-6-
تأمَّلتُ حال الناس اليوم في توقيرهم لشهر الصيام فألفيتُهم طائفتين: الطائفة الأولى تقدِّر رمضان حقَّ قدره، فتصومه متقربة من الله تعالى، راجية ثوابه، طامعة في رضاه، ومن هذه الطائفة قومٌ قد يفرقون بين شعائر الإسلام في الالتزام، فيصومون لا يفطرون أبدا، وهم لا يصلون أبدا، ولا يزكون أبدا ولايحجُّون أبدا، ويرابون ويزنون ويشربون المسكر، لكن إذا جاء رمضان تقربوا إلى الله بالصوم فلم يفطروا ربما كان ذلك منهم مجاراة للعادة، ومسايرة لما يفعله الناس؟!!
الطائفة الثانية: قوم من بني جلدتنا من الذين انسلخوا من الدين، وتبرأوا من شرائعه، ورأوا ذلك تخلفا ورجعية، وانهزامية وظلامية، ومنافاة لروح لعصر، وخصومةً لمتطلبات المدنية المعاصرة، وقالوا : الصلاة أمر شخصي ولا دخل لأحد فيمن لا يصلي، والصوم أمرٌ شخصيٌّ ولا دخل لأحد فيمن لا يرى الصيام واجبا؟؟!!
وأنشأ هؤلاء العلمانيون من اللادينيين مواقع على الإنترنيت دعوا فيها إلى مقاطعة الصيام، وانتهاك حرمة الشهر الكريم بالأكل والشرب علانية نهارا جهارا ، وسموا أنفسهم بأسماء مختلفة وتدثروا في ذلك بشعارات متعددة.
وفي الحق فالصوم فعل شخصي وشعيرة سرية بين المسلم وخالقه، لا يطلع على حقيقتها إلا من أمر بها وفرضها، فمن آمن بالله ربا وصدق برسوله نبيا، واعتقد أن شريعة الإسلام تعدُّ في هذا العصر حكما وقانونا بادر إلى الصيام طواعية وعن طيب خاطر، وخلوص نية، ومن اعتقد غير ذلك فالله حسيبه وكفيله وجاعل كيده في نحره، وماذا عسى ينقص من ملك الله تعالى أن لا يصوم فلان أو فلان، أو عشرات أو مئات، أو آلاف؟؟!!
وماذا يضير الإسلامَ إذا وُجد من يأكل ويشرب ويضع موائد الغذاء جهرا وسرا، ومكرا وكيدا في نهار رمضان ويرفعها وقد ملأ بطنه بما يلذ ويشتهي، وواللهِ إنْ هو إلا جندٌ من جنود إبليس اللعين، مرق مع الشيطان الأكبر والعفريت الأحمر ، ففسق وفجر، وأفطر فجهر، فليصُم أو ليفطر فلن يُنقص من الإسلام شيئا.