في هذه الحياة ثمة أهداف نسعى ورائها ونلهث, نبذل في سبيل تحقيقها الغالي والثمين, نجعلها نصب أعيننا في قائمةٍ طويلة يتقدم بعضها على بعض وفق أهميته في حياتنا, هذه الأهمية تملي علينا خطواتنا القادمة, وقراراتنا الهامة, وشكل حياتنا المستقبلية.
ومن هنا أتساءل ـ أخي الكريم/ أختي الكريمة ـ ترى هل النجاة من النار واحد من أهدافنا الجادة في هذه الحياة؟, اسأل نفسك وصارحها: هل العتق من النار هدف له أولوية في حياتي؟
أعتقد أن الجواب العفوي المتسرع ليس هو ما أرمي إليه من وراء سؤالي, فجميعنا نرجو العتق من النار, لا يشذ منا أحد, لكن إدراكنا العميق لأهمية أي هدف في حياتنا سيجعلنا نعيد ترتيب قائمة أهدافنا لنمنحه أولوية؛ سيترتب عليها النهوض لعملٍ حثيث وجاد من أجل تحقيقه.
لذا أيها القارئ الكريم.. ـ يا من ترجو من الله أن يجيرك من النار ـ أنت بحاجة لوقفة قصيرة مع نفسك لتقيم هذا الهدف, لكي تستوعب: ماذا يعني لو أن الله استجاب دعاءك فكتبك في ليلة من ليال هذا الشهر من عتقاءه من النار؟
ألا تبدو لك أنها أعظم منحة أو مكرمة يمكن أن تحصل عليها في حياتك؟!
إنها وثيقة للنجاة من النار.. وأي شيء أخوف عليك من دخول النار؟! (عافانا الله واياكم)
إنها مستقر الفسقة والكافرين, وعذاب الجبابرة والآثمين, يصلاها كل من بارز الله بالمعاصي, وأنكر البعث والنشور, وقدم الفانية على الباقية, وهي أيضا مقلقةُ مضاجعِ المتقين, ومرهبةُ قلوب التوابين, فما من عبد يؤمن بالله حق الإيمان إلا وخوفه من غضب الله وعذابه هاجس يشغله, يكدر عليه لذة المعصية, ويورثه الانكسار بين يدي الله طلبا لرضاه والنجاة من عذابه, ولا عجب.. فالنار مخيفة مرعبة, تحوي أنواعا من أشد العذاب وأغربه وأفتكه، وبها من الأهوال فوق ما تدرك عقولنا وتستوعب, ويكفيك فقط أن تتأمل أقل الناس عذابا فيها حتى تدرك أنها أكبر خطر يتربص بك.. قال : ( إن أهون أهل النار عذابا من له نعلان وشراكان من نار، يغلي منهما دماغه كما يغل المرجل، ما يرى أن أحدا أشد منه عذابا، وإنه لأهونهم عذابا )!!
فأي كابوس أعظم منها؟ وأي بلاء أشد على ابن آدم منها؟
لقد تاقت نفوسنا وفاضت أعيننا ونحن نقرأ في سيرة المصطفى عليه الصلاة والسلام, أنه بشّر رجالا من الصحابة بمكرمة دخول الجنة وهم لازالوا على الأرض يمشون!, لكن هذه المكرمات نفدت بانقطاع وحي السماء بعد وفاته عليه الصلاة والسلام, ومع ذلك فإن الله رؤوف رحيم بنا, فقد أبقى لعباده بابا عظيما للفوز في هذه الحياة, ألا وهو الفوز بمكرمة النجاة من النار في شهر الغفران, فلله عتقاء من النار وذلك كل ليلة من ليال رمضان!, وسيظل هذا الباب المبارك مشرّع لكل أحد, حتى يسع العاصي والفاجر إن هو تاب, ويسع أكثر أهل الأرض ذنوبا وظلما إن هم أقبلوا, فرغم أنف من أدرك رمضان ثم لم يغفر له.
اللهم اعتق رقابنا ورقاب آباءنا وأمهاتنا وأزواجنا واخواننا وذرارينا وأقاربنا وجميع أحبتنا من النار، واجعلنا وإياهم هداة مهتدين صالحين مصلحين, برحمتك يا أرحم الراحمين.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم