معركة الأُردن أم معركة الأدران ؟!
قبل نحو ثلاثين عاماً خلت كان مُعلِّم الفصل يتكَّلم أمامنا نحن الطلاب عن أمراض الرئة وسبل الوقاية منها ، وكان يقول : أخطر أمراض الرئة مرض الدَّرن ، وهو السُّل نسأل الله العافية .
اليوم مع تقدُّم الطب تراجع مرض الدرن ، واستفحل مرض جديد وهو الإشتغال بتقاتل أهل السُّنة مع أهل السُّنة ، وبالتعبير العامي : ذبح وقلة ربح ! .

وقد يستدل بعض أهل السنة بروايات ساقطة ، لكسب المعركة وتكثير سواد المجاهدين ، ولتحصيل مزيدٍ من الضحايا ، مع تضيِّيع عبادات قد تفضل على كثير من الأعمال .

تأملت قبل مُدة الحديث المروي : ” لتقاتلن المشركين حتى يُقاتل بقيتكم الدجال على نهر الأردن ، أنتم شرقيه وهم غربيه ” .
قال الراوي : ولا أدري أين الأردن يومئذٍ ؟ ! .

فالرواية من ناحية الصناعة الحديثية لا تثبت سنداً ولا متنا ً، ولا يجوز رفعها للرسول ، حيث إن فيها تخصيص لم يثبت ، والتخصيص يحتاج إلى توقيف بسندٍ صحيح ، وهو هُنا ممتنع .
كثرت اليوم الفتاوى في الفضائيات وفي مواقع التواصل لكسب معركة الأردن ، وتناسى الناس معركة إلجام النفس للعبادة والإشتغال بالفاضل من الأمور . فللجهاد سُننه وله أهله وله فقهه ، ولا يحسنه كُّل أحد.
وفي التقدير الشرعي يصعب التمكين في الأرض مع تمزيق الصف الإسلامي ، كما هو مُشاهد اليوم للأسف . وعند الأصوليين لا يصح الشرط إلا بتأثير المؤثر على غير جهة السببية .

وهذه بعض المفاتيح للفوز في معركة الأدران :
1- يجب على المسلم التجرد لله بالإخلاص والعمل الصالح بعيدًا عن الناس إن أمكن له ذلك ، ولو في الأسبوع مرة واحدة لمزيد ابتهال وخشوع .
قال محمد بن واسع (ت: 123هـ ) تعالى : ” إن الرجل ليبكي عشرين سنة امرأته معه لا تعلم ” .
ويحصل ذلك بصلاةِ ليلٍ أوبعمرةٍ أو بصيامٍ أو نفقةٍ خالصة بعيدًا عن الرياء والثناء على النفس .

فإن تعذَّر التجرد والخلوة بالله لمزيد تضرع وانكسار فلا لوم عليه ولا إثم ، وليلزم الاستغفار ليله ونهاره ، عسى الله أن يفتح له أبواب الفرج ، لينجو مع مَن دبَّ ودرج . وقد قال الله تعالى :” ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيثُ لا يحتسب ” ( الطلاق : 2-3 ) .

2- يجب على المسلم إتمام واجباته الدينية كما أوجب الله تعالى ولو كان في ذلك مخالفة لرغبات النفس ونزعاتها الفطرية ، فإن النفس كما قيل : كالطفل إن تُهمله شبَّ على حُبِّ الرَّضاع وإن تفطمه ينفطمِ

ويلحق بذلك وجوب تفقد المسلم لنواقص الواجبات التي فرَّط فيها فيستدركها بقضاء ، ومزيد نافلة ، وردِّ لحقوق الناس، والتحلُّل منهم أو الدعاء لهم ، والتصدق عنهم إن تعذَّر ذلك . وهذه من العبادات المنسية اليوم في واقع الناس .
ومن كُسر شِراعه في هذا الباب ، فليتق الله ولينوي الخير للناس في قوله وعمله وسلوكه ، فهي عبادة دائمة أجرها لا ينقطع حتى بعد وفاة صاحبها .

3- العبادة لا تُسعد فؤاد صاحبها ولا تشرح صدره إن لم يتوجَّه إليها ويقصدها بعزيمة وصدق ، بلا عجلة ولا تسويف ، لأن لُبَّها في معانيها ، وقد تقرر عند الأصوليين أن العبرة في الأحكام بالحقائق والمعاني لا بالألفاظ والمباني .
وقد بيَّن الله تعالى في كتابه أن العَجَلة وقعت لموسى ابتغاء رضوان الله ، لكنها كانت سببًا لعبادة قومه العجل ،وقد عاتبه الله في ذلك ، قال تعالى :” وما أعجلك عن قومك يا موسى ،قال هم أُولاء على أثري وعجلتُ إليك ربي لترضى ، قال فإنا قد فتنَّا قومك من بعدك وأضلَّهم السامريُّ (طه : 83- 85 ) .
ويتضح ذلك بالمبادرة إلى الأعمال الصالحات في أول أوقاتها حسماً لنزغات الشيطان ، وقطعًا لوساوس النفس في تأخير الواجبات .وقد ثبت في المرفوع : ” أفضل الأعمال أو العمل: الصلاة لوقتها، وبر الوالدين “. متفق عليه .

4- عند فتور النفس عن العبادة والتفرغ لها، يجب النظر في عبادات الأنبياء والملائكة وخشيتهم من الله . فقد ثبت عنه أنه قال :” إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله كأنه سلسلة على صفوان ،فإذا فُزِّع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير” . أخرجه البخاري .

وعن جابر قال : قال رسول الله : “مررتُ ليلة أُسري بي بالملأ الأعلى، وجبريل كالحِلس البالي من خشية الله تعالى ” . أخرجه الطبراني بإسنادٍ حسن .
ومما يعين على ذلك الدعاء وتفقد أعمال القلوب ، فقد ثبت بالشرع والتجربة أنها سلاح لكل من غلبه أعداؤه وتشتت أُموره وأحواله .

5- من جاهد نفسه وضعفت به عن كل ما تقدَّم من : خلوة وإتمام وقصدٍ بعزيمة صادقة ، وأيقن فتور همته وبدنه ، إما بمرض نفسي أو بدني ، أو بلاء يتعذَّر به الترقِّي في الدرجات ، فليكثر ذكر الله آناء الليل وأطراف النهار ، فبه تُستجلب الخيرات وتُدفع النَّقمات . وهو الحصن الحصين ، والزاد الذي لا ينفد والسلاح الذي لا يُثلب .

وليجمع العبد مع ذلك صدقة جارية أو وقف له بعد مماته ، مهما كان يسيرًا كتوزيع مصاحف ، وتسبيل كُتبِ علمٍ نافع ، ونحوها من القربات.

والعلماء يقولون للذِّكر مئة فائدة ، والصحيح أن فوائده لا يُحيط بها إلا الله تعالى ، فلا يجوز حصرها .
وقد قال الله تعالى : ” فاذكروني أذكركم ” ( البقرة: 152 )، فهذه الآية الكريمة جَمعت كل خير يرجوه العبد ،وتضمَّنت دفع كل مكروبٍ يخافه ، فأين المشمِّرون ؟

والمأمول أن من جاهد نفسه واتَّقى ، سواء فُتح له الباب أو لم يُفتح ، فلا خوف عليه ولا حزن ، سواء مات في البِحار أو في القِفار ، أو أكلته السِّباع ، وقد قال الله تعالى : ” فمن اتَّبع هُداي فلا يَضلُّ ولا طه :123). ) يشقى ”
بهذه الطرق والأسباب – بعون الله تعالى – في ظِل العولمة والضرب في الأرض والإنشغال بالأولاد وهموم الحياة ، يصل العبد إلى مولاه ويحصد جناه .
لو راجعنا كتب التأريخ والمعارك ، لرأينا أن الفتوحات الإسلامية كان يسبقها تطهير للأدران وترتيب للصفوف ، وهذا ضعيف جداً في وقتنا ، فحسبنا الله ونعم الوكيل .
ومن فرائد ابن القيم (ت : 751هـ ) تعالى الُأصولية قوله :” إن الله تعالى لم يُجر أحكام الدُّنيا على عِلمه في عباده ، بل على الأسباب التي نَصَبها أدلة عليها ” . يقصد أن العبرة بعمل المكلف لا غير .

فتلمس هذه الأسباب مما يُعين على قطع المسافات ورفع الهمم وبلوغ المرام مهما كانت العوائق.

اللهم إنا نعوذُ بك أن ُنشرك بك شيئاً ونحن نعلم ، ونستغفرك من
الَّذنب الذي لا نعلم .
هذا ما تيسره تحريره ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .


د/ أحمد بن مسفر بن معجب العتيبي
عضو هيئة التدريس بمعاهد القوات البرية


( منقول )

http://ahmad-mosfer.com/1303