يقول تعالى "وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (111) الأنعام
تعرض هذه الآية الكريمة لحقيقة اجتماعية هامة عن طبيعة المعاندين للحق يجهلها الكثير سواء من أهل الحق أو المعاندين له فهي تعرض سقوط ما تعللوا به من تعليق إيمانهم بالحق على نزول آيات معينة فجائت هذه الآية لتقول لنا أنهم لن يؤمنوا حتى لو نزلت هذه الآيات فظهور الحق بذاته كاف لاعتناقه ومن يرفضه متعللا بالآيات لن يؤمن أيضا لأنه يحمل نفسا كارهه للحق مستكبرة عن قبوله
لقد طلبوا نزول الملائكة عليهم وسجلت سورة الفرقان هذا الطلب في قوله تعالى "وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (21)الفرقان
وطلبوا ان يكلمهم من ماتوا قبلهم وسجلت سورة الدخان هذا الطلب في قوله تعالى إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ (34) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (35) فَأْتُوا بِآَبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (36) الدخان
كما طلبوا أشياء كثيرة لا يتصورها الخيال قال تعالى "وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (90) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (91) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (92) الاسراء
واقسموا بالأيمان المغلظة أنهم لو رأوا هذه الآيات فسيؤمنوا " وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آَيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآَيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (109)
فجاء قوله تعالى مكذبا اياهم " وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ"
والمعروف أن "لو" تفيد امتناع الامتناع أي امتناع الجواب لامتناع وقوع الفعل فتقول لو حضر عندي عمرو لأعطيته هدية فالجملة تفيد ان عمرو لم يحضر ولم يأخذ الهدية . كما تفيد انه لو حضر لأخذ الهدية غير أن "لو" هنا لا تفيد هذا المعني فهي لا تفيد انه ما دام الله لم ينزل الملائكة ولم يكلمهم الموتى أنهم امنوا بل تفيد انهم لن يؤمنوا حتى لو نزلت عليهم الملائكة وكلمهم الموتى ولو هنا تعنى تأكيد عدم إيمانهم في الحالات التي يستحيل فيها عدم الإيمان فلو نزلت عليهم الملائكة ولو كلمهم الموتى أيضا سيظلوا على كفرهم و لو هنا هي المشتهرة عند النحويين بلو "الصهيبية " نسبة إلى قول عمر بن الخطاب نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه فالمقصود منه انتفاء العصيان في جميع الأزمنة والأحوال حتى في حال أمنه من غضب الله . فليس المراد أنه خاف فعصى ، ولكن المراد أنه لو فرض عدم خوفه لما عصى
وهي كثيرة في القران ومنه قوله تعالى " وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا ".
وإذ تأملنا في واقعنا الحالي وتصورنا دلالة هذه الآية لتبين لنا مثلا "ان النصارى وهم يدعون أنهم أكثر الفئات تعظيما للمسيح لو قام المسيح وأصبح حيا بين أظهرهم وكلمهم وجها لوجه وقال لهم ما انتم عليه ضلال ما تراجعوا عما هم فيه من الضلال , والروافض الذين يزعمون أنهم أكثر الفئات حبا لآل البيت لو قام على او الحسين او السيدة فاطمة من بين الأموات وأنكروا عليهم ما هم عليه لظلوا أيضا على ضلالهم لو قام ماركس من قبره واخبر الشيوعيين بما رآه في الآخرة من العذاب لظلوا ايضا على باطلهم بل ظل ماركس نفسه ايضا على باطله بعد ما رأي في الدار الآخرة " ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وانهم لكاذبون "وهكذا فالآية تبين لنا طبيعة منكري الحق بانهم لم تنقصهم الحجة ولم تعوزهم البينة فالحق حجته بالغة والباطل حجته داحضة ولكنهم حملوا نفوسا مستكبرة عن قبول الحق غير راغبة فيه .
وقوله تعالى " ولكن أكثرهم يجهلون ذهب بعض المفسرين إلى أن هذه الجملة الأخيرة نزلت في المؤمنين ، فإن أكثرهم يجهلون قطعا أن هؤلاء المقترحين المعاندين من الذين فقدوا الاستعداد للإيمان والاستعداد للنظر الصحيح في الآيات والدلائل الموصلة إليه . وذهب بعضهم إلى أنها في الكافرين الذين لا يؤمنون –يقول صاحب تفسير المنار سنن الله تعالى في عباده وانطباقها على الأفراد والجماعات ، لذلك يتمنى بعض المؤمنين لو يؤتى مقترحو الآيات ما اقترحوه لظنهم أنه سيكون سببا لإيمانهم ، وليست الآيات بملزمة ولا مغيرة لطباع البشر في اختيار ما ترجح عند كل منهم بحسب نظره فيها وفي غيرها .ا.ه
فليهدا أصحاب الحق ولتسكن نفوسهم ولا تذهب حسرات على الظالمين فتلك طبيعة جبلت عليها نفوسهم وليس نقصا في الحجج والبينات.