س: ما حكم رفع صوت بعض الأئمة بالقرآن وبدعاء القنوت في صلاة التراويح؟

ج: رفع الصوت بالقرآن والقنوت في الصلاة أو خارجها مما هو خارج عن المعهود، وكذا الصراخ بهما: يعتبر من التعدي في الدعاء، ومن سوء الأدب بين يدي الله، كما أنه من البدع المحدثة والشطحات الصوفية.
ومن المؤسف أن هذه البدعة قد ظهرت مؤخرا في كثير من مساجد أهل السنة، لاسيما بلاد الحرمين.
وكذلك يعتبر التكلف في الدعاء، كالتلحين والسجع والتجويد به: من البدع المنكرة التي تخالف الدعاء المأثور، وتنافي أسباب الاستجابة.
قال الله تعالى: "ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين"، قال ابن جريج في تفسيرها: "أي المعتدين برفع الصوت والنداء والدعاء والصياح، وكانوا يؤمرون بالتضرع والاستكانة"، وقال غيره: "هو التكلف في الأسجاع".
وقال ابن عباس لعكرمة: "فانظر السجع من الدعاء؛ فاجتنبه فإني عهدت رسول الله وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك الاجتناب" أخرجه البخاري.
وكان عروة بن الزبير إذا عُرِض عليه دعاءٌ فيه سجعٌ منسوبٌ إلى النبي أو إلى أصحابه قال: "كذبوا؛ لم يكن رسول الله ، ولا أصحابه سجَّاعين" ذكره الطرطوشي.
وقال تعالى: "واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين".
وقال تعالى: "ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا". أي: لا تجهر بدعائك، قالت عائشة: "أنزل هذا في الدعاء".
وقال لأصحابه لما جهر بعضهم بالتكبير: "أيها الناس اربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبا، إنكم تدعون سميعا قريبا، وهو معكم" متفق عليه.
وعن عبد الله بن مغفل ، أنه سمع ابنه يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها، فقال: أي بُنيَّ، سل الله الجنة وتعوذ من النار، فإني سمعت رسول الله يقول: "سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء" أخرجه أحمد بسند حسن.
هنا تنبيهان:
الأول: أن ترك المألوف صعب على النفوس، ولو كان هذا المألوف مخالفا للسنة، أو كان بدعة محدثة!
وفي هذا يقول ابن مسعود : "كيف أنتم إذا لبستكم فتنةٌ يهرم فيها الكبير، ويربو فيها الصغير، ويتّخذها الناس سنةً، فإذا غُيّرت، قالوا: غُيرت السنةُ؟
قالوا: ومتى ذلك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: إذا كثرت قُراؤكم، وقلّت فقهاؤكم، وكثرت أمراؤكم، وقلّت أمناؤكم، والتُمست الدنيا بعمل الآخرة" أخرجه الدارمي بسند صحيح.
ويدل على ذلك أن كثيرا من مساجد أهل السنة اليوم: قد عجّت أصوات أئمتها بالقرآن، وبتحسين أسجاعهم في دعاء القنوت، إلا ما رحم ربك، وقليل ماهم.
وأسوأ من ذلك أن أكثرهم قد علموا بهذه الأدلة الشرعية، وسمعوا بهذه التحذيرات السلفية، وهم مع ذلك ما زالوا يدّعون تعظيم السّنة، واتّباع منهج السلف!
الثاني: أن السلف لم يكونوا يقنتون في النصف الأول من رمضان، بل كان قنوتهم في النصف الثاني منه!
والله تعالى أعلم.


كتبه
الشيخ الدكتور
ذياب بن سعد الغامدي.