قال ابن القيم - : وأصل العبادة وتمامها وكمالها هو المحبة ، وإفراد الرب سبحانه بها ؛ فلا يشرك العبد به فيها غيره ؛ والكلمة المتضمنة لهذين الأصلين هي الكلمة التي لا يدخل في الإسلام إلا بها ، ولا يُعصم دمه وماله إلا بالإتيان بها ، ولا ينجو من عذاب الله إلا بتحقيقها بالقلب واللسان ؛ وذكرها أفضل الذكر ، كما في صحيح ابن حبان عنه : " أَفْضَلُ الذِّكْرِ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " ، والآية المتضمنة لها ولتفضيلها سيدة أي القرآن ( آية الكرسي ) ؛ والسورة المختصة بتحقيقها ( سورة الإخلاص ) تعدل ثلث القرآن ؛ وبها أرسل الله سبحانه جميع رسله ، وأنزل جميع كتبه ، وشرع جميع شرائعه ؛ قياما بحقها ، وتكميلا لها ؛ وهي التي يدخل بها العبد على ربه ، ويصير في جواره ، وهي مفزع أوليائه وأعدائه ؛ فإن أعداءه إذا مسهم الضر في البر والبحر فزعوا إلى توحيده ، وتبرؤوا من شركهم ، ودعوه مخلصين له الدين ؛ وأما أولياؤه فهي مفزعهم في شدائد الدنيا والآخرة ؛ ولهذا كانت دعوات المكروب : " لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ " ( [1] ) ؛ ودعوة ذي النون التي ما دعا بها مكروب إلا فرج الله كربه : ] لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [ [ الأنبياء : 87 ] ؛ وقال ثوبان : كَانَ رسول الله إِذَا رَاعَهُ أَمْرٌ قَالَ : " اللهُ رَبِّي ، لاَ أشَرِكُ بِهِ شَيْئًا " وفي لفظ قال : " اللهُ رَبِّي ، لاَ شَرِيكَ لَهُ " ( [2] ) ؛ وقالت أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ : عَلَّمَنِي رَسُولُ اللهِ كَلِمَاتٍ أَقُولُهَا عِنْدَ الْكَرْبِ : " اللهُ اللهُ رَبِّي ، لَا أُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا " ( [3] ) ؛ وفي الترمذي من حديث إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : " دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ : لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ ، سُبْحَانَكَ ، إِنِّي كُنْتُ مِنْ الظَّالِمِينَ ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ ، إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ " ( [4] ) ؛ وفي مسند الإمام أحمد مرفوعًا : " دَعَوَاتُ الْمَكْرُوبِ : اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو ، فَلاَ تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ ، وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ " ( [5] ) .
فالتوحيد ملجأ الطالبين ، ومفزع الهاربين ، ونجاة المكروبين ، وغياث الملهوفين ، وحقيقته إفراد الرب سبحانه بالمحبة والإجلال والتعظيم ، والذل والخضوع ( [6] ) .ا.هـ .

[1] - البخاري ( 5985 ، 5986 ) ، ومسلم ( 2730 ) عن ابن عباس .

[2] - النسائي في الكبرى ( 10493 ) ، وفي ( عمل اليوم والليلة ) رقم ( 657 ) .

[3] - رواه أحمد : 6 / 369 ، والنسائي في الكبرى ( 10408 ) ، وابن ماجة ( 3882 ) وصححه الألباني ؛ والطبراني في الكبير : 24 / 135 ( 363 ) بهذا اللفظ ، ورواه أبو داود ( 1525 ) بلفظ : " أَلاَ أُعَلِّمُكِ كَلِمَاتٍ تَقُولِينَهُنَّ عِنْدَ الْكَرْبِ ، أَوْ فِي الْكَرْبِ ؟ اللَّهُ اللَّهُ رَبِّى ، لاَ أُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا " ، وصححه الألباني .

[4] - الترمذي ( 3505 ) ، وصححه الألباني ؛ ورواه النسائي في الكبرى ( 10492 ) ، والحاكم ( 1862 ، 4121 ) وصححه ، ووافقه الذهبي .

[5] - أحمد : 5 / 42 ، والبخاري في الأدب ( 701 ) ، وأبو داود ( 5090 ) ، والنسائي في الكبرى ( 10487 ) وحسنه الألباني ؛ عن أبي بكرة t .

[6] - إغاثة اللهفان : 2 / 134 ، 135 .