام، أو منابر المساجد أو صفحات الإنترنيت، ومنهم ضربٌ جفَوْه أشد جفوة فحالهم معه كحالهم في غير رمضان: إعراضٌ مستمر، وهجرٌ متواصل، وقطيعة مقيتة، وجهلٌ به مطبق، ومنهم ضربٌ أنِسوا به في رمضان فهُو هِجيرِّاهم في لياليه وأيامه، وهو أنيسُهم في أوقاته ولحظاته، قد عَمُرتْ به حياتُهم، وتنوَّرتْ به قلوبهم وعقولُهم، وابتهجتْ له بيوتهم ودُورهم، قد ختموه فيه لِليالٍ قصيرة، ومُدد من أزمانٍ يسيرة، فعاشوا للقرآن وبالقرآن في شهر القرآن، وضربٌ ثالث قد حرَموُا آذانهم سماع القرآن، ومنعوا أرواحَهم من ريْحان القرآن، فلا أنسَ لهم بالقرآن، ولا سميرَ لهم من القرآن، ولا صديق لهم من القرآن، وقد يزيِّن الشيطان لبعض هؤلاء أنهم معذورون لأميتهم، وكلا فليس يُعذر أحدٌ في هذا الزمان بجهالة، ولا يقال عنه إن القالي الجافي للقرآن ليس يحسن التلاوة، ولا يدري ما القراءة، كيف والقرآن الكريم ُفي هذا العصر مسجَّل في وسائل متاحة للسماع، مُعَدَّة للمتابعة والاستعمال بأيسر طريق، وأسهل سبيل؟!!