يقول تعالى " إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (112) المائدة
نريد ان نقف عند هذه الآية عدة وقفات وقد سميت بها سورة من السبع الطوال " سورة المائدة " نسبة الى المائدة التي وردت فيها ولم يرد اسم المائدة في القران كله إلا في هذه الآيات من هذه السورة وحملت منها وهي من السور الطوال اسمها ونحن نميل إلى ان السورة توقيفي على ما رجحه كبار العلماء في هذا المجال يقول السيوطي في الإتقان في علوم القرآن "وقد ثبتت جميع أسماء السور بالتوقيف من الأحاديث والآثار" .
وقصة المائدة على ما يبدوا من هذه الآية كانت معجزة كبيرة وجاء السياق بها في سياق الحديث عن معجزات سيدنا عيسي فبعد الحديث عن المعجزات التي أيده الله بها جاء الحديث عن قصة المائدة " إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (110) المائدة
الوقفة الأولى :-جاء الطلب بصيغة غريبة غير مألوفة " هل يستطيع ربك " وهو ما دعا البعض الى اعتبار ذلك إساءة من الحواريين في حق الله إذ كيف يقولون "هل يستطيع ربك " ونحن نرفض هذا الرأي للعديد من المرجحات
1-المتامل في الآيات يجد الحديث كله في سياق المدح للحواريين سواء في هذا الموضع او في غيره من القران ففي هذا الموضع يمن الله على المسيح ان أوحي إلى الحوارين أن يؤمنوا به والله لا يمن إلا بشيء عظيم ,وفي موضع آل عمران هم الذي قالوا نحن أنصار وقالوا آمنا بالله واشهد بانا مسلمون عندما أحس عيسي من اليهود الكفر , فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52) آل عمران وتكرر ذلك في سورة الصف .
2-بالإضافة إلى أن الحواريين يعنى صفوة الصفوة من الأتباع وهم خلاصة الأتباع هكذا قال النبي صلي الله عليه وسلم عن أصفيائه وصفوته روى الترمذي قال رسول الله إن لكل نبي حواريا وإن حواري الزبير بن العوام و قال هذا حديث حسن صحيح وفي حديث مسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : ( مَا مِنْ نَبِىٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ فِى أُمَّةٍ قَبْلِى إِلاَّ كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ .....الحديث .
ومن ثم فإننا ينبغي حمل هذا الكلام منهم على الأدب مع الله وليس العكس ولحمله وجوه
أولها:- قراءة الكسائي المتواترة بالتاء ونصب الباء في ربك" هل تستطيع ربَك " وهي قراءة عائشة وعلي وابن عباس ومجاهد جميعا ويحمل المعنى على هذه القراءة هل تستطيع ان تدعو ربَك أن ينزل علينا مائدة"
الثانية:- وتوجيه قراءة الباقين بالياء تحمل على الأدب ايضا ويكون معناه : هل ينزل ربك علينا المائدة أم لا؟ كما يقول الرجل لمن هو أعلى منه درجة هل تقدر أن تعطيني كذا لا شاكا في قدرته وإنما يريد هل يعطيه أم لا.
ثالثا:- قول عيسي اتقوا الله ليس استعظاما لقولهم وتخطئة لهم كما يفعل العوام فقول اتقوا الله قيلت في القران للنبي يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (1) الأحزاب ,وقيلت للمؤمنين في اكثر من موضع
رابعا :- قد جاءت إجابة الحواريين بنفي الشك اذ " قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (113) المائدة وطلب طمأنينة القلب طلبها قبل ذلك سيدنا إبراهيم عندما قال "ولكن ليطمئن قلبي ",
خامسا :- وفي النهاية فقد استجاب لهم سيدنا عيسي " قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآَخِرِنَا وَآَيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ (114) " ولو كان قولهم فيه إساءة للأدب مع الله أو شك في قدرة الله ما تابعه على طلبهم .
الوقفة الثانية:- واضح من حديث القران أن طلب المائدة كان حدثا كبيرا وقد اعتبره المسيح عيدا لأولهم وآخرهم والملاحظ هنا أن النصارى اليوم لا يعرفون شيئا عن هذه القصة ولا يذكرونها في كتبهم لا من قريب ولا من بعيد ونقل ابن الكثير عن بعض الأئمة ذلك ورغم كونها كما جاء على لسان المسيح عيدا لأولهم وآخرهم فان النصارى لا يعرفونها كعيد ولا غيره والجواب لا يعدوا احد وجهين, الأول أنها لم تنزل والقران يكذب ذلك فيقول " قال الله إني منزلها عليكم " .
والوجه الثاني الذي تدل عليه قصة المائدة هو ا اندثار جميع الآثار والأشخاص المعاصرين للمسيح ولا يعلم احد عنهم شيئا وما كتب بعد ذلك عن سيرة المسيح كتب بعده بقرون من قوم لا يعرفون عنه شيئا ومن ثم يبقى القران هو المصدر الوحيد الذي اخبرنا بما حدث لعيسي والحوارين فهو الوثيقة الوحيدة الصادقة عن هذه الأحداث و هو ما بدأت به السورة الكريمة الحديث عن أهل الكتاب في اولها وجاءت قصة المائدة في آخرها تؤكده " يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) " المائدة , وذكره أيضا القران المكي في سورة النمل إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (76)النمل