يقول تعالى "إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97)النساء
المتأمل في القران يتبين له أن القران إذا أراد ان يبين بشاعة موقف الموت وقسوته على نفس المتوفى أضاف فعل الوفاة إلى الملائكة يقول تعالى " وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (50) الأنفال , ويقول تعالى "وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آَيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (93) الأنعام, وهذه الآية " إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97)النساء
ولذلك فالآية تظهر مدي سوء حال هؤلاء القوم فهم أولا يعانون من موقف قاس فظيع وقت الوفاة اذ الملائكة هم الذين يتوفونهم وثانيا هم ظلموا أنفسهم وثالثا مصيرهم في الآخرة "جنهم وبئس المصير" فمن هؤلاء القوم الذين تتحدث عنهم الاية ؟ إنهم في الظاهر لم يفعلوا شيئا سوى الإقامة بين ظهراني المشركين وبجوارهم والسؤال لهم " فيم كنتم ؟ اين كنتم تقيمون ؟ واضح أنهم لم يشاركوا المشركين في ظلمهم ولم يقاتلوا معهم وما تخيلوا أن يصل موقفهم الى هذه الدرجة من السوء فقد حسبوا ان وجودهم على هامش المجتمع الظالم حتى لو كانوا مستضعفين لا دخل لهم بالأحداث سيعفيهم من العقاب فجاء الرد عليهم " الم تكن ارض واسعة فتهاجروا فيها "؟ وقد فطن ترجمان القران ابن عباس الى معزى الآية جدير بان نقف عنده طويلا روى البخاري عن محمد بن عبد الرحمن قال : قطع على أهل المدينة بعث فاكتتبت فيه فلقيت عكرمة مولى ابن عباس فأخبرته فنهاني عن ذلك أشد النهي ، ثم قال : أخبرني ابن عباس أن ناسا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على عهد رسول الله يأتي السهم فيرمى به فيصيب أحدهم فيقتله أو يضرب فيقتل ؛ فأنزل الله تعالى : إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم . فأنت ترى أن ابن عباس وهو من هو في فهم القران يري أن جريمة هؤلاء أنهم قد كثروا سواد المشركين شكلوا ظهير جماهيري لهم ولم يشفع لهم انهم كانوا على هامش الحياة إذ أن مجرد وجودهم بين ظهراني المجرمين يشكلون قاعدته الشعبية العريضة وظهير جماهيري يتباهي بهم المجرمون كان هذا كاف لهذا المصير السيء واذ كان العلماء يعرفون فقه البخاري من تبيوبه فقد بوب البخاري في نقله لرأي ابن عباس في تفسير الآية تحت" باب من كره أن يكثر سواد الفتن والظلم " وعلق ابن حجر في فتح الباري عند تعرضه للآية بقوله "وفيه تخطئة من يقيم بين أهل المعصية باختياره لا لقصد صحيح من إنكار عليهم مثلا أو رجاء إنقاذ مسلم من هلكة ، وأن القادر على التحول عنهم لا يعذر كما وقع للذين كانوا أسلموا ومنعهم المشركون من أهلهم من الهجرة ثم كانوا يخرجون مع المشركين لا لقصد قتال المسلمين بل لإيهام كثرتهم في عيون المسلمين فحصلت لهم المؤاخذة بذلك ، فرأى عكرمة أن من خرج في جيش يقاتلون المسلمين يأثم وإن لم يقاتل ولا نوى ذلك ; ويتأيد ذلك في عكسه بحديث : هم القوم لا يشقى بهم جليسهم . كما مضى ذكره في كتاب الرقاق" .
والمتامل في الآية وما سبقها من الحديث عن المجاهدين والقاعدين وما تلاها من الحديث عن المهاجرين والهجرة يتبين أن الناس عند حلول الظلم ومداهمة الأعداء ينقسموا الى أربعة أقسام قسم يسير في ركاب الظالمين ويصبح من جنودهم وقسم يقاومهم ويجاهدهم ما استطاع وقسم ينتقل من أرضهم لا هربا منهم بل ليتقوى عليهم في ارض أخرى لا سلطان لهم عليها ويقاومهم منها وهؤلاء هم المهاجرون وقد قرن الله بين الذين هاجروا وجاهدوا والقسم الرابع و هم الذين يظلون بين ظهراني الظالمين ليسوا من جنودهم ولا يشاركونهم في الظلم ولكن بقائهم مع الظالمين يقوى ظهر الظالمين ويكثر سوادهم مما يجعلهم في عيون الناس أقوياء فهؤلاء هم من تتحدث عنهم الآية تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا."