-5-
تأمَّلتُ حال الناس في رمضان من حيث التزامهم بالوقار والتؤدة والسمت الحسن خلال فترة الصيام، فألفيتُ بعضهم سريع الغضبة، لا يملك نفسه إنْ أسيء إليه أن يواخذ بالفلتة، ويأخذ بالجريرة، ويجزي بالسقطة، فتراه في الأسواق دائم الشغب، كثير الخصومات، عنيفا في المنازعات، قد ملأ نهاره مقاتلات، وعمَّر صيامه بالفلتات، حتى إذا رُدَّ إلى الصواب، ورجع إلى ذلك وأناب، قال إني صائم، ولولا الصيام لما كان ما كان، كأن الصيام هو الدافع إلى القتال، والمحرِّض على النزاع، والداعي إلى ارتكاب أنواع الحماقات.
وفي الحق فالصيام داع إلى الصبر، محرض على الوقار والسمت، مشجع على استعمال العفو والصفح ، وكذلك كان صيام السلف الذين غايروا بين يوم صومهم وفطرهم، فإنهم كانوا إذا صاموا صامت جوارحهم، وعلتهم سكينة، وزيَّنهم وقار، وغشيتهم رحمة، فأين حالهم من حال أهل زماننا في زحامهم على الطرقات، ومقاتلتهم على أدنى المقترفات والهنات؟!!
وتجد أصحاب العادات ممن ابُتلي بشيء من هذه السجائر وأنواع المخدرات صائما سريع الانفعال كثير المؤاخذات وربما قيل له في ذلك فقال إنه مبتلى بشيء من هذه القاذورات، فيجب أن يُتقى ويحسب له ألف حساب؟؟!! وهل رمضان إلا مدرسة يتُعلم فيها الصبر على الشهوات وأنواع البلايا والمقترفات؟؟ وهل هو إلا فرصة لتجنب مثل هذه الرزايا والمصائب والعادات؟؟ بلى والله إنه لكذلك: دورةٌ في الصبر، وورشة في المصابرة، وتدريب على الترك، وامتحان في الالتزام....