يقول تعالى حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (64) لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ (65) قَدْ كَانَتْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (66) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (67) المؤمنون .
هذه الآيات تبين ان عدم نجاة الكفار من عذاب الله إذا حل بهم كان بسبب ثلاثة تصرفات تصدر منهم إذا سمعوا آيات الله تتلى عليهم .
الحالة الأولى - أنهم كانوا على أعقابهم ينكصون، أي ينفرون عن تلك الآيات وعمن يتلوها ، كما يذهب الناكص على عقبيه بالرجوع إلى الخلف.
الحالة الثانية –الاستكبار- " مستكبرين به" والهاء في (به) تعود اما إلى البيت العتيق أو الحرم ، كانوا يقولون: لا يظهر علينا أحد؛ لأنا أهل الحرم.
او يعود الضمير الى النكوص والإعراض فيكون المراد مستكبرين بهذا النكوص,والإعراض ,والحالة الثالثة- "سامرا تهجرون " أي أنهم يسمرون بذكر القرآن وبالطعن فيه،
ونلاحظ ان آيات سورة المؤمنون قد انفردت بذكر هذه الحالة الثالثة للكفار عند سماعهم القران يتلي عليهم وهي " سامرا تهجرون " أما النكوص والإعراض والاستكبار فقد ورد كثيرا في ثنايا آيات القران كرد فعل للكفار على القران يقول تعالى" وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (36) الأعراف. ويقول تعالى "وَإِنْ يَرَوْا آَيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (2) القمر .ويقول تعالى " ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ "(23) المدثر.
وهناك الكثير من الآيات على هذه الشاكلة ,اما هذا الموضع من سورة المؤمنون فهو الموضع الوحيد في القران الذي أضاف حالة السمر عند سماعهم القران وهي سامرا تهجرون. . و في قوله تعالى: (تَهْجُرُونَ) قراءتان: قراءة نافع المدني (تُهجرون)،ضم التاء وكسر الجيم من أهجر، ومنه الهُجر في الكلام بمعنى: الفحش والكلام القبيح، فهم يتكلمون بالفاحش من القول والقبيح من الطعن في النبي ، والباقون كحفص بفتح التاء وسكون الهاء (تهَجرون) من الهجر، أي: قطيعة النبي ، أو من الهجر بمعنى الهذيان والتخريف، يقال: المريض يهجر، بمعنى: يخرف، والجملة في موضع الصفة لـ ( سامرا ) ، أي : في حال كونكم متحدثين هجرا أي: يخرفون كهذيان المريض ويخلطون في الكلام، وكانوا يسهرون ويقولون عن النبي أنه مجنون، وهذا القول من أكاذيبهم على النبي ، وهم يعرفون أنه ليس بمجنون ، ويقولون عنه: ساحر مجنون.
وكان كبراء قريش يسمرون حول الكعبة يقيمون حفلات ساهرة يتفكهون ويسخرون من النبي صلي عليه وسلم ومن المؤمنين ويؤلفون النكات الساخرة ، وكانت هذه عامة أسمارهم طعن في الدين وذكر القرآن بالفاحش من القول وتسميته سحرا وشعرا، وسب رسول الله واستهزاء بالمؤمنين .
لقد أضافت لنا سورة المؤمنون حالة من حالات الكفر وهي الكوميديا الساخرة من المقدسات التي تستخدم مادة لإضحاك الناس والترويح عليهم على حساب العقائد والمقدسات .
فعندما يصر اليوم فساق القوم على اعتبار السمر والسخرية من المقدسات فنا مبدعا لا يجوز التعرض له فإنهم يتلبسون بحالة أسلافهم من القوم المجرمين .و الآيات تبين لنا أن السخرية والاستهزاء والفاحش من القول والتهريج واحتقار المقدسات بالفكاهة ليست علما نافعا ولا أدبا راقيا, ولا فنا مبدعا, كما أن القائم بهذا الفعل ليس عالما ولا مبدعا ولا أديبا بل قاطع طريق ومفلس وجبان ما دفعه إلى هذا الفعل الدنيء إلا قلة حيلته في مقابلة الحجة بالحجة وجبنه عن إظهار ما يبطن ودناءة في نفسه عندما احتقر الآخرين وجعل من سلوكهم وعقائدهم مادة للمزحة والفكاهة . وفي النهاية فهي حالة من حالات الكفار عند تعرضهم لآيات الله تؤذن بان العذاب عندما يأتيهم ليس مصروفا عنهم .