تأملت حال الناس اليوم في صلاتهم للتراويح جماعة وإقبالهم على ذلك، فألفيت أكثرهم يعجبه أن يكون مصليا وراء إمام حسن الصوت، ندي القراءة، عذب التلاوة، حتى إن بعض الناس يشدُّ الرحال من مدينة إلى أخرى طلبا لذلك، مفضلا بذل الجهد في سبيل الوصول إلى إمام قارئ متقن في الأداء، حسن في التلاوة، يأخذ بالألباب، ويأسر بتجويد كلام ربِّ الأرباب.
وفي الحق فإن تلاوة المتقن التلاوة، وقراءة حسن القراءة، وإمامة عذب الصوت، تيسر القيام، وترغب في طول القنوت و الالتزام، فتهَشُّ لذلك النفس وتتشوف، وتتوق إلى ذلك وتتشوق، وتلذُّ بذلك الأعين والخواطر، ويطمئن إلى ذلك القلب والجد العاثر، بيْد أن في كثير من تصدي أئمة هذا الزمان الذين هم على هذا الضرب – لهذا الأمر بعض مؤاخذات، فمن ذلك: الإكثار من إبكاء المصلين، وقصد ذلك وتعمده، واستكراه ذلك والمبالغة فيه، إلى حد يكاد المصلي يخرج عن طوره، ويصير من يراه يظنه خارجا عن الصلاة ...ولسنا هنا نقول بعدم جواز ذلك ولا بمنعه، فلقد بكى الصالحون من قبل في الصلاة وأبكوا، وأشجوا وذرفت عيونهم بسخي الدمع وأخلصه، وأكثره وأقواه وأغزره وأشجاه...
وإنما المذموم من ذلك ما كان مصطنعا غير خالص لوجه الله، وماكان منه متعمدا خاليا من النية الصالحة لا يراد به الإخلاص.
وأما خروج ذلك عن الحد ومجاوزة القصد، ووصول الأمر فيه إلى الإغماء والسقوط، والتمايل المفضي إلى الرقص والترنح..فذاك مما ليس يعرف من هدي من هو أهل للتأسي والاقتداء.
وأحق ما قال العبد في هذه الليالي الشريفة: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني..