يقول تعالى "إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (49) الأنفال .
الوقفة مع هذه الآية الكريمة وقفتان الأولى مع القائلين والثانية مع القول نفسه .
أما القائلين فهم المنافقون والذين في قلوبهم مرض ,وكما يقول علماء اللغة أن العطف يقتضي المغايرة فدل أن المنافقين طائفة والذين في قلوبهم مرض طائفة أخرى , وغالبا ما يأتي حديث القران بالمنافقين والذين في قلوبهم مرض مقترنين للتشابه في الأفعال والأقوال وقد يأتي الحديث عن الذين في قلوبهم مرض منفردا , فمن النوع الأول قوله تعالى "وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (12)الأحزاب.
وقوله تعالى " لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (60)َ الأحزاب .
ومن النوع الثاني قوله تعالى " َوأمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (125) التوبة .
وقوله تعالى " وَيَقُولُ الَّذِينَ آَمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ (20) محمد.
والحقيقة أن الكفار في قلوبهم مرض والمنافقين في قلوبهم مرض غير أني أري في التغاير بين الذين في قلوبهم مرض وبين المنافقين أنهم غيرهم فهم قوم من المسلمين لم يصلوا بعد إلى درجة النفاق الكامل إذ أن المنافق هو شخص كافر لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر لكنه يظهر غير ذلك أما مريض القلب من المسلمين فلا نستطيع أن نطلق عليه لفظ الكافر لأن عقيدته سليمة فهو يؤمن بالله وبالرسول لكنه ياتي تصرفات تتشابه مع المنافقين بسبب مرض في قلبه مثل الحقد والحسد والغل وغيرها من المشاعر السلبية المتراكمة نحو اخوانه من المسلمين هي التي تحدد سلوكه في المجتمع وليست عقيدته فهو ينطلق في تصرفاته لا من عقيدته التي هي صحيحة لا محالة ولكن ينطلق من مشاعر سلبية نحو المجتمع فتعمي بصيرته عن اتخاذ الموقف الصحيح بالنسبة لقضايا المجتمع فتجده ينطلق منه عداوته الشخصية نحو احد المسلمين بسبب مصالح دنيوية الى اتخاذ موقف سلبي عام من الإسلام عموما وقد يقف في صف المجرمين والمناوئين للإسلام استجابة لرغباته المريضة ويسير في ركابهم ليس قناعة بذلك بل فقط لضغينة وجدها في قلبه نحو احد المؤمنين أيا كان سبب الضغينة صحيح أم غير صحيح فانه ما كان ينبغي له ان تحركه هذه المشاعر السلبية لاتخاذ موقف سلبي نحو دينه وأمته وعقيدته " ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا "
وهؤلاء مرضي القلوب يمثلون احتياطي استراتيجي لمعسكر النفاق ومعسكر الكفر إذ يتبنون دائما مواقفهم وينظرون ياعينهم ويسمعون بآذانهم وغالبا يؤولون في النهاية إليهم أن لم يتوبوا أو يتخلصوا من مرض قلوبهم ولذلك علاج هؤلاء هو إصلاح مرض قلوبهم بالوسائل التربوية المختلفة وليس تكفيرهم او معاملتهم معاملة الكفار فذلك أجدي أن يعودوا الى أحضان المجتمع المؤمن بمشاعر صحيحة خالية من أمراض القلوب.
أما النظر في قولهم " غر هؤلاء دينهم " فهو يعبر عن نظرة المشركين الضيقة لقضية الإسلام وعدم استيعابهم لأهدافه العليا في هداية العالمين مما يعتبرونه أهدافا بعيدة المنال ومن يعتنقها رجل مغرور وان المسلمون هؤلاء حالمون ومتهورون وبعيدون عن الواقع يقول ابن هشام "في غزوة الأحزاب وقد عظم البلاء ، واشتد الخوف " قال معتب بن قشير ، أخو بني عمرو بن عوف : كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر ، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط , فلا شك أن من يسمع هذا الكلام من لم تستقر عنده العقيدة الصحيحة يعتبر هذا القول غرور وهو ما قاله فعلا المنافقون ومعهم الذين في قلوبهم مرض اذ قالوا ما وعدنا الله ورسوله الا غرورا " وابن هشام راوي هذا الكلام لا يري ان معتب بن قشير من المنافقين يقول" وأخبرني من أثق به من أهل العلم : أن معتب بن قشير لم يكن من المنافقين ، اقول لنا أن نتصور رغم عدم كونه من المنافقين إلا انه تبنى رؤيتهم وسار في ركابهم بسبب مرض قلبه وضعف نفسه , وهو مانراه في واقعنا.