تأملت ُحال الناس اليوم في تسابقهم في رمضان للخير والطاعة وغفلتهم عن ذلك فيما سوى ذلك، فحصل عندي يقين- وقد كان ذلك قبلُ كائنا- أن هذا الشهر مبارك محفوف بالملائكة، مقيدة فيه شياطين الإغواء وتزيين الشهوة، والترغيب في المعصية، تصديقا للخبر الوارد في ذلك، وإن كنا نشاهد في بعض ليالي الشهر معاصي وذنوبا، ومصائب فنونا وألوانا، فإن ذلك من النفس الأمارة بالسوء، فلا داعي لتكذيب الخبر، والدفع في الصدر، فإن للفهم في ذلك لمتسعا، وللإدراك السليم لمجالا...
وفي الحق فإن ليالي هذا الشهر لمما تُلتمس بركاتها، وتُطلب عوائدها، وتُرجى خيراتها ونفحاتها، ويتأكد ذلك ويرغب فيه في هذه العشر الأواخر ، لموضع ليلة القدر منها...ليلةٍ خير من ألف شهر، وهل يعيش المسلم ألف شهر؟؟؟
ونقرأ في هدي الحبيب المصطفى أنه إذا دخلت العشر الأواخر شد مئزره، وأحيى ليله، وأيقظ أهله...ولعمر الله هذا صنيع من أحب دوام الطاعة، وبقاء العبادة، ولم يمل من الصيام ولم يضجر من القيام، وعلم أن ملاك الأمر كله حسن الختام...
وليلة القدر مخفية لترغيب الناس في الطاعة، والحرص على العبادة، وإن كان أغلب أهل زماننا على أنها ليلة السابع والعشرين من رمضان، فتراهم على الصلاة مقبلين، ولأنواع الخير فاعلين، ويكثر ذلك ويشتد حتى من العصاة الذين لا يصلون، ومن المذنبين الذين لا يلتزمون، فالكل متوجه إلى رب رحيم يطلب ما عنده، ويرجو خيره، ويأمل مغفرته ورحمته وجوده...
وفي الحق فإن التماس الليلة الشريفة لا يكون في ليلة معينة، بل يكون في الوتر من العشر كما أرشد إلى ذلك الحبيب ...
ولأهل هذا الزمان في هذه الليلة العظيمة عادات معروفة وممارسات مشهورة، فأهل أفقنا يصوِّمون في نهارها صبيانهم، وفيهم من يجعلها يوما لزيارة المقابر وإن كان ذلك غير وارد ولا محكي عمن سلف ممن يقتدى بفعله، وفيهم من يفطر في ليلتها على طعام مخصوص، لا يفطر عليه في باقي ليالي الشهر، ومنهم من يقوم الليل كله في مساجد لا توصد أبوابها، ومنهم من يقوم جزءا منه لا يزيد عن ورده المنقول، ومنهم يعمر ليله بقراءة القرآن الكريم ويقسم أجزاءه بين أناس مخصوصين يقرؤون منه قسما يرجون الختم عند مطلع الفجر وهكذا....
اللهم وفقنا لقيام ليلة لقدر وألهمنا أن ندعوك فيها قائلين: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا...