يقول تعالى "وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176) الاعراف
أيا ما قيل عن شخص المقصود من الآية اهو من قريش أو من بني إسرائيل فالراجح أن الآية تحكي حالة عامة في عالم البشر وليس شخصا جرت سيرته في الزمن الغابر فكل من عرف طريق الحق واتصل بآيات الوحي ثم صدف عنها يكون مقصودا من الآية وهذا قول عكرمة من التابعين إذ يقول : هو كل من انسلخ من الحق بعد أن أعطيه من اليهود والنصارى والحنفاء .
والشخصية التي تحكي عنها الآية شخصية مثيرة للجدل وموقعة في الحيرة إذ انك عندما تري عالما أوتي من العلم جوامعه وفجأة تراه يسير في ركاب الباطل الذي كان يحاربه ويعاون الظالم الذي يقاومه و يتخذ من المواقف التي طالما انكرها وشنع عليها في كتبه ومحاضراته , ومن ثم تأتي هذه الآية لتفك هذه الألغاز وتنهي هذه الحيرة عن هذه الشخصية.
ومما ينبغي التنويه عنه بداية أن التشبيه في الآية ليس تشبيه حالة بسيطة بحالة بسيطة لمجرد التشويه أو الوصف بالخسة ، فليس تشبيه هذا الشخص بالكلب لمجرد تشويهه وإظهارا لخسته وحقارته, فالآية لا تجرى مجري السباب والشتم فهذا ابعد ما يكون في الآية بصرف النظر عن استحقاق هذا الشخص لذلك من عدمه ولو كان هذا هو المراد لما كان لذكر "ان تحمل عليه يلهث او تتركه يلهث "جدوى ولكن الآية تفتح لنا أبعاد هذه الشخصية تبسطها كل البسط لتكون واضحة للناظرين فهي تشبه حالة بحالة حالة هذا الشخص بحالة الكلب اللاهث دائما حملت عليه أم لم تحمل عليه وهذه الحالة اعني دوام اللهث بسبب أو بدون سبب غير موجودة إلا في الكلب فاللهث مجبول في أصل خلقته ومن ثم جاء التشبيه به لبيان الحالة وليس للتشوية, قال أبو محمد بن قتيبة:” كل شيء يلهث؛ فإنما يلهث من إعياء، أو عطش إلا الكلب، فإنه يلهث في حال الكلال وحال الراحة وحال الصحة وحال المرض والعطش، فضربه الله مثلاً لمن كذب بآياته.
ولنتأمل في الآية لنتعرف على أبعاد هذه الشخصية المثيرة للجدل.
أولاً- هذه الآيات الكريمة نزلت في إنسان عالم بدين الله تعالى ,ثم خرج منه إلى الكفر والضلال, فاستعملت لفظ فانسلخ منها وهذا اللفظ مستعمل في سلخ الشاة والسلخ اي نزع جلدها بعد ذبحها فهو لا يكون إلا بعد موت الشاة وهذا قد انسلخ من الآيات بعد موت قلبه ولو كان قلبه حيا ما انسلخ من الآيات ويعني انسلخ أيضا انه لن يعود إليها فالجلد بعد سلخه لا يعود إلى المسلوخ فهو إذا قد سلك طريق اللاعودة بخلاف حالة الفتور او المعصية التي تصيب المؤمن أحيانا فهي حالة عارضة أما هذه الحالة فهي دائمة ومن ثانيا : وقوله تعالى " فاتبعه الشيطان " بعد أن انسلخ من الآيات أصبح عاريا من أي حماية فأصبح مطمعا للشيطان فاتبعه الشيطان ولم يقل " فتَبِعَهُ " فإن في" أتْبَعَهُ " إعلامًا بأن الشيطان قد لحقه وظفر به وهذه لا تفيده تبعه كما قال الله تعالى" فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ "أي لحقوهم ووصلوا إليهم.
ثالثا :-وقوله تعالى "فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ " أي أصبح متصفا بالغواية بخلاف لو قال فغوى فاسم الفاعل يعني الاستمرار والدوام بخلاف الفعل الذي يعني الحدوث والعروض ,وهذا يعني أن أي حركة يتحركها ,وأي خطوة يخطوها, وأي نفس يتنفسه , يكون فيها غواية وضلال ,حتى ولو لم يقصد ذلك إذ هو "غاوى" أصبحت الغواية جزءا من شخصيته لا تنفك عنه,
رابعا :- ثم ذكرت الآية انه بعد هذا أصبح مثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث أي أصبح استعداده لقبول الموعظة منعدما فهو إن وعظته فهو ضال، وإن تركته فهو ضال؛ كالكلب، إن طردته لهث، وإن تركته على حاله لهث , كما في قوله تعالى " وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ(193) الأعراف .